المذابح العراقية

 أخبار المذابح:

بعد عامين على تحرير العراق من أشرس نظام ديكتاتوري في المنطقة، والعالم، تزداد في هذا الوطن الجريح عمليات القتل العشوائي باضطراد ما يدفعنا إلى الإعتقاد بعزم الإرهابين دفع خبر المذابح العراقية إلى الأخبار الثانوية في نشرات الأخبار، كما هو الحال مع أخبار القتل في فلسطين، وهو أمر يبدو مقصودا ً للفصائل الإرهابية العاملة على الساحة العراقية لتحقيق أهداف كثيرة، ومنها:

1.     تمييع الفرصة النادرة التي يعيشها العراق، والمنطقة، بالحصول على نظام ديمقراطي تعددي متحضر. فاستمرار القتل المجاني في العراق يوجه رسالة واضحة مفادها عدم قدرة العراقيين، وشعوب المنطقة، من العيش في ظل نظام ديمقراطي تعددي حضاري فهم معتادين على الأنظمة الديكتاتورية التي تحكم إلى ما لا نهاية.

2.     وبعودة الخبر العراقي إلى المرتبة الثانية يكون الإرهابيون قد حققوا أحد أحلامهم المتمثل بالصمت الرهيب على ممارساتهم الإجرامية، وهو الحاصل فعلا ً حاليا ً، إذا خفت التأييد الذي يحضون به حاليا ً في الكثير من الدول العربية.

3.     كما أن ذلك سيمنحهم قدرة على الإيغال في جرائمهم البشعة ما دام الصمت العام هو الذي يسود بعد كل جريمة من جرائمهم ما يعني تحقق حلمهم الرهيب بالقضاء على الوطن العراقي.

4.     وبالتالي تضيع اية إمكانية لحلحلة الوضع العراقي المتجه بقوة للتعقيد.

 هذه الأهداف، وغيرها، ليست مستحيلة التحقق في الظرف الحالي الذي يعيشه العراق، وما هذه الأصوات التي بدأت تعلو لعقد مصالحات مع المنظمات الإرهابية إلا البداية.

 فكرة المقاومة:

الكثير من الوطنيين العراقيين يقولون إن وجود فكرة المقاومة بحد ذاتها ليس عيبا ً ، بل واجبا ً وطنيا ً ما دامت الأمم المتحدة قد شرعت الوجود الأممي في العراق بكونه قوة احتلال بعد أن كان قوة تحرير، وهم يفرقون ، بناءً على ذلك بين مقاومتين، مقاومة وطنية تطمح إلى بناء عراق قوي يسرع بخروج قوات التحالف منه، ومقاومة متشرذمة وإن اجتمعت تحت يافطة واحدة هي يافطة العداء لأمريكا وللعراق على السواء. 

والمشكلة في مثل هذا الطرح تتمثل في ذلك الغياب الساطع للمقاومة الأولى، مقابل الحضور القوي للمقاومة الثانية. فأصحاب العداء للولايات المتحدة والعراق يعلنون ولاءاتهم الدينية والمذهبية والقومية بوضوح لا لبس فيه، وما عملياتهم الإرهابية الشرسة التي تطاول المدنيين بوصفهم موظفين في الدولة العراقية إلا النموذج لهذا الفهم، وبالمقابل فإننا نفتقد بشكل كامل أية فعاليات مقاومة ينتجها أصحاب ما عاد يسمى بالمقاومة الشريفة، أو الوطنية، بل إن المؤمنين بهذه المقاومة لا يعلنون عن أنفسهم لكي نستطيع التحاور معهم من أجل إنضاج مشروع وطني متكامل تساوقا ً مع دعوات الحوار المتكاثرة هنا وهناك.

داخل العراق وخارجه أيضاً، تدين قطاعات واسعة من العراقيين العمليات الإرهابية النشطة في العراق، وهي العمليات ذاتها التي يسميها الأشقاء العرب بعمليات المقاومة العراقية، والسؤال الجدير هو : إذا كانت هذه العمليات تمثل مقاومة عراقية فلماذا لا تجد لها صدى في صفوف العراقيين، أهلها كما يدعي الأشقاء؟

بوضوح شديد تعلن العمليات الإرهابية في العراق عن نفسها بوصفها محاولة خسيسة لوأد العراق، وهذا ما يفسر انفضاض العراقيين عنها، ومن وجه آخر فالعمليات الإرهابية ذاتها تعلن عن نفسها، بوضوح أيضا ً بإعتبارها الحصن والملاذ الأخير لمدمني العبودية، ذلك أن نجاح التجربة العراقية معناه انتقال عدواها لآخرين، وهؤلاء بالطبع لن يسمحوا بذلك أبدا ً ما دام يهدد عبوديتهم الموروثة.

