المذابح العراقية ثانية
ولأن هذه المذابح مستمرة في وادي الرافدين فلقد صار خبرها ثانوياً، يمر عليه المتلقي مثلما يمر على خبر اعتاد سماعه ولا جديد فيه، وهذا ما كنا نحذر منه على الدوام، عندما يتحول الدم العراقي إلى خبر مألوف في نشرات الأخبار المحلية وغير المحلية. إن الكثير من الذين نعرفهم داخل العراق يؤكدون لنا باستمرار أن خبر المذابح صار مألوفاً لهم فيما نتلقى اتصالات ورسائل من أطراف غير عراقية تؤكد الرؤية ذاتها، فلماذا صار منظر الدم العراقي في شوارع العاصمة شيئاً لا يشكل أي غرابة؟
إن ستراتيجية الارهاب الوافد كانت من الوضوح في العراق بحيث أنها سمت مطالبها، والتي كانت صدمة للكثيرين منا وخاصة ما يتعلق بتجريم فئات عديدة من أبناء الشعب العراقي بسبب دينهم أو قوميتهم لا أكثر، فيما تسترت قوى الإرهاب المقيم بشعارات فضفاضة وكاذبة أيضاً وهي تقوم بعمليات الذبح الممنهج لأبناء الشعب الواحد. على الجانب الآخر فإن كثيراً من التصريحات تخرج من هنا وهناك تفيد بإن القضاء على الإرهاب أنما يكون بالحل السياسي، وهي جملة ملتبسة جداً خاصة إذا عرفنا أن أصحاب هذا الرأي يقصدون ما يسمونه المقاومة الشريفة، وهي على رأيهم تضم بقايا النظام السابق، والمشكلة في مثل هذا الطرح أنه يلقي بأبناء المنطقة الغربية، والسنية، كلهم في سلة واحدة هي سلة التصدي للنظام الحالي، ولا يعتقد عاقل بمثل هذا الرأي بدلالة مشاركة قطاعات ونخب عريضة من أبناء هذه المناطق بالعملية السياسية منذ الثالث من نيسان ولحد اليوم، ويكفي مثالاً جماهيرياً على ذلك مشاركة أبناء تلك المناطق الفعالة في الانتخابات التشريعية الأخيرة. أبناء المناطق الغربية والسنية ليسوا كما يصورهم لنا قادتهم السياسيون والدينيون، فمن الواضح هنا أن كلاً يتحدث عن رؤيته التي تنطلق من شبكة علاقاته الشخصية الضيقة. الواضح إذن أن بعض الساسة الذين يتكلمون بأسم هذه الطائفة أو تلك إنما يريدون تحقيق مكاسب سياسية من وراء دعوتهم لما يسمونه الحل السياسي مع مصدر الإرهاب في العراق، ولو كانت دعواتهم تنطلق من حرص وطني وضمير حي وخوف على الدم العراقي لسارعوا بدون مساومات سياسية رخيصة وبذلوا الغالي والنفيس من أجل ايقاف هذه المذابح والدخول في مفاوضات سياسية إلى ما شاؤوا، ولكن، وللأسف الشديد، فإن أكثرهم يسفك الدم، أو يوافق على مشهد انسكابه، باعتباره ورقة ضغط ضد طرف معين، فيسقط بيد الطرف الثاني ما يدفعه للعب الورقة ذاتها.. هذا كلام، وللأسف الشديد، واقعي ولكنه مؤلم جداً، إذ أنه يحول الكثير من الوجوه المقدمة لنا باعتبارها نخبة وطنية من على شاشات التلفزيون، يقدمهم لنا باعتبارهم مجموعة من نهازي الفرص، بل مصاصي الدماء بلغة واضحة جداً ولا تعرف اللف والدوران.
