شارع دجلة
ويليه: ملحق سنوات الجمر
إلى أبي ... تذكاراً للأيام المرة .. وللغياب .. والناس ..
(1)
(( يا أبناء مدينة العمارة الشجعان .. هذا نداء تحذيري أول وأخير، عليكم بإخلاء بيوتكم خلال ساعات من قراءتكم هذا التحذير، والخروج، أنتم وعوائلكم، إلى خارج المدينة، لأن طائرات جيشنا الباسل ستبدأ بعد ساعات بقصف المدينة بالأسلحة الجرثومية لطرد العملاء والجواسيس منها… )).
أكثر من خمس قصاصات تحمل هذا البيان التقطتها يداي من هنا وهناك، قرأتها مسرعاً ودخلت إلى البيت لكي أنفذ التحذير، ولأن أبي أشد المخلوقات على الكرة الأرضية تنفيذاً لأوامر الحكومة فقد قرر بلمح البصر الخروج من البيت إلى.. إلى اللا أدري!.
كان بيتنا يقع في ضواحي مدينة العمارة، ويحده من جهة الشرق بستان كبير جداً يطل على نهر دجلة الخالد، الحي الذي نقطنه يسمى (الحي العسكري)، وقد انتقلنا إليه بطريقة دراماتيكية مثيرة نالت استغراب معارفنا، وهم كثر جداً في هذه الجزيرة التي كانت وديعة قبل عام 1980، عام اندلاع حربنا مع إيران حيث أصبحت المدينة، التي يحيط بها دجلة من جهاتها الأربع، مدينة موحشة لا تكاد تميز فيها غير الجنود وآلياتهم، ولقد كان الحي العسكري من نتائج حرب الثماني سنوات عندما وزعت أراض سبخة لم تكن لتطأها أقدام كائن حي، على نواب الضباط من أهالي المدينة، ولأن نواب ضباط الجيش العراقي لا هم ضباط فيستفيدون من امتيازات الحرب المذهلة في حال البقاء على قيد الحياة أو في حالة الموت " الاستشهاد " ولا هم من الجنود العاديين الذين يقضون مدد خدمتهم الإلزامية فيتسرحون من الجيش حتى ولو بعد خدمة سبع أو ثماني سنوات.. فنواب الضباط إذن كانوا ، وبالرغم من بعض الرشاوى الصغيرة التي يحصلون عليها من جنود يشترون نزولهم من الجبهة إلى بيوتهم بما تحمله جيوبهم المثخنة حينها، قد بدءوا بناء دورهم – أحلامهم على أرض الحي العسكري، العديد من هؤلاء وبسبب من أصولهم الريفية الواضحة اكتفوا ببناء غرفة واحدة للنوم وملحقاتها التي لا تعدو أن تكون مرافق غير صحية عائماً في الفراغ وزريبة مواش ملحقة بالدار، أو الغرفة، وكان بناؤهم خالياً إلى أقصى الحدود من أي هندسة أو عمارة أو تصميم جمالي كما دأب الناس على ذلك في مدينة العمارة أيام بناء أحيائها الجميلة كحي (عواشة) و (قطاع 28) وغيرهما ..
وللضائقة المادية التي عانى ويعاني منها أصحاب قطع الأراضي في الحي العسكري فقد سيج بعضهم قطعة أرضه وتركها وآخرون لم يكملوا بناء سقوف غرفهم الرثة فهجروها، وزاد الطين بلة أن الدولة التي منحتهم هذه الأراضي لم تكلف نفسها عناء مد طرق مبلطة في الحي أو وصلها بشبكة كهربائية أو خدمات مجاري، أما التليفونات فالحديث عنها أمر مضحك للغاية، لأن ذلك، وفي أبسط تعبير يقع في باب الكماليات التي لا تحتاجها مدينة العمارة أصلاً فكيف بحي فقير وجديد مثل الحي العسكري؟!.
ولعل من أغرب أمور هذا الحي، الجديد، إنه كان يفصل بينه وبين مدينة العمارة حي آخر كبير نسبياً، كنا، ونحن صغار، نطلق عليه تسمية "حي البغل"، على أن الحكومة أطلقت عليه تسمية أنيقة هي "حي العامل" ويعد هذا الحي من أفقر أحياء المعمورة، حيث تشاهد أفواج الأطفال ممزقي الثياب في شوارعه غير النظامية كما تشهد الجوع في عيونهم، أما سكان هذا الحي فهم من ذوي الأصول الريفية الذين جاءوا إلى المدينة استناداً إلى حلم مديني بالرخاء وقضاء عمر سعيد ومديد، فضيعوا بذلك كما يقول المثل العراقي "المشيتين"، فلا هم بقوا مع مالهم وحلالهم في أراضيهم الأولى ولا هم بنوا حياة جديدة لهم ولعوائلهم، ولا يخفى هنا الدور التهجيري المعروف للحكومة في نزوح أهل القرى إلى المدن الكبيرة، أما بيوت حي العامل فهي بالأحرى غرف متراصة تعيش فيها عوائل كبيرة ولأنها هكذا يفر العديد من سكنتها إلى الشوارع بحثاً عن هدوء لا توفره غرفهم، وتتحول شوارع الحي الضيقة في شتاءات العمارة إلى مستنقعات تصلح أن تكون سياحية لغرابتها وقذارتها في الوقت الذي ترى فيه الأطفال يسرحون ويمرحون فيها وكأنهم في عيد حقيقي!.
هكذا، فقد التصق الحيان بحياة مشتركة قاسمها الجوع والفقر! ولكن، كيف انتقلنا من أهم أحياء وسط العمارة "حي الجديدة" إلى أقصى المدينة وأفقرها: الحي العسكري؟.
ببساطة شديدة الأمر لم يكن يعدو أن يكون نزعة في التقدم والتغيير! فنحن عائلة كبيرة وأخوتي الذكور يحتلون مناصب اجتماعية ورسمية جيدة، لي أخوات أيضاً لهن نصيب في التعليم والعلاقات… عموماً، كان بيتنا في"الجديدة" صغيراً علينا، أبي أصر على أن نبقى فيه برغم قدمه وضيقه، يقول ويكرر إنه بناه في الأربعينيات بيده طابوقة على طابوقة – كما يقولون – أخوتي حاصروه بضرورة مسايرة العصر والانتقال إلى حي حديث، أمي صفت مع أخوتي في أحلامهم، فأذعن أبي بعد وساطات عديدة لقرار الجميع، ذلك القرار الذي سبقته معارك عائلية لا يمكن أن توصف، ولأن سعر بيتنا القديم كان متواضعاً فقد اختار أبي بنفسه بيتنا الجديد المناسب لطموحاته الهندسية وقدرة أمواله الشرائية وكان ذاك في الحي العسكري، أرخص وأحدث أحياء العمارة ، وذهبت أنا وإياه صيف عام 1987 لنسلم صاحبه النائب ضابط في الجيش العراقي ثمن البيت، وفي الحقيقة، فإن البيت كان مشيداً بطريقة تختلف تماماً عن جميع بيوت الحي، كما حوى حديقة جميلة سيقضي الوالد فيها ساعات طويلة يزرع ويشتل ويهندس دون أن نأكل يوماً من ثمر ما يزرع!
على أن مشكلة مفاجئة قد ظهرت أمام حياتنا الجديدة، فالحي العسكري كان بعيداً نسبياً عن مركز المدينة حيث اعتدنا أن نكون! والمواصلات إليه صعبة جداً بسبب وعورة طرقه وعدم تبليطها، أما المشكلة الأكبر فكانت تتمثل بشيئين: الأول: هو أن الحي العسكري، ولأنه غير مسكون تماماً فلقد تحولت بيوته غبر المكتملة إلى بؤر للفساد والدعارة والرذيلة!، أما الشيء الثاني فتحول بعض هذه البيوت أيضاً إلى أوكار للخارجين على القانون من الذين ينصبون دورياتهم على رؤوس الشوارع مما يسبب إرهاباً حقيقياً للناس الذين بالكاد يتحملون الإرهاب الناجم عن حرب الثماني سنوات!
لا أدري لماذا – وأنا أكتب الآن عن تلك الأيام – يخيل إلي أن أبي لم يرد سعادتنا في ذلك البيت النظيف بقدر ما كان يبحث عن معاقبتنا!