المشروع العراقي الشعبي في تقديرنا بدأ بتجاهل عناصر هذه المقاومة، ثم تطور حتى وصل إلى إبلاغ السلطات العراقية المختصة عن نشاطها ومراكز تجمعها ما يعني رغبة عراقية شعبية في الانتهاء من هذه الصفحة القذرة، وقد دفع هذا الإجراء بالعناصر الإرهابية، المسماة مقاومة، إلى زيادة وتيرة فعالياتها الإجرامية تمهيدا ً لدفع الخبر العراقي إلى المرتبة الثانية ونكاية بالجمهور العراقي الموصوف في أدبيات هذه المقاومة بشتى الأوصاف الدنيئة مثل العمالة والكفر والنجاسة وما إليه..

كان القادة العرب، ونخبهم الثقافية والفكرية، قد دشنوا مشروعا ً مشابها ً في فلسطين منذ سنوات طويلة، ولقد وصلت الحال بالجمهور العربي، بعد أن انطلى عليه ذلك المشروع، إلى تغيير القناة التلفزيونية فوراً إذا ما بثت خبرا ً عن القضية المركزية، كما تسمى في الإعلام العربي والقومي، ولا يجد الكثير غير حرق الأعلام الأمريكية والإسرائيلية بديلا ً عن الكبت الذي يعانونه في بلدانهم إذا ما عاد الخبر الفلسطيني إلى المرتبة الأولى في نشرات الأخبار. والمحاولة اليوم جارية على قدم وساق لتمييع الحق العراقي وقضيته التحررية العادلة ضمن المشروع العربي ذاته الذي طبق عى القضية الفلسطينية. لقد حوصرت هذه القضية، أي الفلسطينية، لعقود في زاوية المقاومة، وصار عندنا نتيجة لذلك أطنان من الورق المسمى بشعر المقاومة ناهيك عن أدبياتها بشكل عام، وبعد هذه السنوات الطويلة الصعبة يدرك الفلسطينيون بأن مشروعهم الوطني قد سرق من تحت أقدامهم بمهمة عربية ونشاط لا مثيل له ما جعلهم يذهبون بقوة إلى صناديق الإقتراع باعتبارها البديل الحقيقي عن عمليات الموت اليومي التي كانت دائبة، فيما ظلت فكرة المقاومة يافطة لمن وجد نفسه خارج المشروع السلمي لحل القضية الفلسطينية ووجد نفسه معزولاً حتى من قبل الشعب الفلسطيني ذاته، أو في أحسن الأحوال فقد خزنت فكرة المقاومة بصيغتها العربية البشعة باعتبارها جزء من التراث العربي.

هكذا يبدو الحديث عن المقاومة العراقية ضمن الفهم العربي لها معزولاً عن الفهم العراقي لها. فالأشقاء ينظرون إلى الرصاص المنهمر في الشوارع العراقية وكذا السيارات والأجساد المفخخة وحتى الحيوانات باعتبارها مقاومة فيما يراها العراقيون عمليات إرهابية لا أكثر ولا أقل ينفذها فلول النظام السابق المنهار وبعض المتطرفين من إسلاميين ومتعصبين ومتطرفين.

 المثلث السني:

الحديث بهذه الطريقة يقودنا إلى مناطق التوتر الساخنة في العراق، وهي إجمالا ً عادت تعرف بالمثلث السني. ولقد لعبت عوامل كثيرة في تركز النشاط الإرهابي في العراق في هذه المناطق، ولكن الملاحظ أن أهالي مدن المثلث السني لا يوافقون بمجملهم على العمليات التي تنطلق أو تنفذ في مدنهم عكس ما يشيعه الإعلام العربي، ولا يحتاج ذلك إلى دليل ما دام الكثير من أبناء هذه المناطق يعيشون في بغداد، أو فروا من مدنهم المختطفة من قبل فلول الإرهاب إلى العاصمة ناهيك عن العدد الهائل من أبناء هذه المدن الذين يشاركون فعلياً باقي مكونات الشعب العراقي مسألة بناء الدولة على النمط الحديث.

