ا
لخطابان الشقيقانعندما يقرر الحاكم أنه الصحيح الوحيد على وجه الأرض!
مثل غيري، انتظرت خطاب الرئيس بشار الأسد الأخير، أنتظاراً سببه الوضع السياسي السوري المأزوم، والمئات من المقالات والتحليلات التي قرأتها في صدد هذا الوضع، فكان من الطبيعي انتظار وجهة النظر الرسمية الأبرز سورياً، وبالطبع ليس غير الأسد من يستطيع التصريح بوجهة النظر هذه لأسباب تتعلق بطبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة في الشرق الأوسط، وفي مقدمها سوريا.
بُثّ الخطاب، قرأته ولم أستطع تجاهل ذلك الحضور القوي لصدام حسين في ثناياه. فصدام، وباعتباري عراقياً لا أخاف من القول إني أعدّ نفسي خبيراً به، يعتقد أنه لا ينطق عن الهوى، وأنه يتحدث مثل حديث الملائكة التي لا يمكن أن تخطىء. صدام يوهم مستمعيه بأن الحقيقة هي ما يخرج من فمه، فإذا احتاج لذلك تمثيل دور إسلامي أو قومي أو إشتراكي أو... لن يبخل على الجمهور بأداء فيه بعض الهنات لكنه مليء بالإستعراض.
السيد الرئيس بشار الأسد تلميذ المدرسة نفسها التي خرّجت صدام حسين، وهو قال في خطابه إنه كان يقرأ في المدرسة دروس "النظرية القومية" التي كانت تركز على "مرتكزات عديدة منها العرق والجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة والتاريخ المشترك والدين واللغة وغيرها من العوامل الاخرى". وهو قول كان صدام حسين يردده علينا ليل نهار، كما أننا أبناء المدرسة نفسها مع فروق في التلقي لا أكثر ولا أقل. مصادرنا الثقافية، ومن ضمننا صدام وبشار، واحدة إذاً، فلا غرابة أن تبدو خطبنا متشابهة. هذا ما حدث مع خطاب الأسد الذي أردناه، أو في الحقيقة تمنيناه، أن يكون واقعياً وصريحاً فجاء رناناً متعالياً.
وإذا تركت مسألة التشابه بين الخطابين فإن خطاب الرئيس الأسد نفسه يعيدني إلى المربع الأول، ولقد وضعت خطوطاً حمراء عديدة تحت جمل السيد بشار الأسد، وهي بالطبع جمل صدامية مسبوكة بلهجة مخففة في الكثير من الأحيان، ناهيك بالاصطلاحات التي يستخدمانها. أمر مؤسف ولا شك، وخصوصاً قضية اللعب بالكلمات الموجهة الى الداخل، الشعب السوري في حالة خطاب الأسد، والتضليل في الرؤية الموجهة الى الخارج. سنأخذ فقرات من الخطاب وخصوصاً تلك التي تتعلق برؤية الرئيس السوري للعراق الجديد، وسوف نهمل جسد الخطاب الذي يتوجه لأصل مشكلة الخطاب، جريمة اغتيال الرئيس الحريري، لأسباب عديدة أولها أن هذا الموضوع سيشبعه كثيرون نقاشاً بما أنه جسد الخطاب ومناسبته، وأيضاً بسبب عراقيتي التي تخولني الحديث في شأن عراقي قبل أي شأن آخر.