(2)
كان علينا، في البيت، أن نخلي الدار بأسرع وقت ممكن، ذلك لأن الحكومة لم ترجع أبداً عن أي تهديد أطلقته بحقنا منذ عام 1968، وهو عام توليها حكم العراق، فالاستخفاف بقرار تحذيري تتخذه لن يجلب للمستخف به غير الويل والثبور، ولدينا، والحمد لله، جملة من الشواهد التي تم فيها تهجير عوائل أو ضرب مدن بالأسلحة الكيماوية أو الاعدامات الجماعية أو تغيير البيئة لمنطقة ما أو سحل البشر في الشوارع أو اعتقالهم لمدد تتراوح بين عشرين –خمسة وعشرين سنة دون توجيه اتهام رسمي أو إجراء محاكمة من أي نوع! إذن، تنفيذ قرارهم التحذيري بإخلاء المدينة هو ما علينا القيام به وبدون أي تأخير.
رفعت رأسي من خلف سياج الدار وشاهدت بعيني جموع الفارين، وأقصد المنفذين لقرار الطائرة، جموع لا حصر لها تهرول باتجاه يقع خلف دارنا مباشرة، إذ كانوا ينعطفون في الشارع الفرعي الواقع على يسار بيتنا ويؤدي إلى البستان الكبير والطويل جداً والذي يمثل خصراً لمدينة العمارة من جهة الشرق، نساء ورجال، أطفال وشيوخ، نفذوا القرار بهمة يحسدون عليها، أما الثوار، وتعرفهم من ملابسهم الشعبية وبنادقهم الآلية ، فتراهم يتقافزون هنا وهناك دون أن تعرف ماذا كان يدور في أذهانهم في هذه اللحظات الحرجة التي أعقبت سيطرتهم المطلقة على المدينة.
كان تمردهم قد بدأ قبل حوالي أسبوع، وبدا ذلك التمرد مثل نوع من السحر الذي لا يصدق، وخاصة بالنسبة لوالدي الذي شهد انقلابات وتمردات مختلفة وعديدة!، كنا على مائدة العشاء، والظلام هو سيد الموقف بعد أيام الحلفاء وغارات "عاصفة الصحراء" التي أعادتنا إلى ما قبل قرون الصناعة، خاصة وإن العمارة بدون هذه العاصفة عبارة عن مدينة لا تعرف من الصناعة إلا الكهرباء ومعمل الورق!، وطبعاً فقد كان معمل الورق والكهرباء أول أهداف الطائرات!!، على العموم، الأمر مثير للشفقة حقاً في هذه المدينة الوادعة والتي عانت ما عانت طوال عقدين وأكثر.
سمعت صوتاً لا يمكن لي إغفاله: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ثم تعالت الأصوات مرددة " لا فتى إلا علي … نريد قائد جعفري "، الصوت يأتي من مسافة بعيدة، وسط العمارة تحديداً ، ولهذا، فإنه يحتاج إلى إنصات تام لتفهم ما يعني، الظلام يبعث على الصمت ولكنه ينقل الصوت بوضوح أيضاً، اعتدنا في الأيام الطويلة الماضية أن نظل صامتين في البيت لساعات طويلة، وقد استثمرت ذلك لأقرأ العديد من الكتب المهمة ، وخاصة الروايات، ولا أنسى أبداً كيف أنهيت روايات مثل "الساعة الخامسة والعشرون" و "الصخب والعنف" و "سباق المسافات الطويلة" وغيرها، كنت أقرأ مستلقياً وبجانب رأسي فانوس تديمه أمي بين ساعة وأخرى فيما ينشغل أبي ليلياً بسماع ما تذيعه المحطات الإذاعية العالمية: مونت كار لو، صوت أمريكا، وإذاعة لندن – القسم العربي في نشرات إخبارية متتالية عن "عاصفة الصحراء" وقد وجدت في الظلام فرصة لكي أدخن دون أن يراني أبي لضعف بصره واختلاط دخان ورائحة سيجارتي، التي كنت ألف عدداً منها في النهار، بدخان ورائحة سجائر أمي التي تكره الإذاعات، ومع ذلك فهي تسلم آذانها لها.
أصغيت مجدداً للأصوات التي تشتد في أذني: "هذا اليوم اللي كنا نريده … صدام نقطع إيده" … إن الحديث عن "الرئيس" بهذه الطريقة هو محض حديث مجانين، بل حتى المجانين علمتهم وسائل التعذيب المختلفة على أن لا يأتون على ذكر "الرئيس" بأية حال من الأحوال، فكيف بالعقلاء؟! كلا، من المؤكد أن ما نسمع هو بعض وهم!، على الأقل هذا ما أكده أبي – الورع جداً – ولكن لا … ما نسمع ليس وهماً أبداً، تركت عشائي وأسرعت إلى سياج الدار فيما أبي يتوعدني وهو يطلب مني الرجوع .. أبداً ، الأمر ليس وهماً، إنه حقيقة واقعة ساطعة، وحتى لو كذبت أذني، وهو الشيء المستحيل، فإن ألسنة اللهب التي تجيء من المدينة لا تترك مجالاً للشك أبداً في أن شيئاً ما قد حدث بالفعل، وهذا الشيء ليس في صالح "الرئيس"!، عدت إلى أبي مؤكداً ما سمعت ورأيت وكان الجميع قد انفض عن مائدة العشاء، الساعة الآن حوالي السابعة والنصف مساءً في أسبوع آذاري لا ينسى من عام 1991 ، يبدو أنهم أدركوا حقيقة ما نحن مقبلون عليه فظل عشاؤنا بارداً.
(3)
عليّ أن أذكر أن صباح هذا اليوم قد شهد ازدحاماً هائلاً في سوق العمارة المسقوف الشهير… السوق الذي يعد من معالم مدينتي التاريخية، يبدأ نصف السوق الأول من جهة شارع دجلة وهذا النصف مخصص لمحلات بيع الحلويات وأشهرها محلات (الشرق) ومحلات تصليح وبيع الساعات وأشهرها محلات أحمد الساعاتي ومحلات بيع الأحذية وأشهرها محلات باتا ويبدأ قسم السوق الثاني من أقدم مكتبة في العمارة هي المكتبة العصرية لصاحبها السيد حيدر، ويفصل بين السوقين شارع التربية ( أو المعارف ) الذي كان يقع فيه مقر الحزب الشيوعي في عمارة الستينيات والسبعينيات وكذلك أقدم كنيسة وأقدم معبد لليهود، وبعد المكتبة يبدأ سوق الأقمشة النسائية والتبوغ والمغازات وينتهي هذا السوق ليبدأ سوق الدجاج وفيه محلات ودكاكين تبيع بشكل خاص للقادمين من أطراف العمارة ويشتهر السوق بمطاعمه ذات الأكلات الشهيرة وبعده يبدأ سوق الخضراوات فسوق النجارين، وفي هذا السوق الأخير يقع جامع النجارين أحد أهم وأكبر جوامع الشيعة في المدينة كان أبي في السبعينيات يأخذني إليه لنستمع إلى أنواع الخطب في مناسبة شهر رمضان المبارك أو للمشاركة في مواكب العزاء الحسيني أيام عاشوراء حيث يزدحم السوق والشارع بجموع الناس ، إلا أن الحكومة، وبعد تصفيتها للمنتمين لحزب الدعوة في المدينة أواخر السبعينيات، أحاطت الجامع بعيونها وكانت تعتقل من يصلي فيه، وبالمقابل عززت ودعمت جوامع أخرى في المدينة أبرزها جامع السنة الكبير الذي يقع وراء نصف سوق المسقوف الأول من جهة شارع دجلة ، ومنذ ذلك التاريخ أقلع والدي، والمئات غيره، عن طقس الصلاة في الجوامع ، ولا غرابة بعد ذلك أن يتحول جامع النجارين أيام الانتفاضة إلى مقر قيادة المنتفضين، بل إنني سمعت أن شرارة الانتفاضة الأولى كانت انطلقت من هذا الجامع، ولذلك كان علي زيارة الجامع أيامها بأية وسيلة، وذهبت فعلاً ومررت من أمامه. لا أدري لماذا لم أدخل في الجامع!، على أنني استطعت تمييز الحركة الدؤوب فيه.. الشباب المسلح كانوا يدخلون ويخرجون منه باستمرار.. أحدهم ارتدى عمامة بيضاء، حسبت أنه المسؤول عن ما يجري، وقف على باب الجامع ومن حوله بعض المسلحين، قال شيئاً وعاد أدراجه إلى باحة الجامع.. ألقيت نظرة سريعة إلى تلك الباحة من الخارج وشاهدت أكثر من تابوت، لا أدري إن كانت فارغة أو تحمل أجساداً.. مذياع الجامع يبث عزاءات (لطميات) حسينية والمكان مزدحم جداً.