كانت البداية مع الذين تبنوا مفهوم الطائفة السنية في العراق من رجال دين، حيث هاج وماج هؤلاء في الدفاع عن السنة العراقيين منطلقين من وهم في أذهانهم المريضة يقول بأن العراقيين سيجرمون أبناء السنة بسبب صدام، وهي كذبة مفضوحة فلقد كان النظام السابق قد وزع إجرامه على الجميع بما فيهم السنة. ووجد رجال الدين في هذه المناطق الدعم القريب والسريع من دول مجاورة تدين بالمذهب ذاته وتكره، كما هو معلوم، المذهب الشيعي، بل وتكفره على نطاق واسع كما تكره وتكفر أبناء القوميات غير العربية، والأكراد أبرزهم، باعتبارهم يهددون العرق العربي في العراق، فوصل الدعم على شكل أموال ورجال وأسلحة. ومثل باقي النخب الوطنية في العراق فقد استسلمت النخبة الثقافية في تلك المناطق لقدرها المجهول، وهو استسلام يعيدنا إلى المشروع الثقافي العراقي برمته في الخمسين عاما ً الماضية، والذي هو بمجمله مشروع استسلامي وللأسف الشديد، وبالطبع فنحن هنا لسنا بحاجة لمزيد أمثلة عن سطوة رجال الدين في مجتمعنا العراقي والشرقي عموماً، وكملت الدورة.

ومن جانب آخر فإن الآلاف من المشتغلين في المؤسسة العسكرية والأمنية والاستخباراتية زمن صدام قد وجدوا أنفسهم بغتة بلا عمل، بل ومكروهين من قبل الشارع العراقي لمشاركتهم الفعالة في العديد من الجرائم طيلة ثلاثين عاما ً وأكثر، وبما أن الغالبية العظمى من هؤلاء يتحدرون من مدن المثلث بالإضافة إلى الأموال التي يملكونها والسلاح والصلات العشائرية، فقد استطاعوا أن يجيشوا أنفسهم من أجل استهداف العملية السياسية في العراق، وكان سهلا ً عليهم قبل ذلك أن يؤمنوا بزوال النظام السابق ويشاركوا في بناء وطنهم بعد سنوات الخراب حين حانت لحظة التغيير أقلها تطهير أنفسهم من الجرائم البشعة التي ارتكبوها في السابق.

لقد سيطرت القيادات الدينية في مناطق أخرى من العراق على العناصر الإجرامية من أبناء تلك المناطق من الذين كانوا يعملون في الأجهزة القمعية السابقة، سيطرة كانت على أشكال مختلفة، فمنها ما هو شخصي ومنها ما هو عام وكان نتيجة لذلك أن قتل أو حيّد من هؤلاء الكثير، وهاجر بعضهم خارج العراق أو إلى بؤر التوتر العراقية وما تبقى قرر الاحتماء بالزعامات الدينية التي كانت لها أجندات غير أجندات رجال الدين في المثلث فأجبرتهم على الرضوخ للأمر الواقع المتمثل بالتغيير.

ومن المعلوم أن مدن الموصل والرمادي وتكريت وما يلحق بها من أقضية ونواحي وقرى تتمتع بصلات عشائرية وثيقة، شأن باقي مناطق العراق القريبة من بعضها البعض، وبالرغم من أن الكثير من شيوخ عشائر هذه المناطق أعلنوا أكثر من مرة وقوفهم ضد العمليات الإرهابية التي تستهدف الإنسان العراقي ومستقبله إلا أن الكثير من الزعامات العشائرية المستجدة، تلك التي ظهرت بعد العام 1991 بدعم مباشر من نظام صدام، لم تمتثل لأوامر شيوخها الكبار بل امتثلت لمصالحها التي خسرتها بانهيار نظام صدام فقامت باحتضان عدد كبير من أزلام النظام السابق من العاملين في تشكيلاته الأمنية والاستخباراتية والبعثية ووفرت لهم الغطاء اللازم لتحركاتهم المشبوهة في هذه المناطق. ويستفيد هؤلاء من الطبيعة الصحراوية التي تحيط بهذه المدن للإختباء في عميليات كر وفر منذ عامين وإلى اليوم.

