أزمة العراق
الدين والدولة ... وما بينهما
لم يكن ما حدث في الأسابيع الأخيرة على صعيد الشأن
الداخلي العراقي غير واحد من سلسلة اختبارات سيمر
بها العراق الجديد وهو يتطلع لبناء دولة معاصرة تختلف بالضرورة عن سيرة
الدولة العراقية قبل تاريخ التاسع من نيسان 2003 ، وتختلف بالضرورة أيضاً
عن سير الدول المجاورة وغير المجاورة ممن تقع ضمن الأقليم الشرق أوسطي، أو
بعبارة أكثر شمولية الدول المعرفة بأنها عالم ثالث.. والاختبارات التي
نتحدث عنها لا يصنعها أشخاص معينون يتقصدون إجراء هذه الاختبارات، بل أنها
تجيء صناعة تاريخية بامتياز، بمعنى أنها جزء من حركية التاريخ التي لا
تعرف السكون. المخاض العراقي لا ينفصل عن لحظات التاريخ الحاسمة، وقد مرّ
هذا المخاض بمقدمات عديدة وصولاً إلى ما هو عليه الحال اليوم.. ولقد كان
انهيار الدولة العثمانية وتأسيس الدولة العراقية في العام 1921 هو المقدمة
الأساسية لمخاض اليوم عندما تقرر رسم الحدود الجغرافية للعراق الحالي وهي
حدود لم يؤخذ رأي الشعب العراقي فيها على أية حال، وإنما صنعت نتيجة لقوى
كبرى لاعبة في المنطقة يضاف إليها القليل جداً من الآراء المحلية وهكذا
تشكل العراق الحالي واقفاً على أرض تخبئ مجموعة من القنابل الموقوتة والتي
عملت السياسات والأنظمة المتعاقبة على حكم العراق على طمطمتها دون أن تحاول، مجرد محاولة، أن تنزع فتيلها لما فيه ضمان مستقبل آمن
وهذه القنابل الموقوتة تشمل العامل الديني والقومي بشكل أساس، وما يتفرع
عن هذين العاملين، كذلك الثروات الطبيعية المكتشفة في هذه البلاد و
التاريخ الضارب في القدم لمناطق معينة منها.. كانت هذه العوامل مجتمعة تمثل
على رأي كثيرين خاصية عراقية وبالتالي فهي، أي الخاصية، تدعم وجود عراق
قوي موحد متعدد، بينما ذهب آخرون إلى اعتبار المشاكل الصعبة التي رافقت
مسيرة العراق الحالي منذ التأسيس وإلى اليوم نتيجة حتمية لهذه العوامل
وبالتالي يصبح البحث عن حلول للخروج من المأزق العراقي الراهن أكثر من رغبة
ملحة تتبناها تيارات عراقية فكرية إلى كونها رغبة عامة لانقاذ البلاد من
شبح الموت الذي يلاحقها
وفي الحالين ثمة الوصول إلى المخاض نفسه فماذا فعلت النخب الوطنية لتجنب
عسر الولادة وتيسير بناء الدولة الحديثة أو الدولة الطموح؟ ما هو مشروع
هذه النخب ورؤيتها الحضارية لهذه الدولة؟
يبدو العامل الديني هو الأبرز في معادلة الدولة العراقية ، دون أن يقلل هذا
العامل من أهمية العوامل الأخرى، فالعنصر القومي (عرب، أكراد، تركمان)
من الممكن أن يشكل حقاً عامل قوة للعراق، ويسهم في صياغة أفق من التعدد
الحضاري القومي يسهم في بناء دولة عصرية إذا ما ضمنت كل قومية داخل حدود
الوطن الواحد حقوقها كاملة غير منقوصة، ولا تشمل حقوق هذه القوميات الحق
الثقافي فقط وإنما الحقوق المادية المتعلقة بثروات العراق أيضاً، وكذلك
ضمان التمثيل السياسي الدائم وما إلى آخره من حقوق.. وهو أمر من اليسير
تنفيذه بعد التجارب المرة في العقود السالفة وما جره تهميش حقوق القوميات
غير العربية من ويلات على الكيان العراقي، ونعتقد أن أي مشروع وطني قادم
سيأخذ بنظر الاعتبار تلك الحقوق بل وسيعمل على تبنيها ودعمها انطلاقاً من
مرارة وقساوة الدروس السابقة... ما يتبقى إذن هو العامل الديني.