قرار الانسحاب من الكويت كان قد صدر في وقت سابق من هذا الأسبوع، وطلائع جموع العائدين – المهزومين – من الكويت وحفر الباطن والبصرة قد بدأت تظهر في المدينة بعد مسير أيام وليال مشياً على الأقدام فيما طائرات الحلفاء ما زالت تتسلى بالمدن والقوات المنسحبة …
امسكني أحد الأصدقاء، وهو قريب لي أيضاً واسمه عباس ، من كتفي وسط الزحام وهو يقول مهللاً :
- تحررت البصرة ، وغداً العمارة .
لم أفهم ما كان يقصد، ولذلك سألته:
- هل دخلت القوات الأميركية البصرة ؟
- ثورة!، ثورة يا نائم!
- ثورة ؟!
- نعم، ثورة شعبية كبرى أسقطت نظام الطاغية في البصرة وغداً ستطيح بنظامه في العمارة والعراق كله.
وبرهبة كبيرة، تلفت يميناً وشمالاً فقد لمست أنه يتحدث بصوت عال غير مبال لحركة الناس من حولنا، قلت له:
- أش … لا أحد يسمعنا !!
- دعهم يسمعون … الله ومحمد وعلي معنا !!.
وتركني وذهب، وقفت في مكاني أفكر للحظات: هل ما قاله عباس صحيح؟! المشكلة إنني اعرف هذا الكائن جيداً، انه رزن جداً، ولا يكذب أبداً، ثم انه على شيء كبير في التدين، وعلاوة على ذلك فهو من ابرز المتفوقين في الهندسة… لا … لا … لا … الأحداث التي مرت بالبلد أثرت فيه، القيادة باقية في مكانها، فلماذا لا أدعه يحلم؟، خاصة وأنا أعرف جيداً إن " صاحبنا " لن يستسلم بسهولة فهو صاحب نظرية حرق الوطن بأسره قبل الاستسلام!.
واصلت طريقي إلى مقهى شعبي وسط سوق النجارين والمعيدية اتفقنا، أنا ومجموعة من الأصدقاء، على اللقاء فيه يومياً طيلة أيام الحرب، واسمه مقهى " شونة "، كان رواده شيوخ العشائر التي تسكن في القرى المحاذية لمدينة العمارة، إضافة إلى العديد من الفلاحين الذين يقصدون العمارة للتجارة، ولذلك يحيط بالمقهى من جهة اليمين مطعم ل (الباجة) الشهيرة، ومن الشمال مطعم آخر ولكن ل(الكباب)، وهنالك محلات عديدة لبيع البضائع التي لا يشتريها عادة أهالي المدينة فهي مخصصة لهؤلاء الوافدين وتتميز بنوعياتها الخاصة، إلا أن مقهى " شونة " استقطب أيام الحرب نخباً اجتماعية أخرى مستفيدين من موقعه الاستراتيجي في مدينة العمارة، حيث نرى المعلمين والمدرسين جنباً إلى جنب مع تخوت الشغيلة الذين تقطعت أرزاقهم في هذه الأيام العجاف، أما الشلة التي أنتمي إليها ، فهي شلة المعقدين الصغار – كما يسموننا – وأقصد المثقفين والأدباء الشباب في المدينة.
في السوق الذي تقع فيه المقهى كنت تشاهد وجوه الناس الغاضبة والمتعبة ، تحول السوق إلى تجمع رئيس لأبناء المدينة من مختلف انتماءاتهم وطبقاتهم، كما صار سوق البيع والشراء الأول فيها ، وأبرز تجارته الطعام والدخان والحكايا، كنت أقطع مسافة طويلة نسبياً من بيتنا إلى المقهى، ومن المؤكد أن غيري كان يفعل الشيء ذاته، من أجل أن ألتقي ببعض الأصدقاء وسماع آخر الأخبار والتحليلات، لم تكن ثمة سعادات غير هذه المقهى ولذلك أحببتها جداً، خاصة وأنني كنت من رواد المقاهي كحال شلتي على الرغم من صغر أعمارنا ، ولكنها لوثة الأدب، وقد ارتبط الأدباء العراقيون عموماً بالمقهى منذ بدايات القرن الماضي، كما تذكر كتب التاريخ، ومقهى (شونة) لم تعرف سابقاً بأنها مقهى للأدباء من أهل المدينة، بل على العكس، ولكن موقعها في سوق النجارين الذي أصبح رئة المدينة هو الذي دلنا عليها وتآلفنا معها.
هناك في المقهى، لم أثر أبداً الموضوع الذي حدثني به قريبي وصاحبي في السوق المسقوف، وإن قبع في ذاكرتي، تبادلنا بعض الأحاديث التي لم تخل من السياسة والثقافة حتى أعلن أحد رواد المقهى – من الفلاحين – بصوت خفيض لصاحبه، وكنت سارحاً عن شلتي ولا أدري كيف سمعت صوته بوضوح:
- يكولون البصرة كامت … حررها فيلق بدر!
(4)
إنه يوم الحشر، والجميع هنا ينتظر محاكمته على أشياء اقترفها وأشياء أخرى ليست من صنع يديه!، هذا هو حال الناس في البستان الطويل الذي يقع خلف بيتنا وتفصلنا عنه مجموعة من الشوارع التي لا تتجاوز الخمسة ، الوقت قبيل العصر، لا شيء يحدث غير الحشود البشرية المتعاقبة في الوصول إلى البستان، لم نعد نسمع أصوات رصاص البنادق أو قصف للطائرات أو ما شابه ذلك، الناس مشغولة بخلاصها، ألم تقل الحكومة أن الضربة الكيماوية للمدينة آتية لا ريب فيها؟!، الناس خافت على أرواحها فأهملت أي شيء دونها، عافت أشيائها الثمينة والنفيسة، وحتى الطعام نسيته، ثم أننا جميعاً لا ندري متى سنعود إلى بيوتنا، بعد خمس دقائق، نصف ساعة، ساعة ونصف ، نصف نهار، نهار وليلة كاملين… لا ندري… المهم الآن هو الدنو من الحياة قدر المستطاع!… الوقت يمضي، وهذا البستان قد استقبل الناس بحفاوة حيث تراهم افترشوا زواياه فلم تعد ترى غير الناس ، يخيل إلي الساعة أن المدينة قد لفظت آخر ساكنيها.
أنا شاهد عيان محايد، لذا ستكون شهادتي عن أقرب ناسي ، وفي الحقيقة إننا عائلة كبيرة، أبي تزوج مرتين، زواجه الأول خلف له ثلاثة أبناء، الأكبر توفي قبل ولادتي بعامين ولذا لا أعرف عنه غير أولاده، إما اخوتي لأبي وأمي فكانوا ثلاثة ذكور وأربع إناث، وفي الواقع، فإننا لم نكن نفرق أو نميز في علاقتنا ببعضنا البعض.
عندما كنت طالباً في أكاديمية الفنون الجميلة – بغداد 1988 – 1992 كانت زياراتي لبيت أختي خديجة محكومة بمزاج خاص، ذلك أني لم أكن لأرتاح في بيتها، الذي هو بيت أهل زوجها المتخرج في كلية العلوم السياسية، حيث كانت تقيم هي وزوجها وثلاثة أطفال في غرفة واحدة كان علي أن أقاسمهم إياها حين زيارتي ومبيتي عندهم. وكان هذا البيت مصدراً لهمّ أنا بغنى عنه وقد كنت محاطاً خارجه بأجواء يسودها الجمال والمتعة!، ثم أن خديجة نفسها أخذت تذبل في بيت الزوجية مما زاد في همي، على العموم، ومع أولى الضربات الصاروخية من قوات الحلفاء قمت بنقل أهم أوراقي وحاجياتي من الفندق الذي أسكن فيه في ساحة الميدان – وسط بغداد إلى بيت خديجة الذي يقع في حي شعبي غربي العاصمة هو حي الشعلة، وبقيت من عندها أتابع أخبار القصف الكثيف الذي يتعرض له العراق ابتداء من ليلة 17/1/1991 ، حتى جاءت عجوز ريفية وجلست عند باب المنزل لتصرخ مولولة:
- العمارة صارت رماد !