بادئ ذي بدء يقرر السيد بشار الأسد بوضوح تام: إن شعوب المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما: المقاومة أو الفوضى، وهذه الجملة التأسيسية تضع العراق في فكيها، فإما أن نقاوم المشروع التغييري الذي انطلق في التاسع من نيسان 2003 وإما الوقوع في فخ الفوضى الذي تعمل دوائر عربية وغير عربية على الترويج له. وبالطبع فإن سلة الاتهامات في هذا الخصوص لم توفر سوريا. إن قصة المقاومة التي يتحدث عنها الأسد قصة طويلة حقاً قد تأخذ منا وقفة أخرى، ما يهمنا في سياق اليوم تأكيد الثنائية التي يروج لها الكثير من القيادات العربية: المقاومة أو الفوضى. وفي إمكاننا أن نحرف قليلاً في العبارة لتكون: الديكتاتورية، أنظمة صدام والأسد وما شابه، أو التحول الديموقراطي كما هي الحال في العراق. والتحول الديموقراطي في نظر هؤلاء رديف الفوضى، بدلالة عمليات المقاومة نفسها التي لم تبخل على العراقيين بأبشع الجرائم. يفوت هذه التحليلات غير المنصفة أن العراقيين، أو لنقل نسبة كبيرة منهم، اختارت الفوضى بلغتهم والتحول الديموقراطي بلغتنا. وما يشهده العراق من دفع في اتجاه التأزيم تشترك فيه أنظمة عربية وغير عربية وقنوات إعلامية وقوموية كثيرة، ما هو إلا محاولة لاستمرار الفوضى علها تقضي على مشروع التحول الديموقراطي. إننا نؤمن بإن ذلك لن يتحقق لسبب بسيط يتعلق بالضرورة التاريخية، فالفوضى التي أعقبت سقوط نظام صدام تحولت تدريجياً إلى نظام مؤسساتي ووزارة وبرلمان وصحف وقنوات فضائية وأماس وندوات... الخ. وهذا مرشح باضطراد للتطور النوعي الديموقراطي، ما يعني فشل أطروحة الفوضى التي يروج لها البعض من الأشقاء. وفي هذا الصدد لا بأس من التذكير بجملة السيد عمرو موسى الشهيرة قببيل البدء بحرب العراق عندما قال: إذا بدأت الحرب نكون فتحنا بوابات جهنم. السيد موسى ظل لفترة طويلة بعد الحرب يصف القيادات العراقية الجديدة بغير الشرعية ولكنه لم يصمد أمام تحولات الواقع العراقي فعاد وأقر بها في زيارته الأخيرة لبغداد، بل وأثنى على العراق الجديد!!!.
الخوف من الفوضى في العراق ضمن رؤية الأسد هو خوف من الديموقراطية في رؤيتنا.
أما الحديث عن "التفتيت والتذويب" و"الانفجار الكبير" و"دوامة المجهول" و"التداعيات الخطيرة" و"تذويب الهوية" و"طمس معالم العروبة" و"الفوضى السياسية والأمنية" و"الفتنة الداخلية" و"تقسيم العراق" (السطور الثمانية الأولى في فقرة العراق، خطاب الأسد)، فما هي إلا إشارات موجهة في الأساس الى المتلقي السوري، واللبناني أيضاً، تذكرهما بأن الديموقراطية التي تطلبون ستجلب لكم هذه الأوصاف المذكورة. ما حصل في العراق في حقيقة الأمر لا علاقة له بأوصاف الأسد هذه. إذ لم يحصل تفتيت وتذويب وانفجار كبير وتداعيات خطيرة وتذويب هوية وطمس معالم عروبة وفوضى سياسية (أما الفوضى الأمنية فمن أهم أسبابها هو التدخل السوري) وفتنة داخلية وتقسيم للعراق. الذي حصل هو الآتي: انتخابات ديموقراطية تعددية لأول مرة في المنطقة وليس في العراق فحسب، شعور عام بالحرية، حديث متواصل عن الفئات العراقية التي كانت مغيبة، وضوح شامل في الرؤية المستقبلية، تسلسل منطقي للأحداث السياسية منذ سقوط صدام وإلى الانتخابات المقبلة، تقوية للحضور الثقافي واللغوي التاريخي لمكونات البلد، تلاحم عراقي ضد محاولات ما يسمونه الفتنة، ذهاب قوي نحو دولة عراقية عصرية من الشمال إلى الجنوب، جرائم منظمة لأطراف خسروا امتيازات ضخمة بسبب التغيير، صعود طبقات عراقية كانت مهمشة. وفي فقرة ثانية يتحدث السيد بشار الأسد عما يسميه "ضرراً" : "عندما يخرج الضرر خارج حدود اي دولة، لا يعود الموضوع شأناً داخلياً بحتاً، بل تصبح الدول الاخرى معنية بتطورات الاحداث في ذلك البلد". والمهم في هذه الجملة تحديد معنى الضرر، وهو ببسطة شديدة التغيير الذي حصل في العراق، حيث تصبح محاربته قبل انتقال عدواه الى دول الجوار مهمة وطنية يحرص السيد بشار على القيام بها على أكمل وجه. هكذا يجيز السيد بشار الأسد لنظام حكمه تحت هذا البند، التدخل السافر في الشؤون الداخلية العراقية تحت شعار: إن ما يحدث في العراق ليس شأناً داخلياً!!! موضوع يذكّرنا بنظرية العدوى لتولستوي. والعدوى هنا تتعلق بانتشار الديموقراطية في الشرق الأوسط.