ومشكلة العامل الديني ليست مشكلة عراقية حصرياً، بل هي مشكلة الدول التي
لم تحسم لليوم مسألة الدين والدولة، وعلى سبيل المثال فحتى الدول التي
نزعت العمامة ولبست البدلات الغربية ظلت تخبئ على الدوام تحت طاولتها
السياسية ورقة الدين، حالة مصر مثلاً ، وبالطبع فإن النفاق السياسي الذي
ظل يتحكم برجالات الحكم في الدول الإسلامية، العربية خاصة، هو الذي يجعل
من العامل الديني قنبلة موقوتة.. الوضع في العراق لا يختلف بشيء عن سواه
من الدول العربية.. في سوريا تم قمع العامل الديني بقوة السلاح مراراً،
وكذا الأمر في لبنان وفي الجزائر وفي مصر وفي السعودية وفي فلسطين وفي
الكويت وفي المغرب وفي تونس وفي السودان وبالطبع في العراق.. ولكن الوسيلة
التي استخدمت في هذا القمع كانت غاية في البربرية، فالانظمة الحاكمة في
هذه البلدان لم تتوان للحظة في استخدام أبشع الأسلحة ضد التيارات الإسلامية
المناهضة لها (وبعض هذه التيارات كانت من صنع تلك الأنظمة!!) وفشلت
بالتالي أي صيغ للتعايش السلمي بين الدين والدولة، ونرى تأثيرات هذا القمع
ماثلة للعيان ومستعدة للانفجار في أي لحظة.. هكذا يمثل مسرح العراق الحالي
أنموذجاً لصراع، كما أنه نقطة المواجهة الأساس بين رؤيتين متناقضتين تحضى
الأولى، وهي الرؤية السلفية، بتأييد قطاعات كبيرة من العراقيين مدفوعة
برغبة هذه القطاعات الانعتاق من المحن الجليلة التي تعاني منها، مثل الجوع
والبطالة والتهميش، ويقود رؤية هذه الجموع الأمية المرعبة التي تعيشها منذ
عقود من الزمن، أمية فرضت عليها أنواع من التفكير الغيبي غير المستند إلى
إي مشروعية علمية وبالتالي فهي ترمي أنواع المآسي التي تمر بها تحت عباءة
الغيب والناطقين المعتمدين باسمه من رجالات الدين الذين يختلف تنورهم
الفكري ، بالضرورة، الواحد عن الآخر.. وليست الأمية التي نتحدث عنها هنا
متشكلة بسبب من غياب تقنيات الاتصال الحديثة عن المجتمع العراقي قياساً بما
وصلت إليه الحال في دول الجوار مثلاً ، لأن هذه الدول تعاني المشكلة ذاتها
بالرغم من حصولها المبكر على تلك التقنيات، إن ما نقصده هو الأمية التي
تتحكم في أنساق التفكير عند الملايين والموجهة بطريقة خاطئة، ولكن مقصودة، من قبل أنظمة الحكم ووسائل الإعلام التابعة لها لخلق حشود من التابعين
الذين يمتلكون حق الموافقة دائماً ولا يملكون أبداً حق التفكير فيما وافقوا
عليه! وفي ظل هذه الصورة الكوميدية بدا سهلاً أن تبزغ العديد من الوجوه
الإعلامية، والدينية أيضاً، في وسائل الإعلام العربية باعتبارها المتحدثة
