أوشك أن أكون معي
يقترب الصباح...
عيني على المطارات، فاللاجئون أكثر من أن يعدهم ليل آفل... وعلى الحدود، يفرّ الأبناء مثل ماشية مهرّبة. كان أبي، من أشد ّ الكارهين للحقائب، وأضرب مثلا ً برحلاته الموسمية إلى كربلاء، زوّادته شربة ماء ورغيف يابس،... كبرت، وكانت الحقيبة منزلي، يتفحّصني بعيون دامعة مدركا ً أنني قد ضعت، ماذا لو كان ليل المطرودين بلا صباح، كيف، أو لمن – على وجه الدقّة- سيحكون أحلامهم إذن؟ّ في الطريق إليه، هكذا أعتقد، أكثر من محطة تستحق ّ القص ّ، وذلك بالضبط ما يدفع إلى إيلائه مزيد اهتمامنا، فغدا ً، سوف ننام على أية حال، على أن القصص بحاجة إلى مستمع واحد. إعطني أذنيك، هذا كائن ليلي ينأى عنه شعاع الضوء، في الزنزانة أكثر مما ينبغي، يدير رأسه مثل قرد فلا يجد بدّا ً من اتهام الجدار بالخيانة والمرأة بالتلصص والكرسي بالتآمر والسرير بالوشاية... فزع، والساعة على يمينه تطلق صفارات الوعد... النائمون يصارعون ملائكتهم، فزع أيضا ً... أمامه جيش من الصحو يرفع رايات مغمّسة بالدم... أنت ، لآ أحد غيرك يكرر أخطاءه، تدّعي العفة فيما يتهتك باطنك... أبدا ً، لست من تعني، انظر جيدا ً، النحول على راحتي وقرب فمي كأس الخيام فيما إلى جواري يرقد الصوفيون والحوذيون... مستاء من شخيرها – لا أكثر – ومع ذلك، أسحلني إذا شئت وأرم بي من النافذة.
يقترب وأرجوه بعكس ذلك...
ربّات النهار لا يمسكهن أمثالي إلا في مثل هذا الوقت، يكشفن الآن عن سيقان صلبة وزنود بضّة، هنالك أيضا ً طعم السجائر إذ نتفق على اختلافه في الليل، ولعل فكرة جديرة بالتأمل مثل فكرة الانتحار لا تواتي أحدنا وهو يستقل الباص بعد عناء ملحوظ... ماذا أسطّر؟ ألا أبدو بحاجة إلى الإتزان قليلا ً؟ لنتصارح: إن ذلك لا يمنحني حصانة، إذ ما أحتاجه حقا ً مجرد إشارة من أمي....بكاء غير مسبوق لا أريده أن يجرّني إلى ندم، أعرف أنني أقف على حافة الزمان، أيّ سهو، يحوّلني إلى ذكرى عتيقة... يا سيدي، إن كنت تراني فالصمت ينفق حاجتي، وإن تشح بوجهك عني اضطررت إلى اللغو، كنّا تعاهدنا... ألست الرائي قبلا ً ثم من بعدي ؟ ! إلا تعرف وجهتي التي تغرق الليلة في حندس؟!، تلفّت : كان الأصدقاء يتقافزون من الأذى، والأهل يشكونني إليك... أصيح بالغرباء... ظهري يتقوّس بانفعال، هل أنتم معي في الرهان؟، ولكن، على ماذا نراهن والبلاد توزعت البلاد؟.
يقترب وأعقتد أنه ينأى...
تعالي إلى شفتي... سأرجمك بالقبل وأقرص على خدّيك ِ... هل تذكرين شجارات الليل؟ عندما أقرأ عليك ِ فاتحتي وتبادرينني بالعويل الثرّ، يدهمني النعاس على غفلة وتوجهين إلي ّ لوائح التهم... أؤجّل رجاحتي كي ألامس نهار بغداد وأخشى أن تطيري من رأسي لأني أدرك أنك لن تتكرري – دعيني أشرح لك ِ الأمر: لست بطيئا ً كما تعرفين، ولكننا نحاصر أفراحنا خوفا ً من اللصوص. جاءني وحيُك ِ بعد انقطاع طويل، قبضت عليه وأدركني الصباح! ماذا أفعل مع هذا العطش كلّه؟ ماذا أفعل إن كنت أشتهي أن أكتبك ِ والليل قصير فلا يكفي؟! أبل ّ شفتي ّ بين ثانية وأخرى وبياض الورقة أمرأة تتعرى... ياه أيتها الأحلام السعيدة، كم أفتقدك؟
رويدا ً...
رويدا ً ...
أحاول أن أمسك على ما تبقى من ليل يشيخ.
***
عمان 2000