التفت من فوري إلى خديجة وقلت لها:
- سأذهب إلى العمارة.
- ولكن الطرق كلها مقطوعة؟
- سأتدبر الأمر.
- يقال أن أجور النقل بين المحافظات قد تضاعفت مرات عديدة!
- ليس مهماً … سأسافر اليوم إلى العمارة.
وسافرت بعد مضي أسبوعين على بدء الحرب، أسبوعان كنت فيهما حبيساً في بيت خديجة… وعلى ما أتذكر فأني قد خرجت مرة أو مرتين من البيت قصدت فيهما زيارة الإمامين موسى أبن جعفر الكاظم ومحمد أبن علي الجواد (عليهما السلام)، ومن أغرب مشاهداتي هو التبدل الكلي الذي طرأ فجأة على حياة وسلوك الناس.. ولكن.. إنها الحرب!
من المؤكد إنني كنت خائفاً وأنا أقطع الطريق الطويل من بغداد إلى العمارة، فالطائرات لم تقطع طلعاتها أبداً، الازدحام كان على أشده في كراج النهضة، ولهذا، وعندما استطعت أنا وهادي زوج أختي خديجة الحصول على مقعد واحد في الباص الذي ركبناه بشق الأنفس، ما كان علينا سوى الثبات عليه، وهكذا تناوبنا الجلوس طيلة المسافة الطويلة التي قطعناها، وكان أول ما جاء في خاطري لحظة دخول الباص إلى منطقة (الماجدية) في العمارة هي كلمات تلك العجوز، حيث وجدت أن العمارة لم تكن مثلما قالت.. فكل شيء على حاله… فرحت جداً لهذا، ولكنهم في البيت قالوا:
- الجسر الكبير ضرب ضربة مميتة.
- بدالة ميسان الحديثة دمرت.
- قتل الرسام أمير الشيخ بشظية من ضربة البدالة.
- أغلب المعامل والمصانع – الورق والزيوت والبيبسى – المحيطة بمدينة العمارة قد دمرت تدميراً كاملاً.
شعرت بالغصة تملؤني … لم يكن أوانه هذا الرسام الأمير الشيخ المليء بالرومانسية والزاهد في فنه… لم يكن أوانه.
(5)
البرد شديد جداً في هذا البستان، الوقت عصراً، ولهذا أطلقت العنان لقدمي في أن تتجولا بين النخيل ودجلة يحف به، حنوناً كعادته، أثناء تجوالي شاهدت الكثير جداً من الناس، ثمة معارف وأصدقاء وأقرباء توزعوا هنا وهناك في حلقات مصغرة، لمحت سيارة عمي، بالأحرى هو ليس أخ أبي من الوالدين، إنه أخوه من الأم فقط، ولطالما كانت علاقة العائلتين متوترة ، ولهذا لم أفكر أبداً في السلام عليهم ، على إنني لمحت سيارتهم البيك أب محملة بالمؤن والأفرشة التي فاتنا في البيت أن نفكر بها ، ربما لأننا لم نكن نتوقع البقاء كثيراً حيث نحن ، وربما أيضاً لأن عمي كان في أيام الحكم الملكي ضابطاً في الشرطة ولهذا فطبعه ميال للحيطة والحذر بما ستؤول إليه الأمور في مثل هذه الظروف .
معارف لم أكن قد إلتقيتهم منذ سنوات ، منذ أن ركبت منشأة نيسان الزرقاء صيف 1988 قاصداً بغداد ، حيث أدرت ظهري للكثير من التفاصيل ، الأصدقاء ، الحكايا ، وفي نيتي مجد آت ، وبغداد آنذاك كان مدينة بحق وحقيقة ، نعم ، آذتها كثيراً حرب الثماني سنوات ، على الأقل هذا ما يشهد به من عاش بغداد أيام عزها القريب في الستينيات والسبعينيات ، أي أيام ما قبل الدمار والصواريخ والطائرات ، ولكني كنت أراها بشكل آخر يختلف تماماً عن الذي يصوره هؤلاء لي ، مدينة عظيمة فيها كل شيء : سينمات ، مسارح ، جامعات ، أندية ثقافية ، بارات ، باصات حمراء من طابقين ، مكتبات ضخمة ، مقاهي بأصناف: أم كلثوم ، حسن عجمي والزهاوي وفريد الأطرش والمقام العراقي والبرازيلية ، أيضاً ثمة نساء جميلات جداً ، وأنا الناحل الذي ما لامس يوماً خد امرأة قط ! … ماذا أحكي عن بغداد التي رأيتها وعشت في أرذل حاراتها : الحيدرخانه ، لفترة ثلاث سنوات متتالية قبل عام 1991 وسبع سنوات بعده ؟ … ولأنني أحب ما أفكر به وأنتمي إليه فقد اندمجت ومجتمعات النخب الثقافية في بغداد سواء في كلية الفنون الجميلة أو في مقهى حسن عجمي أو في منتدى الأدباء الشباب في الطالبية أو في تأسيس ملتقى شبابي في منطقة حي القاهرة برفقة بعض الأصدقاء أبرزهم الشاعر فرج الحطاب والقاص قاسم محمد عباس، كنت مهموماً بالشعر والفن، وزاد في ذلك صداقاتي العديدة التي حفلت بذكريات رائعة مع شعراء ومسرحيين ونقاد وصحفيين وقصاصين، وذكريات جميلة ومرة أيام عملي في منتدى الأدباء الشباب ضمن مؤامرة ثقافية كبرى انطلت علي وسرعان ما اكتشفتها فعلقت عملي فيه بالرغم من أنني كنت منتخباً في المنتدى.
لقد تعلمت الكثير جداً في الأكاديمية حيث التقيت بفنانين كبار وأساتذة كانت علاقاتي معهم تنمو أسرع من نموها مع زملائي من الطلبة، وهذا ما أثار حفيظة الكثير منهم حيث اعتبرني بعضهم وصولياً وآخرون عدوني انتهازياً، ونسبة جيدة منهم ترجمني بالتملق لأساتذتي، وعندما مضينا أنا والفنان شفيق المهدي في الأكاديمية في تأسيس ملتقى أدبي أطلق المهدي عليه تسمية غريبة "جماعة تحت المنبر" كان علي أن أتلقى هجاء آخر ومديحاً من طراز جميل، وانتهى الأمر بهذه الجماعة التي ضيفت أسماء جيدة في الثقافة الوطنية بأن توقف نشاطها بسبب تقرير حزبي خرجت والمهدي منه لحظنا الجبار وإلا كانت الأمور ستأخذ طريقاً آخر ، الأكاديمية في نهاية الثمانينيات كانت قد بدأت تتدنى في كل شيء من العلم إلى الأخلاق، ومع ذلك، سعادتي فيها لم تكن توصف، صحيح إنني كمراهق منفلت من رقابة العائلة – باعتباري أعيش وحيداً في بغداد – قد مرت بي العديد من اللحظات العدمية ، إلا إنني كنت أعالجها بالشعر وإدمان مشاهدة المسرح، كتبت أثناء دراستي العديد من القصائد الغامضة والتجريبية، ثم كانت تجربتي مع قصيدة النثر اليومية، أدرك الآن أن الشعر يحتاج إلى حياة شعرية كاملة، فهل عشت حياتي شعرياً؟، لا أدري، ولكنني أدرك تماماً أني مارست الموبقات كلها، ذهبت إلى بيوت الدعارة، سكرت كثيراً في بارات السعدون وأبي نؤاس وفي غرفتي في (فندق عدنان الحديث) فيما بعد…. لم أكن لصاً أو مخبراً، كما لم أكن لوطياً أو قاطع طريق، عشت بسلام دائم، لا أحشر نفسي أبداً في شجار يصادفني، بل ألف العديد من الشوارع والأزقة لأبتعد عن مثل هذا الشجار، لم أكن أشرب لأسكر أو أشتم الحكومة أو أعتدي على أصدقائي. أنا شخص مسالم، أشرب دون أن أدري لماذا، ولكني أعرف لماذا أدخن! حتى موائدي لم تكن صعلوكية الطابع، بل كنت أحرص على أن تكون مائدتي متكاملة، كان أول مبلغ رسمي استلمته عن نشري لقصيدة في عام 1988 وكان حينها "عشرون ديناراً" استلمتها من جريدة "العراق" التي نشرت القصيدة وعنوانها "انشطار" والتي أخذها مني للجريدة الشاعر حسن النواب عندما كان يزور العمارة قادماً من جبهات الحرب ليسكر أو يلتقي بالأدباء.. وبعد تجربة متواضعة أسقطت هذه القصيدة ومئات غيرها من أرشيفي كما لم أدخلها وغيرها في أي من مجموعتي اللتين صدرتا فيما بعد ، العشرون ديناراً هذه كانت كافية للاحتفاء بفيلق من الأصدقاء أيام كان الدينار العراقي بكامل عافيته، بدأت أنشر هنا وهناك، وخاصة في جريدة "الطلبة والشباب" التي كنت استلم منها مبالغ جيدة في ذلك الوقت عن تحقيقات ومقالات وقصائد أنشرها فيها. .