بأسم الحقيقة فيما الحكومات تتحدث بأسم الضلال، وهي لعبة ذكية ولكنها غاية
في الخطورة، تتقصد تعميم النموذج الأمي الذي يتلقى الأوامر من جهتين
تبدوان مختلفتين ولكنهما في الحقيقة تلعبان لعبة واحدة، وهما: الأنظمة
الحاكمة وكوادرها من جهة والمؤسسات الإعلامية (الموصوفة حرة زيفاً) وسلطة
رجال الدين من جهة أخرى مع ملاحظة الحلف غير المكتوب بين تلك المؤسسات وعدد
كبير جداً من رجال الدين فهم يظهرون في تلك المؤسسات بصورة دائمة باعتبارهم
ملاك الحقيقة. إن مشكلة امتلاك الحقيقة قديمة قدم الدين نفسه، فالدين
دائماً ما قدم نفسه على أنه الحامل الوحيد والنهائي لكل الأسئلة والأجوبة
أيضاً، وانتقلت هذه الصياغة مع مرور الوقت، بسبب من نجاعتها، إلى فئات
المجتمع المتنوعة، فرجال الدين يمتلكون الحقيقة لأنهم ( رسل الدين وخدمته) والأنظمة السياسية وكذا الأحزاب المعارضة تمتلك الحقيقة لأنها تريد تحرير
المجتمع، وأخيراً وليس آخراً تمتلك وسائل الإعلام العربية الحقيقة لأنها
الوحيدة التي ترى مصلحة الأمة!.. وما زلنا ضمن نطاق الرؤية الأولى لبناء
العراق والتي يلزم إخراج أصحاب تلك الرؤية من نسق القبول الدائم إلى نسق
مختلف هو نسق التفكير في ما يقبل أو يرفض، وهي مهمة أصحاب الرؤية الثانية
والتي للأسف الشديد لا تحظى إلا بنصيب قليل من الانتشار في عراق اليوم
لأسباب كثيرة، ومنها عدم توحدها في برنامج واحد موحد ( كأن يكون حزباً أو
ما شابه)، وأيضاً بسبب يأسها من أمكانية الإصلاح الجماعي فتلجأ إلى
محاولة العمل الفردي وأيضاً قناعة عدد كبير من أصحاب هذه الرؤية على أن ما
يحصل في العراق اليوم هو مجرد صناعة تتداخل فيها عوامل غير عراقية كثيرة
بالإضافة للعوامل العراقية المعروفة.. إن الرؤية الثانية التي نتحدث عنها
هنا هي رؤية تقدمية ولا شك ، تطمح إلى بناء وطن مسالم من خلال تفكيك هذا
الوطن وإعادة بناءه، وبالرغم من صعوبة هذه المهمة، وربما استحالتها كما
يحلو للكثيرين القول، إلا أنها تبقى رؤية مقدسة ما دامت تضمن لجموع
الأقوام التي تعيش على الأرض المسماة عراقاً حرية العيش والعمل والعبادة
وممارسة الثقافة.. وبالطبع فإن ذلك لن يتحقق ما لم يتم تقليم سلطات رجال
الدين لصالح سلطات المجتمع المدني، ولا نقول السلطة السياسية، فالسلطة
السياسية في المشرق إجمالاً ميالة أشد الميل إلى الإنكفاء على ذاتها
وبالتالي ولادة ديكتاتوريات جديدة.. مؤسسات المجتمع المدني هي السبيل
الوحيد لتقوية الجميع: هيبة رجال الدين في أماكن العبادة والدرس، هيبة
الدولة ونظامها السياسي، وأخيراً هيبة المواطن الحر في وطنه الأمين.