 

ضحايا المذابح:

عاد تسعة عشر صياداً من أبناء مدينة غماس  إلى بلدتهم جثثا ً هذه المرة بعد أن كانوا يعودون إليها وقد عمرت جيوبهم من التجارة التي يعملون فيها، وهي الصيد في بحيرة الثرثار. فما الذي حدث؟ إليك الرواية نقلا ً عن ذوي الضحايا :

في يوم الاربعاء 19/نيسان/2005 وصلت غماس تسع عشرة جثة لشباب صيادين من ابنائها يعملون في حديثة في سد الثرثار ويسمونهم ( الكرفه) مقابل اجور زهيدة تكفي لتغطية امور حياتهم المتواضعة.وقد دأبوا على هذا العمل منذ سنين هم او من سبقهم عند احد الملاكين في حديثة من الذين يملكون مساحات مائية في سد الثرثار يسمونها ( اللوحه). وقد علقت على رواق مقهى صغير في مدينة غماس  18 صورة للشهداء لأن الشهيد التاسع عشر حسين علي حسين مواليد 1944 لم تتوفر له صورة وهو اكبرهم سنا، وقد حدثني صاحب مقهى الزهاوي مسلم كاظم عاشور وهو اخ الشهيد عناد كاظم عاشور مواليد 1985 وهو اصغر الشهداء سناعن هذه المجزرة بالقول: لقد ذهب الشهداء في بداية موسم الصيد كعادتهم بعد ان استأجروا سيارة نوع ( كيا) تعود لأحد اصدقائهم من اهل غماس الى حديثة، وعند وصولهم الى كراج حديثة احاط بهم مسلحون ارهابيون واقتادوهم  مع السائق والسيارة الى ملعب المدينة وانزلوهم منها ثم طلبوا من السائق العودة لأنه لا شأن له في القضية ولكنه كان يصرخ فيهم :ماذا سأقول لعوائلهم ،هؤلاء اصدقائي لن اعود بدونهم او اقتلوني معهم.فقتلوه مع رفاقه.
شهود عيان وبضمنهم الملاك الذي يعملون عنده روى لنا عند ذهابنا ومقابلتنا  له في حديثة انه كان يعاني من صراع ومنافسة على الصيد مع ملاك آخر لم يذكر اسمه وقد ذهب هذا الملاك الآخر وهو صاحب علوة اسماك في حديثة الى استئجار فرقة من الارهابيين  لتصفية عمال منافسه وكان الملاك صاحبهم قد حضر الى الملعب ومعه امام جامع حديثة وهو  يقسم للارهابيين ويصيح :هؤلاء عمال على باب الله ولا شأن لهم في ما بيننا ولكنه لم يكن ليستطيع حماية عماله. والمفجع في الحادثة (والكلام لصاحب المقهى) ان العملية التي تمت في الثانية من ظهر ذلك اليوم قد حضرها اهل المنطقة حول الملعب من نساء وأطفال وقد تم رجم الشهداء قبل قتلهم بالحجارة من قبل الاطفال وبتحريض من الارهابيين بحجة انهم شيعة كفرة وكانت النسوة تشجعهم بالزغاريد وبلعن الشيعة.وتركت الجثث في وسط الملعب.وقد تم التمثيل بها وكانت جثة الشهيد عناد كاظم عاشور اخو صاحب المقهى اكثر الجثث تمثيلا فقد تم درزها بالرصاص وقد بدأوا الرمي على مفاصلهم قبل قتلهم تلذذا بموتهم البطئ.ومن الفجائع ان الجثث تم استلامها من  مستشفى تكريت مقابل مبلغ 200 الف دينار واستأجرت لهم توابيت مقابل 35 الف دينار لكل تابوت على ان تعاد قبل وصولها الى كربلاء كشرط من اصحاب الجوامع الذين اجروا هذه التوابيت. وقد تم التباحث مع المرجعية الشيعية في هذا الشأن فبادر مكتب السيد علي السيستاني بدفع مبلغ مليون دينار  لعموم عوائل الشهداء وأوصوهم بالصبر، وارسل مكتب شهيد المحراب مساعدة قدرها مليون دينار لعموم عوائل الشهداء وانهالت الوفود على بيوت اسر الشهداء وقال صاحب المقهى ان عشائر الشهداء لم تتخذ أي اجراء مضاد التزاما بوصية المرجعية التي اوصتهم بالصبر وتجاوز الصراع الطائفي بين ابناء البلد الواحد.
اما الشهداء فهم: عناد كاظم عاشور مواليد 1985 وهو اصغرهم وحسين رسول نعيم الاسدي ووسام نوري فرار وسمير رحمن سعيد الهرداوي وجبار كريم الاسدي وعماد وحيد محسن ونصير العارضي واحسان زميل واحمد جميل مزهر وعلي جليل عارف خماط وعلي كاظم موسى وسعد شمخي جبار وصالح سعيد مسلم وصادق عبد الله جاسم واكرم عبد الحسين ازركَ وكاظم جابر حيدر الركابي وعامر فيصل عبد الزهره شاهر وحسين علي حسين وهذا اكبرهم من مواليد 1944.
وقد اكد لي استاذ جامعي طلب عدم ذكر اسمه ان الارهابيين في مدينته التي نزح منها يولمون بعد كل عملية ينفذونها وليمة تقربا الى الله وان اهل المدينة يتوافدون عليهم خوفا منهم لأن من لا يحضر فهو ضدهم واول الحضور هم اصحاب المناصب في المدينة.
(كتابات الألكتروني بتاريخ 28/حزيران/2005 بقلم علاوي كاظم كشيش)