حياتي – إذن – في بغداد لم تكن رتيبة أو مملة، شيء واحد كنت أشعر بالنقص إزاءه، المرأة، حيث كنت أتورط في علاقات غرامية محمومة مع اجمل نساء الأكاديمية، ولكن من طرف واحد، هو طرفي على أية حال!. مفارقة غريبة أن اختار اجمل الجميلات، ومن ينتمين إلى طبقة برجوازية هائلة الثراء في الوقت الذي كانت فيه ملابسي التقليدية جداً تنفر مني أي امرأة، هذا الموضوع جلب لي سخرية أصدقائي التي يحركها المزاح دائماً، كنت اخرج من حب هذه الفتاة لا دخل في حب تلك دون أن أتحصل من أي واحدة منهن سوى نظرة شفقة، لا… استخفاف!، وأخيرا حسمت أمري: سأقاطع هذه الوجوه وادلف إلى بيوت الحيدرخانة، هناك يكمن الواقع وتكمن الواقعية، وهناك أيضاً ثمة جمال من طراز خاص … وربما رفيع!، صحيح أنني كنت في بداياتي، وان سؤالاً مثل: ما الذي قادك إلى هذا الطريق؟ كان لا يفارق شفتي وأنا أعطي ظهري إلى السماء، وصحيح أيضاً إنها/ إنهن كن يزجرنني لسؤالي الفظ، الذي لا يخلو من براءة، إلا أنني تمرنت جيدا ولهذا كففت – فيما بعد – عن طرح مثل هذه الأسئلة، خاصة بعدما اعترف لي الكثيرون بخبرتي، بل إن بعضهم، وكان ذلك أيام كنت جندياً في مدرسة الشؤون الإدارية في التاجي، طلب مني إلقاء محاضرة تاريخية جغرافية جمالية عن بيوت الحيدرخانه بدلاً من محاضرة عريفنا حول الخط والرسم، وقد اخذ العريف المسكين موقعه بين الزملاء مستمعاً لي وأنا ارسم خارطة الحيدرخانة على السبورة وأشير إلى بيوتاتها ونزلائها بيتا بيتا ونزيلا نزيلا.
أما أيام عودتي إلى العمارة لزيارة أهلي وأصدقائي، فكان طقسا للفرح والمحبة عند أهلي، وطقسا لسماع آخر الأخبار حول الثقافة والشعر في بغداد، والتي انقلها لشلتي الأثيرة في العمارة، واهم من فيها علي أنور الهندي وعلي سعدون. كنا ننام أيامها في العسل، والسياسة بدأت تفرض علينا وجودها القاسي حتى أصبحت هي الحقيقة الواحدة الوحيدة يوم أصبحنا ونحن نسمع عن دخول الجيش العراقي إلى دولة الكويت "الشقيقة"!، وإعلان "الوحدة الاندماجية التي لا رجعة عنها!!" واعتبار دولة الكويت: "المحافظة التاسعة عشرة!" .
( 6 )
يبدو أن صورة المرأة التي حضرها المخاض في البستان هي الصورة الأبرز التي لن أستطيع إغفالها ، صمت لا يخرقه سوى أصوات رصاص متناثر وعويل أطفال يأتي من بعيد … بعيد جداً … الظلام هو سيد المكان، والبرد كان شديداً جداً خاصة أن البستان كان متكئاً على نهر دجلة العذب ، صرخت المرأة بقوة وفزع ، وفزع الجميع لصراخها ، اعتقدنا أنها أصيبت برصاصة تائهة ، النسوة هرعن إليها ، وبعد دقائق عرف المئات من النازحين إلى هذا البستان قصة صراخ المرأة : لقد حلت ساعة ولادتها ، طبعاً الأمر ليس مستحيلاً ، ثمة الحلول السريعة في كل الأزمات ، وتمت الولادة عندما سمعنا الهلاهل في وقت لم يتوقع أحد منا صوتها في هذا البستان ! …
بعد يومين وليلة في مكاننا هذا علمنا إن القوات النظامية قد فرضت سلطتها وسلطة الحكومة من جديد في المحافظة وعلينا العودة إلى بيوتنا لئلا تتعرض للنهب والسرقة ، وعدنا فعلاً ، وفي طريق العودة التقيت من يحذرني :
- لا تعد إلى بيتكم …
- لماذا ؟
- إنهم يأخذون الشباب من عمرك للإعدام !
- ماذا ؟
في الحقيقة لم أكن في أي يوم من الأيام بطلاً أتعارك مع الموت ،، وعندما شاهدت من بعيد السيارات العسكرية تعتقل بعشوائية ، خفت ، ولكن أبي ، حيث كنت أمشي لصقه ، قال بجملة واحدة واثقة حاسمة :
- لن يأخذوك ، وإن فعلوا ، سأكون قبلك .
وكانت هذه الجملة كفيلة بطمأنتي ، فأنا أعرف جيداً صلابة أبي وعناده ، ووصلنا إلى بيتنا الذي قلت سابقاً عنه أنه على مقربة من بستان النزوح ، دخلت البيت ولم أستطع الصمود بدون سيجارة ، ذلك أنني لم أدخن طيلة الطريق ما دام والدي يمشي إلى جواري ، ولهذا أخذت واحدة وأسرعت إلى باب المنزل من جديد كي أدخن …. سيارات الجيش لم تنقطع والعجيب أن رجالها كانوا نظيفين جداً ، حتى السيارات نفسها كانت نظيفة لدرجة لافتة ، نظافة ملابس ووجوه وسيارات ومعدات وأسلحة هؤلاء الرجال لا تشي بأنهم خرجوا للتو من هزيمة عسكرية مدوية ، فأين كانوا إذن ؟ ! .
التفت إلى اليسار وشاهدت في عمق المشهد ، نهاية الشارع ، عربة يجرها حمار وخلفها امرأة تصرخ وتعول ، أدرت وجهي ودخلت البيت، لحظة ، ثم قررت الخروج من جديد ، كانت المرأة كمن ينادي عليّ ، عدت أدراجي إلى البيت ولكنني رجعت إلى باب الدار من جديد وكانت العربة قد اقتربت … ميزت عليها أطفالاً … إنني أعرفهم … والمرأة كذلك ، وقد صرخت عندما اقتربت أكثر لتقطع شكي بيقيني :
- أخوك مات !