إن حلاً من هذا النوع لن يرضي أطيافاً واسعة من المجتمع العراقي، خاصة ما
يتعلق بسلطات رجال الدين الذي يتفاخرون كالطواويس عندما يرون حشود الأمية
تلهث وراءهم ، وكذا لن يرضي مشاريع الطغاة التي بدأت بالنمو هنا وهناك
وبعيداً عن الأضواء ( حالة الكثير من المدن العراقية البعيدة عن العاصمة)... ومن المؤكد أنها رؤية لن ترضي العامل الخارجي اللاعب بقوة في المعادلة
العراقية اليوم، خاصة العامل الذي يدفع بقوة تجاه زعزعة الأوضاع في العراق
من أجل لجم أي محاولة للقيام بمجرد محاولة للتفكير الوطني ( يصمت الكثير من
ذوي الرؤية الوطنية داخل العراق اليوم بسبب من تهديدات علنية وغير علنية
لهم) ومع خطورة هذا كله يبدو الاستسلام لهذه الموجة العاتية بمثابة
الانتصار الأكيد للقوى السلفية السابق ذكرها وهي الخسارة المؤكدة لمستقبل
الوطن العراقي.
من المناسب ونحن نختم هذه الورقة أن نحيل إلى ما قاله المفكر الإسلامي
المعروف محمد أركون في كتابه (الإسلام، أوربا، الغرب) الصادر بترجمة
وإسهام هاشم صالح عن دار الساقي في لندن عام 1995 عن الأزمة الجزائرية،
وقد وجدت أن ما يقوله أركون ينطبق إلى حد بعيد على الأزمة الراهنة في
العراق ، وسوف اثبت نص أركون كاملاً بلا تدخل... يقول:
" ينبغي أن يهضم التطور لا أن تحرق مراحله دفعة واحدة. حذار من عسر الهضم
في التاريخ! ذلك أن ثمنه يدفع غالياً فيما بعد، والانتكاسة تكون بحجم
جميع الآمال التي علقت على هذا التطور. ولكن التطور يحصل أمام أعيننا
اليوم ويكفي أن نمتلك عيوناً ثاقبة لكي نفهم حقيقة ما يجري ونستخلص منه
النتائج والعبر.. لننظر إلى حالة الجزائر مثلاً . صحيح أن الأمور مؤلمة
جداً ومأساوية ولكن هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها المجتمع الجزائري
على نفسه بعض الأسئلة التي لم تكن تخطر على باله في السابق. فالظروف
الصعبة تدفعه إلى ذلك. والحاجة أم الإختراع كما يقال. لأول مرة تلاحظ أن
المجتمع الجزائري يحاول أن يجرب على نفسه (وعلى مستوى كل مواطن) ما يزعمه
الدين من جهة ، وما تزعمه الدولة أو السلطة السياسية من جهة أخرى. بمعنى
أن هذه المناقشة الحامية التي يسقط من جراءها ضحايا عديدون على أرض الواقع
تجرب لأول مرة في المجتمع الجزائري. لأول مرة يستبين الخيط الأبيض من
الخيط الأسود وتفصح الأشياء عن ذاتها. ومن خلال هذه المجابهة الشرسة
والمكشوفة للذات مع ذاتها فإن الجزائريين هم الآن في طور توليد وعي جديد..
لأول مرة ينبثق فهم جديد لماهية الدين ودوره في المجتمع، وما هية الدولة
ودورها في المجتمع، ورهانات كل منهما. لأول مرة يتمايز الدين عن الدولة
أو العامل الديني عن العامل السياسي والدنيوي. وهذه هي بداية الخيط التي
ستؤدي إلى طرح المشاكل بشكل صحيح في المستقبل. بالطبع فإن الثمن المدفوع
تلقاء عملية انبثاق الوعي التاريخي هذه يبدو باهظاً حقاً . ولكن لابد من
دفع الثمن لكي تتضح القضايا وينكشف القناع عن وجوه الأشياء وواهم من يعتقد
بأن التقدم يحصل دون دفع الثمن، ولكني واثق من أن الناس سوف يخرجون من هذه
التجربة بشكل مختلف تماماً عما كانوا قبلها، بمعنى أن وعيهم سوف يتغير،
سوف يتطور، سوف ينضج، وسوف يشكلون نظرة مختلفة عن الدين والسياسة والدولة
في آن معاً" .. إنتهى النص.
*******************