وماذا بعد؟: 

إن مدينة عريقة مثل مدينة الموصل مهيئة فعلا ً لقيادة انتفاضة سلمية ضد المذابح العراقية، فالموصل تعد واحدة من أكبر ثلاث مدن عراقية حضارية بالإضافة لبغداد والبصرة، وهي تضم العديد جداً من الكفاءات الوطنية والنخب الثقافية والسياسية في العراق، وإذا ما تحققت انتفاضة الموصل، وهي في تقديرنا وشيكة للغاية، فإن ذلك يعني سحب البساط  في أهم مدن المثلث من تحت أقدام الإرهابيين ومناصريهم. إن ذلك يستدعي أولاً توفير الدعم المادي والمعنوي لأبناء الموصل، وخاصة نخبها، من أجل بيان إيجابيات التغيير في العراق تمهيدا ً للإشتراك في الإنتخابات المهمة والحاسمة والتي من المؤمل إجراؤها نهاية العام الحالي. ولأن الموصل هي أحد المراكز الحضارية العراقية، كما أسلفنا، ولأن أبرز مقدمات النهضة القومية في العراق كانت من هذه المدينة، فإن النتائج المرجوة لانتفاضة الموصل ستصحح الصورة عن مذابح العراق بعزلها للإرهابيين بعيدا ً عن مصطلح المثلث السني، وذلك سيعيد الإعتبار لأبناء المذهب السني في العراق والذين عرفوا على الدوام بشجاعتهم ونضالهم الوطني من أجل عراق حر وتعددي ومتسامح. ولإنجاح هذه الانتفاضة تقع على عاتق الحكومة العراقية المنتخبة الحالية واجبات مهمة تتمثل بشكل أساس بإسناد أبناء الموصل بكل ما ييسر ولادة انتفاضتهم الوطنية ضد الإرهاب.

إن مدنا ً عراقية أخرى مطالبة بمؤازرة أي مشروع وطني يتصدى للإرهاب، وهو ما ظل غائبا ً بشكل لافت طيلة العامين الماضيين. فالتظاهر السلمي في المدن العراقية المختلفة ضد الإرهاب يعد ضرورة وطنية في تقديرنا لإعادة الخبر العراقي إلى مساره الصحيح، ونقصد المسار الذي يشدد على نبذ العراقيين للإرهاب المنتشر في العراق، فمن العجيب في هذه الظروف عدم وجود مؤسسة عراقية واحدة مهمتها تحشيد الجمهور ضد ظاهرة الإرهاب، ومن العجيب أيضا ً أن لا تبادر الحكومة العراقية إلى تنظيم الندوات والفعاليات والمهرجانات المخصصة لإدانة الإرهاب على أن يشارك فيها الجميع.

قصة الصيادين العراقيين من أهل غماس ليست قصة تراجيدية لتزجية الوقت وذرف الدموع، إنها قصة من قصص العراقيين اليوم تجتمع فيها بؤر كثيرة، مثل اللعب على الاختلافات المذهبية وتصفية المنازعات التجارية بالقتل وتأجيج حال العداء بين أبناء الوطن الواحد والعودة إلى لغة الثارات القبلية و أيضاً وقبل كل شيء: حرمة الدم العراقي، وهكذا تبدو القصة دعوة وطنية لمن يهمه أمر هذه البلاد بتداركها قبل فوات الأوان..

***

نشر من على عدة مواقع ومنها: إيلاف، شبكة النهرين، كتابات، الأرشيف العراقي، دروب، عراق الغد وغيرها، وذلك في الأسبوع الأول من شهر حزيران 2005.

 

 

 مقالات في الشأن العراقي