( 7 )
كان أخي سلمان قد قتل بقذيفة ضالة وقعت بينهم ، هو وأطفاله عندما كانوا في أرض خلاء هاربين من قصف طائرات الحكومة بعد أن أمرتنا بترك بيوتنا ، مات أخي بعد أن ظل ينزف لساعات طويلة دون أن يسعفه أحد ، أما أولاده فقد أصيبوا إصابات غير مميتة ، ولكنهم كانوا ينزفون أيضاً عندما وصلوا إلينا ، ولانشغالنا بجثة أخينا فقد نسينا أمر إسعاف الأطفال إلا أن عددا من رجال المنطقة قاموا بحملهم والإسراع بهم إلى المستشفى ، أما الطفل صاحب العربة فقد وقف متفرجا بحياد على ما يجري من صراخ وعويل وقد انصرف بعد أن اخذ أجرته التي لا ادري طبعا من أين حصل عليها ! ، كنت وحيداً في البيت ، كرجل ملمات ، أبي بدأ يلطم من شدة الحزن على ولده وكذلك فعلت أمي وأخواتي ، أدخلت الجثة بمعونة بعض الواقفين من الجيران إلى الفسحة بين الباب والبيت ، والتي هي بمثابة كراج ، كانت الجثة ملفوفة ببطانية ، وقد لاح رأس أخي بشيبه الكثيف ، أمي قالت اذهب إلى اخوتك القريبين ، وتقصد فيصل وغازي ، ففيصل كان بيته خلف بيتنا بمجموعة شوارع ، وغازي كان يسكن حياً للمدرسين في معهد المعلمين يقع خلف الحي العسكري ، إلا أن أبي أراد الذهاب إلى فيصل بنفسه فذهبت إلى بيت غازي بدراجة هوائية ولم أجد أحداً في البيت فقد كانوا هاربين أيضاً فتركت خبراً عند الجيران وعدت ، في البيت وجدت أنهم قد أدخلوا الجثة إلى غرفة الاستقبال بمعونة أخي فيصل والجيران ولم أسأل عن الأطفال حتى عاد من نقلهم إلى المستشفى وروى لنا ذلك . وكان اليوم التالي حافلاً حيث أصر أبي على تبليغ أقاربنا في العمارة ، ولم يسمح لي بأن أذهب لهذا الأمر فذهب بنفسه وكان عليه أن يقطع الشوارع مشياً على الأقدام ويعبر الجسر المقطع الأوصال كي يصل إلى من كان يسكن في الجهة الثانية من المدينة ، وهو الرجل الكبير والمفجوع بولده ، لقد رفض توسلاتي وتوسلات فيصل بأن نجنبه عناء ذلك لأنه اعتقد أننا قد نكون معرضين لخطر الاعتقال ، أما هو ، فقال : رجل كبير لن يوقفني أحد ! . وعندما عاد من مهمته المتعبة تلك جلس في الحديقة ليبكي بكاءً مراً هذا الزمان الذي لم يجد فيه من يواسيه على مصابه !!
(8)
انتفاضة آذار لعام 1991قلبت كل شيء ، خاصة بالنسبة لمن هو مثلي ، لقد تربينا تربية لا تمجد شيئاً مثلما تمجد شخصية الرئيس ، هكذا كنا في المدارس والبيوت والشوارع والمؤسسات الحكومية ومراكز الشباب والمقاهي والجرائد والتلفزيون لا حديث غير حديث القائد ولا صوت غير صوت القائد ولا صورة غير صورة القائد، وبعد هذا كله عليك أن تراجع حساباتك، والمشكلة، أنك ستكتشف حجم خطيئتك بحق نفسك.
عندما شاهدت الشباب ، وكانوا أصغر مني ، يحملون بنادقهم ويهتفون بسقوط الرئيس ، الذي صار أسمه : الطاغية والدكتاتور والمجرم، وقفت أتأمل نفسي : أين كنت ؟ وإلى أين أنا ذاهب ؟ ، وبالطبع كان أبي يريد أن يبعدني عن ذلك كله ولكنه لا يدري كيف ، خاصة وإن الجو في تلك الأيام قد انفلت نهائياً ، شخصياً كنت أحاول أن لا أغيظه، ولهذا لم أتهور إلا في حدود ومن ذلك أني تعللت بأهمية أن نطمئن على أخوتي وأخواتي في تلك الظروف العصيبة لأخرج من البيت ، وخرجت فعلاً ، وتكررت هذه الحجة لمرتين أو ثلاث مرات كانت تكفي لرؤية ما يحدث في المدينة.
قلت بأن الشباب حملوا بنادقهم ، التي كانت متوفرة في الشوارع أصلاً ، وهاموا في الطرقات . وفي أحد الشوارع إلتقاني صديقي أمجد كاظم وقال أن المكتبة المركزية تتعرض للفرهود . كانت مكتبة ميسان المركزية من أهم المكتبات في العراق لما تحتويه من كتب نادرة ومخطوطات ثمينة ومراجع وقواميس ومؤلفات ضخمة وكم أمضيت فيها أوقاتاً رائعة في السنوات الماضية عندما كنت طالباً في الإعدادية ، خاصة أيام الامتحانات النهائية حيث تزدحم المكتبة بالطالبات الجميلات ، والمكتبة لا تبعد كثيراً عن منطقتنا " الجديدة " فهي تقع في شارع رئيس يفصل بين منطقتنا الشعبية وأكبر وأنظف حي في العمارة واسمه ( عواشة ) ، وقد أطلقت عليه الحكومة فيما بعد تسمية : حي القائد ، وعلى يسارها يقع جسر العمارة الكبير ، أو الجسر الجمهوري الذي شيد في الخمسينيات ويصل قسمي المدينة ببعضهما البعض ، وأمام المكتبة شيدت بدالة المحافظة وعلى يمينها كانت تقع مديرية الأمن ، كنت أسمع من أبناء المدينة الأكبر سناً مني أنها تضم كتباً نادرة ليست موجودة حتى في مكتبات العاصمة الكبيرة ، وقد آلمني حقيقة أن تتحول تلك المكتبة الضخمة إلى وجبة دسمة للعبث والنهب حيث كان كل شيء مباحاً .
قررت بدافع الفضول ربما أن أذهب مع أمجد إلى المكتبة ، وصدق ظني ، لقد شاهدت العشرات من الرجال والأطفال والنساء وهم يعبّئون أكياساً ضخمة بالكتب دون أن يحددوا نوعية تلك الكتب أو عناوينها ، كان المهم بالنسبة لهم أن يظفروا بأكبر كمية من الكتب ونقلها إلى بيوتهم ومن المؤكد أنها هناك ستتحول إلى (جيمه) أي وقود لتنا نير الطين ، فيا للمحرقة،.نظر أمجد إليّ كمن يسألني رأياً ، أدرت رأسي لا أدري ماذا أقول ، كان أمجد قد قرر شيئاً ، لقد بدأ بمحاكاتهم ، ماذا أفعل ؟ ووجدتني أحاكيه أنا أيضاً .. تناولت كيساً من أحدهم، لاحظ أن روح التضامن في تلك الظروف كانت أقوى من غيرها بدليل أني لم أكن حائراً في أمر الكيس، المهم، كنت أقلدهم جميعاً،فأنا أيضاً لم أفكر في ما أختاره من كتب، كان هوس أن أعبأ كيسي بالكتب أقوى من غيره، وهكذا أوشكت أن أكمل تعبئة كيسي عندما صرخ أحدهم:
- توقفوا ، المجاهدون قادمون..
كانت تسمية المجاهدين تطلق في تلك الأيام على المشاركين في الانتفاضة، ولأننا كنا بمثابة سرّاق ولصوص فهذا معناه أننا في طريقنا للاعتقال. سمعنا صوت إطلاق رصاص قريب، وبعد لحظات دخل أحد المجاهدين ملوحاً ببندقيته بوجوهنا، كان يرتدي زياً مدنياً بسيطاً ويلف على رأسه شريطاً أسود.
لقد صعقت، بل قرأت سورة الفاتحة في سري، إذ دنا الموت مني ودنوت منه.. صرخ المجاهد في وجوهنا مؤنباً، في الحقيقة لم يكن يصرخ في وجهي أنا تحديداً مما أعطاني فرصة أن أركز على وجهه لأكتشف فيما بعد بأن المجاهد هذا كان من سكنة ذات المنطقة التي ترعرعنا فيها، وهي منطقة شعبية تسمى (الجديدة) كان أبي من روادها الأوائل وبالتالي كانت عائلتنا معروفة جداً فيها، تنشقت الصعداء، فالمجاهد عرفني، بل وسلم عليّ سلاماً حاراً، على اعتبار أنني كنت غائباً عن المدينة لسنوات، وقال لي متسائلاً:
- كيف تتركهم ينهبون المكتبة وأنتم أول الناس يقدرون ويعرفون أهميتها؟..
