"أمير الأهوار" مقاتل من زمان الفجيعة
أحفاد سومر يبحثون عن جنتهم القديمة في عراق جديد
يختتم جيفين يونغ كتابه الذائع (العودة إلى الأهوار) بدعاء له دلالاته الكبيرة حين
يقول: (أدعو الله أن لا يأتي اليوم الذي يضطر فيه سكان الأهوار لترك جذورهم، فمن
شأن ذلك قتل شيء ثمين فيهم. ومع ذلك أعتقد أن هذا ما سيحدث يوماً ما . ولهذا يتعين
عليّ أن أنهي الكتاب بدعاء وهو أن يحافظ أحفاد السومريين على نقاء أرواحهم مهما
واجهوا من مصاعب وأدعو الله أن يقبل هذا الدعاء عليهم الآن وإذا ما تفرقوا فإني
أدعو الله أن يبارك أولادهم وأحفادهم في القرون القادمة).. بهذه الكلمات الحميمة
يعبر الرجل القادم من بريطانيا العظمى إلى مناطق الأهوار العراقية قبل حوالي نصف
قرن من الزمان… عجوز أمضى سنوات طويلة في المناطق الأشد إثارة في العراق، شأنه في
ذلك شأن مواطنه ثيسيغر، وقد خرج الرجلان بكتابين مهمين يعدان اليوم من أبرز مصادر
دراسة سكان تلك المناطق والذين تمتد جذورهم لأكثر من ست آلاف عام.
كتاب يونغ، كما كتاب ثيسيغر، يستند إلى مشاهدات حية، واللغة الاستعادية الاستذكارية
للكتابين مثلت تحدياً على قدرتها في الوصف والسرد البسيط الخالي من التعقيدات
اللغوية.. فمناطق الأهوار العراقية كانت تمثل للرجلين أكثر من مناطق ارتاداها بفعل
الرغبة السياحية، لقد تحولت هذه المناطق عندهما إلى ذاكرة رائعة عن شعب وتاريخ
وتقاليد وعلاقات برزت مجتمعة في الكتابين.
ومناطق الأهوار العراقية، بحسب دارسي الآثار العراقية، تعد مهد الحضارات السومرية
في العراق القديم، ويرجّح الباحثون أن تكون ثمة مدائن كاملة تحتها بقيت حتى اليوم.
ويشير بعض علماء السومريات، ومنهم العراقي فاضل عبد الواحد علي في أكثر من مؤلف،
إلى أن تقاليد وصناعات سكان مناطق الأهوار ما زالت معتمدة بشكل كبير منذ آلاف
السنين وإلى يومنا هذا، ومن ذلك الصناعات البدائية التي تكون المواد المتوفرة في
الأهوار أعمدتها (القصب والبردي بشكل خاص)، بل أن عبد الواحد علي يؤكد أن سفينة
النجاة السومرية كما وردت في الألواح كانت مصنوعة من القصب بناء على وصية الآلهة،
وهي الملاحظة الثمينة التي وجدناها في العديد من الكتابات التي تناولت تاريخ سومر،
والقصب كما هو معروف يمثل المادة الأساس في صناعة قوارب الصيادين في الأهوار كما
أنه المادة الأساس لبناء البيوت والمضائف وعدد الصيد ويصنع منه أيضاً أبرز آلة
موسيقية في تلك المناطق وهي آلة الناي .
والأهوار بالنسبة لي تمثل حلماً بعيداً .. ولادتي كانت في منطقة لصيقة لمناطق
الأهوار، وتحديداً في مدينة العمارة، وكان سكان الأهوار على الدوام ينظرون إلى
العمارة نظرتهم إلى مدينتي البصرة والناصرية باعتبار هذه المدن مراكز(للحضر)، وهي
تسميتهم على السكان المدنيين الذي يجاورونهم ويختلفون عنهم في عادات المأكل والملبس
كما في عادات الأفراح والأحزان وغيرها، والاختلاف هنا نابع من شرط واحد فقط هو شرط
التمدن، على إن جذور هذه التقاليد مجتمعة تظل واحدة بالنسبة لجميع سكان الجنوب
العراقي.. وبالرغم من القرب الجغرافي بين مدينتي ومناطق الأهوار كما أسلفت إلا أن
فرصة زيارة تلك المناطق كانت مستحيلة على الدوام.. في أوائل سبعينيات القرن الماضي
وقبلها بقليل كانت مناطق الأهوار تمثل المخبأ الأمين لانطلاق مقاتلي أحد فروع الحزب
الشيوعي العراقي التي فضلت حمل السلاح ضد السلطة المركزية، وهو ما يعرف بجماعة
الكفاح المسلح / عزيز الحاج / وبعد سنوات من الدم قام صدام حسين بالتوغل شخصياً في
مناطق الأهوار في حملة تلفزيونية مثيرة لكسب ود سكان تلك المناطق، وما زلت أتذكر
الصور التي بثها التلفزيون العراقي وأظهرت صدام يوزع التلفزيونيات على سكان المنطقة
الذين لم تصلهم بعد الكهرباء.. ولكن الهدنة هذه لم تكن إلا هدنة قصيرة للغاية لم
أستطع خلالها أيضاً من الدخول إلى تلك المناطق.. ومع بداية الحرب العراقية
الإيرانية صارت مناطق الأهوار من أكثر المناطق العراقية منعاً، حتى قام نظام صدام
أواخر تلك الحرب بأضخم حملة رسمية عرفتها مدينتي، وكان عنوانها: حملة قص القصب
والبردي في الأهوار، وكانت بقيادة نائب صدام عزة الدوري وقيادات من حزب البعث
الحاكم.. أتذكر كيف أجبر الآلاف من أبناء مدينة العمارة على المشاركة في هذه الحملة
المرعبة .. كانوا يأخذون المواطنين من الرجال والنساء وحتى الأطفال في باصات كبيرة
وسيارت مكشوفة إلى مناطق الأهوار تحميهم في ذلك القوات العسكرية وطائرات الهليكوبتر
ليقوم المجتمعون بحرق وقص نباتات الأهوار من قصب وبردي، وكان السبب في ذلك كما
أبلغوا الأهالي، لأن (العملاء والجنود الإيرانيون كانوا يحتمون بتلك المناطق) ثم
وفي مطلع التسعينيات كانت أدبيات السلطة تتحدث عن أهداف أخرى لهذه الحملة، ومن ذلك
هدف إقامة أنهر صناعية جديدة قالوا أنها ستعمر المناطق الصحراوية وتغمر الأرض
بالزرع!!!.. وكانت ردة فعل سكان تلك المناطق متوافقة مع مصابهم الجلل، حيث حملوا
بنادقهم بعد انتهاء حملة القيادة وبدءوا بخوض سلسلة من حرب العصابات ضدها استمراراً
لنضالهم الطويل ضد سلطات حزب البعث، وبالطبع كان ذلك سبباً مضافاً يمنعني، وغيري،
من دخول تلك المناطق..