وفيما يستمر الذبح في شوارع بغداد تستمر مأساة العملية السياسية وتتكرر، مجموعة من القيادات التي صارت اليوم تخطط لوحدها مصير البلاد في غرف المفاوضات التي لا أحد يعرف حقيقة ما يجري بداخلها. ما نعرفه أننا بتنا لا نحتمل اللحظات التي تظهر في التلفزيون مجموعة من الزعماء وهم يتحدثون في مؤتمر صحفي عن استمرار الجدل في نقطة معينة ويظهر بعدهم بيوم مجموعة أخرى تقول أن الحل قريب، وفي يوم ثالث تظهر مجموعة جديدة لتشير إلى صعوبات في المفاوضات، أما سيل التصريحات الصحفية لصحف عراقية وعربية وأجنبية فيوحي وكأن هذه الزعامت تناقش موضوعاً يتعلق بشيء آخر غير موضوع تشكيل الحكومة. من المؤسف أن هذه الصورة هي التي ميزت تجربتين انتخابيتين عراقيتين في زمن الحرية الراهن. ومن أبسط المعارف في هذا الموضوع أن الكتلة التي تحقق أعلى الأصوات تقوم بتقديم مرشحها لقيادة الوزارة للبرلمان الجديد ومن ثم يقدم هذا المرشح إذا ما حالفه الحظ في البرلمان أسماء وزراءه ومن ثم يبدأ العمل، فإذا كانت وزارته ناجحة استمرت وإذا فشلت في تلبية استحقاقاتها الوطنية أولاً تم اسقاطها وترشيح شخص آخر يقوم بتشكيل وزارة أخرى.. إلا أن نخبنا السياسية لم تعترف بمثل هذه السلاسة في تشكيل الحكومة لمرتين، وبالرغم من الظرف الدموي الذي يمر به العراق ما يستدعي السرعة الفائقة في تشكيل الحكومة، إلا أننا نراهم يخوضون في مفاوضات لا يمكن لها أن تنتهي أبداً... ابداً... فما يريده الساسة العراقيون هو "التوافق" على كل شيء قبل تشكيل الوزارة، بمعنى أنهم يريدون وزارة يتفق الجميع عليها وهو ما لا يمكن تحققه لا في الأرض ولا في المريخ، فالثابت على مر الأزمان أن أي شخص لا يرضي مجموعة أشخاص وأن أي حكومة لا ترضي أفراد الشعب بشكل عام.. والأمر ليس له علاقة بدول متخلفة أو متقدمة، أو بشخص دون غيره.. ولنا برسل وأنبياء الله عز وجل أسوة.
ما يحدث إذن من مفاوضات وجدل بين النخب الوطنية العراقية لا يمكن إلا أن يكون مساومات من أجل مصالح فئوية وشخصية ضيقة للغاية، تكشف عن خلل ما في هذه النخب التي أءتمنها الشعب العراقي على أصواته، بل وحياته، فيما استغرقت هذه النخب في همومها الشخصية وتركت المواطنين فريسة للسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة التي تمتلئ بها الشوارع والأسواق والمدارس والجوامع والكنائس ألخ... إن أي حكومة يتفق عليها في الأيام القادمة ستكون معرضة للنقد كما هو الحال مع حكومة افتراضية كان من الممكن لها أن تتشكل بعد اعلان نتائج الانتخابات الماضية، وهو أمر بديهي، ولكننا أضعنا، وأقول مرة أخرى أضعنا، حوالي ثلاثة شهور في مناقشات نريد من وراءها إجماعاً وهو ما لم يتحقق في أعتى الديمقراطيات وعلى مر التاريخ، والمؤلم حقاً هنا أننا مررنا في العام الماضي بالتجربة ذاتها وتأخر إعلان الحكومة شهوراً على حساب الدم العراقي.
وإذ يرى المواطن العراقي الصامت، غير المنتمي إلى أي من الوجوه التي تتخاطف أمامه من على الشاشة الصغيرة، يرى تدافع هؤلاء الطائفي واصطفافهم غير الوطني فلا يجد بداً له من الانزواء بعيداً مع نفسه وخيبته أو يسارع للاحتماء بدرع الطائفي والعشائري لدرء التهديدات الخطيرة التي تتعرض لها حياته وحياة عائلته دون أن تفعل السلطة الوطنية شيئاً لحمايته، هكذا تصبح الطائفية وتفرعاتها بديلاً للمشروع الوطني الذي كنا نحلم به لعقود، لأن السلطة الوطنية منشغلة كثيراً بأشياء أخرى والفرقاء السياسيون مشغولون أيضاً بأشياء أخرى، والدول المجاورة والأقليمية والشقيقة والصديقة والقوى الكبرى والعالم كله مشغول بأشياء أخرى، أشياء لا علاقة لها حقيقة بالدم العراقي، ولا بالوطن العراقي، ولا بالحلم العراقي فأي محنة إذن يعيشها هذا المواطن الذي لا حول له ولا قوة؟؟؟
إن مشاهد المذابح العراقية المتتالية عبر التلفزيونات المحلية والعربية والأجنبية تستدعي منا لالصراخ بأعلى الأصوات، الصراخ بوجه كل من يبيح تلك المشاهد ويوافق عليها ويباركها.. دعونا نصرخ بقوة لإسكات الأصوات الزاعقة التي تبيح قتلنا، وتشرد أهلنا، وتحاول جرنا إلى الخوض في بركة دم لا غير.. لعل في صراخنا القوي ما يوقف هذا النزيف الذي استطال وشمل بعنايته الجميع.
*******
نشر المقال في جريدة المدى أولاً بتاريخ 5/نيسان/2006 العدد 637 ثم نشر في إيلاف ومواقع ألكترونية أخرى.
********