قمت باستغلال الفرصة ووجهت لومي إليه هذه المرة:
- كان عليكم أن تعينوا حارساً على المكتبة ما دمتم أمسكتم بزمام الأمر، لا أن تتركوها نهباً للصوص والأميين، لقد عملت وصديقي ما بوسعنا لكي نمنع الناس من السرقة ، ولكن ، ها أنت ترى بعينك..
استطعت إقناعه بما قلت ، فأمر الموجودين بترك المكتبة فوراً وقال أنه سيبقى هنا ريثما يأتي زملاؤه..
خرجت أنا وأمجد من المكتبة كما دخلنا. كان المهم بالنسبة لي أنني خرجت سالماً من هذه المعمعة، فالسلامة في هذه الظروف كانت شيئاً لا يقدّر بثمن، ذلك أن الموت كان قريباً جداً ، بل أقرب مما يمكن تصوره.
هذه واحدة من المرات التي خرجت بها من الدار ، أو بالأحرى استطعت أن أخرج فيها على ما كان أبي يريده. في مرة أخرى رأيت ضباطاً كبار يبيعون رتبهم بثمن بخس ورأيت امرأة تجرجر هيكلاً عظمياً من تلك التي تزخر بها المستشفيات ولما سألها أحدهم عن فائدة هذا الهيكل العظمي بالنسبة لها، قالت (هذا صدام) .. ومضت تجرجر به. امرأة أخرى كانت تحمل (رحلة مدرسية)، من المؤكد أنها كانت تريد الرحلة لأغراض الطهو، فالمعروف في تلك الظروف استحالة الحصول على الوقود أو ما يمكن الإفادة منه كوقود وكانت العوائل تحرق كل ما يقع في يديها لطهو الطعام. في الشارع القريب من بيتنا كانت مجموعة من الفتيات المتشحات بالسواد يحملن صوراً للإمام علي(ع) أو أبنه الحسين(ع) ، طبعاً من تلك الصور المتخيلة التي تتوافر وتتداول بشكل واسع في مدننا الجنوبية الشيعية ، ويطلقن هتافات مناهضة للطاغية وهتافات أخرى عن الإمام علي(ع)، والحقيقة، لم تكن تلك الفتيات من اللواتي عرفن بالورع والتقوى في المنطقة التي نسكن، ولكنها الرغبة الكامنة في النفوس بمناهضة صدام بالذات، ولا يهم بعد ذلك شخصية المناهض أو خلفيته الفكرية والأخلاقية، هكذا كانت تجري الأمور في مدينتي (العمارة) طيلة أسبوع كامل هو عمر الانتفاضة الشعبية، كما يسميها المعارضون لنظام صدام، ويسميها النظام بصفحة الخيانة والغدر..
(9)
في بغداد ، كانت الأمور أكثر هدوءاً. هكذا عرفت من أصدقائي فيما بعد، والذين تفاجئوا بما حصل لي ولعائلتي، ولأن كليتي كانت مغلقة للمنتسبين لحزب البعث الحاكم، حيث جميع الطلبة هم من البعثيين أو بالأصح ممن جرى تبعيثهم، فقد عقد اجتماع حزبي بعد الانتفاضة بحوالي شهر ونصف لطلبة الأكاديمية وكنت حاضراً فيه.
تحدث عدد من الموجودين عن الذي حدث في آذار، ولكن أحدهم استفزني عندما قال بأن (الأحداث) التي وقعت في جنوب العراق كان سببها خيانة المواطنين هناك، طلبت الحديث بعده مباشرة، وكان يجلس إلى جواري صديقي ضياء أحمد عبد الرزاق ولم يكن من سكنة الجنوب ولكنه كان ناقماً على السلطة أكثر مني، فلكزني دون أن أعرف ماذا كان يريد، المهم أخذت بالحديث بصورة لم أكن أتوقعها أنا شخصياً، قلت فيما قلته أن أسمي كذا وأني من محافظة ميسان وأني فخور جداً لذلك وقلت بأني كنت في العمارة أثناء (الأحداث) ولذلك سيكون حديثي حقيقياً لا مثل أحاديث الآخرين التي تتهمنا بالخيانة، وأوجزت بأن سبب (الأحداث) كان تجويع الناس بحجة الخزين الاستراتيجي والدليل أن الناس قصدت المخازن الغذائية في اليومين الأولين (للأحداث) ووجدت هذه المخازن تغص بالمواد الغذائية من كل صنف ولون فيما هتك الجوع أعراض الناس، وبالطبع لم أكن قادراً على ذكر أسباب أخرى بطريقة مباشرة واكتفيت بالتلميح فقط. لم يرق كلامي للمسؤولين الحزبيين الذين كانوا يجلسون خلف الطاولة، أما الطلبة، فسمعت همهماتهم من كل الاتجاهات. قال المسؤول الأكبر أن ما تفضلت به ليس خطئاً وأن المسيرة لابد أن تكون فيها أخطاء ووعد بتجاوز هذه الأخطاء مستقبلاً ، وانفضّ الاجتماع . قال ضياء أنني كنت جريئاً ، آخرون قاطعوني لأنهم لم يصدقوا بأني لم أكن (بالمخابرات) بدليل ما قلته في الاجتماع . ولقد استمرت الأقاويل من حولي تتهمني بالعمل في المخابرات حتى بعد تركي العراق وحصولي على اللجوء السياسي وعملي مع المعارضة العراقية . وهذا ليس مهماً ، فعلى حدّ علمي لم ينج أحد من تهمة المخابرات هذه في العراق وخارجه إلا من كان يعمل في المخابرات حقيقة . لقد استطاع النظام أن يزرع الشكوك في نفوس العراقيين بعضهم لبعض لأسباب شتى ، منها القمع والخوف والاستعداد النفسي وغيرها . شخصياً لم أكن معنياً بذلك أبداً ، كانت لديّ مشاريعي التي تغنيني عن هذه الثانويات ، في الشعر والمسرح والنقد والحب الفاشل دائماً وتجارب الجنس الفقيرة والصداقات الغادرة.
(10)
نصحني المحبون بأن أخلع قميصي الأسود الذي ارتديته لوفاة أخي سلمان ، وقالوا أن خير طريقة لذلك هي أن أدخل في تجربة حب جديدة ، وبما أني لم أكن أخرج من تجربة فاشلة إلا لأدخل في أخرى فقد كان ذلك أمراً سهلاً عليّ ، وبالفعل اخترت هذه المرة واحدة من زميلاتي في قسم المسرح ، وهو ما لم يحدث سابقاً معي إذ كنت أعامل زميلاتي في القسم على أنهن مجرد أخوات لي بالرغم من أنني كنت أتحرق شوقاً لاحتضان واحدة منهن،واخترت س ، ولا أدري لماذا س دون سواها ، كانت س طالبة شريفة وأنيقة ولم تكن لديها علاقات زائدة ، فاتحتها في مشروعي الغرامي ووافقت ، وبعد أيام نظمت الكلية سفرة إلى بحيرة الحبانية وبالطبع اقترحت س أن نذهب مع الأصدقاء وذهبنا فعلاً .
كان ضياء أحمد وعلي حبيب ظاهر يراقبان تحركاتي بكثير من السخرية والضحك لأنهما وحدهما من يعرف بأن ما يجري لي ليس أكثر من تجربة فاشلة أخرى وستثبت الأيام ذلك. وذهبنا إلى الحبانية ، ولسوء حظ س ، فإن زميلتنا سمية جلبت معها أختها الجميلة رجاء فما كان مني إلا أن تركت س ولحقت برجاء طيلة ساعات الرحلة .. كان معنا أحد الأساتذة ، وكان عدا عن كونه أستاذي صديقاً لي ، لاحظ ما يجري وعرف بأني قد وقعت في صنارة رجاء فظلّ يكرر أمامي بأنها فتاة رائعة ، جميلة ، مدهشة ، وذهب إلى أبعد من ذلك عندما ربطها بالبحر الذي أمامنا فجعلني أهيم بها ، شعرت س بذلك وبالطبع فقد انزعجت ، وحدثت الطامة الكبرى عندما عدنا من السفرة ونزلت س في الطريق على مقربة من بيتهم فانتهزت الفرصة وجلست إلى جوار رجاء حيث كان الكرسي المجاور لكرسيها فارغاً وعلى الفور صارحتها ، ضحكت بصوت عال وسألتني عن س فحاولت التملص وظللت هكذا إلى أن وصلنا إلى مبنى الأكاديمية وهناك حاولت أن أحصل منها على وعد بلقاء أخر إلا أنها لم تعد . وغابت رجاء منذ ذلك اليوم وإلى هذا اليوم .