أما الحديث عن، نغمة، عروبة العراق فقد صار مكروراً للغاية، إذ لا يعرف العراقيون، العرب في غالبهم، لماذا الخوف على عروبتهم وممن تحديداً؟؟؟ بالطبع ثمة من لا يخفي شعوره بالريبة أزاء عربية شيعة العراق وعراقية أكراده حيث يكرر إعلامهم بصور شتى عربية السنة فيه وحسب. ويصل السيد بشار الأسد إلى نموذج سوريا في الشراكة، وهو حديث يعيدنا ثانية الى خطب صدام عندما كان يردد أن النموذج العراقي الذي يقوده كان أعظم نموذج للتكامل، وهي مغالطة مضحكة. في حالة سوريا لا يزال الأكراد، وهم سأحد أهم المكونات الرئيسية للشعب السوري الشقيق، يطالبون بحقوقهم في العيش الكريم دون جدوى، أما مذابح حماه فدليل قاطع على مبدأ الشراكة التي يتحدث عنها السيد بشار، تماماً مثل المقابر الجماعية التي كانت أنضج النماذج على احترام صدام للتنوع العراقي.
ويصل الرئيس بشار إلى حقيقة العلاقة بين العراق وسوريا طوال العقود الماضية، عقود من هيمنة حزب البعث على السلطة في الجارين الشقيقين، من دون أن يوضح لنا لماذا ظلت هذه العلاقة سيئة على الدوام إلى ما قبيل الحرب عندما زار السيد رئيس الوزراء السوري بغداد وقدم لطاغيتها سيفاً دمشقياً معتبراً دلالة على كون المعركة، اي معركة؟، هي معركتهما معاً. لا يريد السيد بشار الأسد الذي تتلمذ على الدروس نفسها التي تتلمذ عليها صدام حسين، الكشف عن حقيقة منعهما، نظام الأسد الأب والأبن من جهة ونظام صدام من جهة، لأبناء الشعبين الشقيقين في سوريا والعراق من الالتقاء منذ استقلال العراق ومنذ استقلت سوريا بلغة بشار نفسه، بل يذهب بلغة باهتة إلى اعتبار أن الذي تم، على طريقة المبني للمجهول، كان ممنوعاً، من الذي منعه، ولماذا وكيف؟؟ لا أحد يدري سوى أدبيات البعثين التي كانت تتهم بعضها البعض بالضلوع في المؤامرات والتخوين والمشانق، وفي أحيان كثيرة كانت تقول أدبياتهما بنظرية المؤامرة: الصهيونية، الاستعمارية، الامبريالية، الغربية، الشعوبية... الخ. هكذا التقى الشعبان العراقي والسوري في حالة اندفاع بعد تحرير العراق ما حز في أنفس الدول: الاستعمارية، الغربية... ألخ.
العينات السابقة، وثمة الكثير غيرها في خطاب الرئيس بشار الأسد في صدد التعامل مع الشأن العراقي، تدفع إلى القول بأن القيادة السورية ذاهبة بقوة للعب الدور نفسه الذي لعبه صدام حسين، وهو دور لا يأبه بمصائر الناس، حيث يكون الغرور والصلف مركزي الخطاب ولغته الوحيدة، وما يجره ذلك من وهم امتلاك الحقيقة المطلقة. السيد بشار الأسد لم يرسل أي إشارة الى العراق الجديد، وخصوصاً شعب العراق الذي تربى على كراهية النظام السوري، ولا إلى الشعب السوري الذي ظل ممنوعاً عليه الالتقاء بجاره العراقي لعقود بحسب بشار. ما أرسله الرئيس، جملة من التهديدات والتهويمات والتحليلات المفبركة لواقع الحال العراقي بدا فيها متأثراً جداً بما يطلقه محللو الفضائيات العربية وزمرة الجهاديين والمقاومين والتكفيريين وما إليه. كنا نرنو إلى خطاب الأسد ظناً منا أنه سينحاز إلى التجربة الشابة التي خيِّل إلينا أنه سيدشنها في سنوات حكمه، لكنه فعل الشيء المعاكس تماماً، عندما انحاز إلى تراث الخطب الرنانة والاستعراضات البلاغية الممجوجة على حساب الحقيقة، الحقيقة التي يبحث عنها: اللبنانيون والعراقيون، وقبل كل هؤلاء الشعب السوري...
****
نشر المقال في الملحق الثقافي لجريدة النهار اللبنانية
وأعيد نشر المقال في عدد من مواقع النت العراقية.