البودي كارد في بغداد!

 

ذكرت أنباء صحفية نشرت في بغداد رفض النجم الجماهيري الكبير عادل إمام لعرض مغر كان قدمه له أحد رجال الأعمال ممن لديهم مشروعات استثمارية في العراق لتقديم مسرحيته المعروفة: البودي كارد، مرة أخرى من على خشبات المسارح العراقية في بغداد. وبعيداً عن احتمال صحة هذه الأنباء من عدمها فأن الموضوع برمته يبدو مناسبة جديدة لإثارة قضية تعاطي النخب العربية مع ما يحدث في العراق من إرهاب مجاني يومي يذهب ضحيته المئات من العراقيين الأبرياء.

تقول الجريدة العراقية:

(قدم أحد رجال الأعمال ممن لديهم عدد من المشروعات الاستثمارية بالعراق عرضا مغريا للفنان عادل إمام ليقدم مسرحيته "بودي جارد" على خشبات المسارح بالعاصمة العراقية بغداد. ولكن الزعيم رفض العرض الذي تبلغ قيمته مليون دولار بسبب النصيحة التي وجهها له العديد من الاصدقاء بعدم السفر الى بغداد نتيجة لما تمر به من ظروف أمنية غير مستقرة. جدير بالذكر ان الفنان عادل إمام كان قد قام عقب انتهاء عرض "بودي جارد" وأثناء تحية الجمهور الذي وصل إلى مايقرب من 1500 متفرج بتوجيه كلمة ندد خلالها بالإرهاب ودان حادث شرم الشيخ. وأكد عادل إمام في نهاية عرضه رفضه للإرهاب الذي يهدد حياة الابرياء قائلا "ان جميع الاديان تدعو للسلام والحب وخاصة الإسلام".) إنتهى الخبر...

كاد الفنان الكبير عادل إمام سابقاً أن يكون ضحية لرجال الأعمال المصريين الذين أقاموا صلات مشبوهة وعقدوا صفقات تجارية كبرى مع حكومة نظام صدام، وعلى رأس هؤلاء عضو مجلس الشعب المصري عماد السعيد الجلدة(هل تتذكرونه؟؟؟)، الذي صرح مفاخراً للصحف العراقية غير مرة بأنه عازم على نقل مجاميع ضخمة من الفنانين المصريين للعراق تضامناً مع شعبه بوجه الحصار الدولي، وبالفعل فقد وفى الجلدة بوعوده عندما استطاع أن يحضر العشرات من الفنانين المصريين إلى العراق، ولعل فينا من يذكر ما رافق تلك الرحلات الاستثمارية من ضجيج إعلامي في مصر والعراق والخليج العربي وبعض العواصم الأجنبية التي كانت تحتضن صحف المعارضة العراقية أنذاك، ولا بأس من الإشارة إلى أبرز النجوم الذين حلوا في ضيافة صدام حسين الشخصية وبطائرات خاصة على حساب السيد الجلدة، مثل الفنانة رغده(كان يلقبها الطاغية تحبباً بأم محمد) والفنان محمد صبحي وعدد من الفنانين والصحفيين والأدباء، ولكن سيرة النجم عادل إمام كانت قد افترقت وسيرة هؤلاء عندما عرض مسرحية البودي كارد ذاتها من على خشبة المسرح الوطني ببغداد في العام 2001 ، حيث نأى بنفسه عن المثول بين يدي حارس البوابة الشرقية، كما شدد على رفضه إجراء أي مقابلة من أي نوع مع الصحافة العراقية كما غاب عن القنوات التلفزيونية العراقية أنذاك في مؤشر واضح على موقف هذا الفنان من إعلام السلطة التي كانت قد تعاملت بحفاوة منقطعة النظير مع زملائه المذكورين، فكان موقفه هذا لافتاً ومؤثراً بالرغم من كل شيء.

هذه المرة يعود رجال الأعمال، وبالتأكيد أن السيد الجلدة ليس من بينهم، فثمة يافطة جديدة للاستثمار في السوق العراقية تروج هذه الأيام غير يافطة الحصار التي كان يجيد تعليقها والتصريح بها لتصبح مانشيتات للصحف العراقية، السيد الجلدة ليس معنياً بهذه اليافطة عملياً بعد انتهاء الحصار المفروض على العراقيين مع سقوط نظام صدام في العراق.

أن يذهب عادل إمام إلى بغداد أو لا يذهب محض شأن خاص في أحسن الأحوال، ولكن ما يجب التعليق عليه في هذه المناسبة هو الموقف المتناقض من قضية الإرهاب، فما حدث في شرم الشريخ هو إرهاب رسمي أجبر الفنان عادل إمام، وآخرين غيره، على التنديد به علانية، وما يحدث في العراق إنما هو لبس بين مصطلحين شديدي الغموض هما: الإرهاب والمقاومة، ولذلك لا يجد الفنانون والنخب العربية بداً من الهروب من مواجهة هذين الاصطلاحين وإدارة ظهورهم لها. وهي محنة ونكتة في الآن ذاته، ذلك أن ما يتعرض له العراقيون أكبر من إرهاب وأكبر من أعظم الجرائم التي أقترفت بحق الإنسانية.

والآن لنتصور، مجرد تصور طوباوي، أن يذهب الفنان عادل إمام بمسرحيته إلى بغداد فعلاً، وفي هذه الظروف الخطرة بالذات، فماذا ستكون نتائج ذلك؟

من المؤكد أن المئات من حملة الأقلام العربية سينبرون لتخوين هذا الفنان ووصمه بأسهل الإتهامات، وهي: الأمبريالية، والصهيونية، والعمالة للاستعمار والاستكبار والاحتلال وما إليه. فيما سيجد بانتظاره في العراق مئات الآلاف من المواطنين ممن يتوقون لابتسامة بسيطة ليس بقادر على زرعها في وجوههم غير عادل إمام ذاته الذي يتربع على عرش الكوميديا العربية في النصف قرن الماضي. بل أستطيع الجزم هنا بأن صالة المسرح التي ستحتضن عرض البودي كارد ستشهد زحاماً لا نظير له بالرغم من حشود الرعاع، أو قل طيور الظلام بلغة إمام نفسه، والتي تحاول إدامة صورة الكآبة على الوجوه العراقية الحزينة.

بالطبع نحن لا نصور العراق اليوم باعتباره واحة سلام وأمان، خاصة وأن دم السفير المصري في العراق لما يبرد بعد، ولكن من ناحية ثانية فإن التسليم بالقدر الكارثي الذي يرسمه الإرهابيون في شوارع مدينة السلام كل يوم يعد حقاً من أسوأ الأفكار التي قد تخطر في بال.

العراقيون اليوم بحاجة ماسة لنصرة الأصدقاء والأشقاء على حد سواء.

وإنه لمن العجب العجاب أن لا نستثمر الفنون الإنسانية، من موسيقى وغناء ومسرح، في محاربة الإرهاب الوافد والمقيم في العراق، ومن أجل وقفة إنسانية مشرفة مع شعب تنتهك حياته في كل لحظة لأسباب مختلفة وتبقى النتائج الكارثية لهذا الانتهاك واحدة .

فهل يفعلها النجم عادل إمام ويكون اليد العربية الأولى التي تمتد لتداوي بعضاً من جراح العراقيين؟

****

مقالات في الشأن العراقي