حمل السلاح إذن صار سمة من بقي من سكان تلك المناطق، فقد فر الآلاف منهم إلى المدن
القريبة (العمارة، الناصرية والبصرة) وبعضهم هرب إلى المناطق الإيرانية المجاورة،
ناهيك عن من نفق منهم بحروب وهجمات النظام المتكررة ضدهم.. الذين بقوا حملوا السلاح
لفترة طويلة وظهر بينهم رجال كثيرون أبرزهم يعرف باسم كريم ماهود، ويلقب (أبو
حاتم)، وقد كنا في العمارة وبغداد نسمع عن هذا الرجل وجماعته قصصاً أقرب للأساطير،
بينما دأبت سلطات النظام على تصويرهم (بعصابة الأوغاد، الخونة، العملاء).. حتى أن
جريدة نقابة الصحفيين العراقيين التي يقودها عدي صدام حسين نشرت على صدر صفحتها
الأولى في العام 2000 رسالة كتبها تابعون لعدي يطلقون له فيها البشارة من أنهم
استطاعوا القضاء على (جماعة العملاء في مناطق الأهوار وإلقاء القبض على كبيرهم) في
مدينة المجر الكبير القريبة من مدينة العمارة، وبالطبع فقد كان الخبر عارياً عن
الصحة إذ استمر (أبو حاتم) في عملياته المثيرة للشغب بالنسبة للنظام.
خرجت من العراق وحلمي لم يتحقق في زيارة الأهوار..على إن فيلماً ذاع بين العراقيين
المنفيين، وكان سجله صحفي بريطاني بعد قمع انتفاضة الشعب العراقي في العام 1991 كان
كافياً للقضاء على أحلامي بالعودة ثانية لزيارة تلك المناطق… تظهر في ختام الفيلم
الذي حمل عنوان (حقول موت صدام) امرأة طاعنة في السن وهي تردد بألم وهدوء:
الشجر مات
الطير مات
الجاموس مات
ماكو ماي
بالضيم حالنه
فيما من وراءها تبرز الصورة في عملية تداخل ذكي جثث الحيوانات والطيور والأسماك
والبشر أيضاً في مكان كان يعد جنة عدن! ..
اليوم يظهر من جديد كريم ماهود، الذي لم يجد مراسل شبكة البي بي سي وصفاً له غير
وصفه بأمير الأهوار.. ظهر كريم ماهود في مدينة العمارة تحديداً عندما قام بالسيطرة
عليها وتحريرها من سلطة النظام الساقط بدون أن يطلق رصاصة واحدة مستغلاً عدم ولاء
الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب العراقي للطاغية المقبور ومستنداً إلى تاريخه الذي
يعرفه ويقدره أبناء تلك المناطق..
وبين يونغ وثيسيغر وأمير الأهوار تاريخ طويل حقاً، تاريخ تظهر وتختفي فيه وجوه
ووجوه: سومر، كلكامش، أور، أوتنابشتم، آلهة الحكمة السومرية… وصولاً إلى سيد صروط
والشيخ مجيد الخليفة وشيوخ بني لام والفرطوس والبو محمد، وإلى مناضلي الحزب الشيوعي
العراقي ومن تبعهم من مناضلي المعارضة العراقية بمختلف أطيافها، شيوخ عشائر وفلاحين
وعبيد.. جنود أتعبتهم الحروب، بعثيون يطيعون أوامر قياداتهم حتى ولو كانت تنص على
الإبادة، صدام حسين بكل جبروته وقسوته، وجوه مستشرقين ورحالة وسواح وشعراء
وقصاصين.. وجوه كثيرة مرت من هنا وبقيت أحلم وحدي في الوصول إلى هذا الهنا دون
جدوى.. هل أستطيع العودة الآن إلى العمارة؟ وهل أستطيع منها الدخول إلى الأهوار؟
وقبل هذا وذاك، هل عليّ أن أصدق تحليلات المختصين من إمكانية عودة الحياة إلى مناطق
الأهوار على ما كنت عليه في غضون سنوات قليلة قادمة؟ أسئلة حيرى تدور في رأسي دون
أن أجد لها أية إجابة..
***
************************************
كتب هذا المقال ونشر بُعيد سقوط نظام صدام في نيسان من العام 2003.