علاقتي مع س لم يكتب لها بعد ذلك إلا مجموعة أيام وبعدها صارحتها بحقيقة أمري وقصة حبي المزعومة وقد تفهمت الأمر لصراحتي المطلقة . عدت إلى شلتي شارحاً لهم الأمر فما عثرت عندهم على غير الضحك.
(11)
في (العمارة) كانت الأمور ما زالت صعبة ، وعلى عادتي في الإهمال ، أهملت أهلي وظروفهم وغصت في ملذاتي ، فمن بار إلى بار ومن شقة إلى شقة ومن قصة إلى قصة ، وهكذا دخلنا في سنوات الحصار العجاف .. لا أريد الحديث عن سنوات الحصار هذه ، لشدة قسوتها أولاً ولأنها لا تعني هذه الورقة ثانياً .، ولهذا سأعود إلى الأيام التي تختزنها ذاكرتي حول أحداث العام 1991لفرط ما أدمت من قلوب .
(12)
قلت بأنني ذهبت إلى (العمارة) مضطراً ، فما كان بمقدوري أن أطمئن لوضع أهلي في ( العمارة) والعراق قد اشتعل بنار حرب لا أحد يتوقع لها نهاية أو مخرجاً ، لقد رفض صاحبنا كل الوساطات التي قادها وعرضها عليه زعماء وشخصيات من كل العالم للخروج من الأزمة ، حتى أعداء الأمس عرضوا عليه وساطاتهم لتجنيب العراق ، كما كانوا يقولون ، كارثة كان الجميع يراها إلا صاحبنا ، فيا له من قدر هذا الذي قاد العراق والعراقيين إلى كارثة حرب الخليج الثانية .
العجيب في الأمر أن الرفاق الحزبيين في الكلية كانوا بدءوا حملة منظمة لإقناع الطلبة بأن الكويت هي المحافظة التاسعة عشر ، هكذا أسموها ليلغوا من الخريطة دولة لها علم وعضو فاعل في المنظمات الدولية ، أول الأمر أجبروا عدداً غير قليل من الطلبة على (التطوع كفدائيين) استعداداً للحرب ، ثمّ أجبرونا على الخروج في مظاهرات يومية تهتف بسقوط أمريكا وتغني للمحافظة الجديدة وتؤكد تمسكنا بقرار الضم ، هكذا ألغيت شعارات (ثورة الأهل في الكويت) التي بدأها النظام بعد 2/8/1990 وصار الشعار الآن : الوحدة الاندماجية التي لا رجعة عنها . ومن مفارقات القدر أو الأيام أن الحزب قرر في تلك الفترة ترفيعي إلى درجة نصير متقدم ، ولحسن سلوكي قاموا بتسليمي مجموعة من الطلبة لكي أكون مسؤولهم الحزبي ، حاولت في مهمتي التي استمرت أشهراً أن أركز ، في الاجتماعات الأسبوعية التي يعقدها حزب البعث لأعضائه كما درجت العادة ، على الفكر الثقافي على حساب السياسي الذي اختلط علينا ، فقمت بتحويل الاجتماع إلى درس في الثقافة كثيراً ما كنت أحلم به ، وكي أكون قريباً من الفكرة السياسية استعنت بأحد الكتب المختصة بالمصطلح السياسي وبدأت أطالب أعضاء الحلقة التي أقودها بالتحضير لبعض المصطلحات السياسية التي استقيها من الكتاب ، وقلت في سري أن في ذلك فائدة للطلبة ولي على حد سواء ، وفيه أيضاً ابتعاداً عما يجري ولم نكن مقتنعين به ، ولكن مشكلة حقيقية واجهتني في مسعاي هذا ، إذ أصرت إحدى الطالبات على سؤالي في كل اجتماع عن شرعية احتلال الكويت ، واذكر أنها سمراء وأسمها أحلام ، وكنت أحير في جوابها ، فمن جهة كنت مثلها غير مقتنع بما لقنونا إياه حول الاحتلال ومن جهة ثانية لم يكن بمستطاعي التصريح بذلك لأن هذا معناه رأسي !! وهكذا ظللت أناور في الإجابة وظلت هي تلح علي بقصد إحراجي ، كما فهمت منها ، فهي تعرفني جيداً ولكنها كمن كانت تمزح معي مزاحاً ثقيلاً مستغلة انفتاحي مما لا يوجد له مثيل في مسئولي الاجتماعات الحزبية الآخرين في كليتنا ، وبعد ما حدث مع أحلام ، إضافة لقناعتي بأن مكاني الحقيقي ليس في مثل تلك الاجتماعات الكاذبة المزيفة ، طلبت من المسؤول الحزبي المباشر لي ، وكان أستاذي ومن أحب الفنانين العراقيين إلى قلبي ، وهو بالمناسبة قد خرج من العراق ويعمل في ليبيا منذ سنوات ، بأن يعمل ما بوسعه لكي يجنبني ما حدث وأن يبعد عني أي شيء له علاقة بقيادة خلية حزبية لمجموعة من الطلبة ، وقلت له أيضاً بأنني بلا ذلك متهم بانتسابي للمخابرات ، فكيف لو كنت مسؤولاً حزبياً ؟ ولقد وفى الرجل بوعده لي ولم يعهد لي بمسؤولية من هذا النوع ، بل وتمادى في مسايرتي عندما نفذ ما طلبته منه بتضييع إضبارتي الحزبية عندما تخرجت من الكلية ، حيث كان الإجراء الطبيعي في ذلك الوقت أن تحول إضبارة المتخرج من الكلية إلى منطقته كي لا يضيع البعثي أو الحزبي ، ومنذ ذلك الوقت وحتى خروجي من العراق لم يعثر لي على إضبارة حزبية أو أشارك في اجتماع حزبي مطلقاً ، فلقد قمت والصديق الأستاذ بإتلاف إضبارتي ولم يعثر عليها فيما بعد أبداً ..
الأيام تمضي ، إذن ، والحلفاء يهيئون عدتهم وعتادهم لمحاربتنا ، نحن الغزاة ، فيما نكثر نحن من الهتافات والمظاهرات ، في كل يوم كانت لنا مظاهرة حتى هجرنا دروسنا وجامعاتنا وتفرغنا للمظاهرات المنددة بالأساطيل الأمريكية والغربية ، أما التلفزيون فلم يكف، كعادته عندنا، عن بثّ الأغنيات التي تمجد الرئيس، ولكنّ مخرج تلفزيوني فطن وذكي اكتشف نفور الناس من التلفزيون فقرر أن يجلد المشاهدين هذه المرة بأنشودة تقول كلماتها: (وين الملايين، الشعب العربي وين) والأنشودة أصلاً لم تكن خاصة بما يجري في الخليج كما اكتشفنا ولكن هذا المخرج الهمام، لا أعرف من هو، قام ببثّ الأنشودة مرة فقررها الرئيس علينا مئات المرات، في الواقع كانت هذه الأنشودة حماسية إلى حد كبير، ولكننا لم نكن بحال الأناشيد، فالموت لم يكن يزحف إلينا، في الحقيقة نحن الذين كنا نركض نحوه بكل ما أوتينا من قوة، وبدلاً من أن تجتهد قيادتنا في البحث عن مخرج لورطتها هي قامت بالإيغال بالتورط. ماذا نفعل نحن الذين غلبنا على أمرنا منذ زمان طويل؟ أن نحتج مثلاً؟ الاحتجاج، بمعناه الواسع والشامل، لم يكن وارداً في يوميات العراقيين في السنوات العشرين التي سبقت كارثة غزو الكويت، والأسباب معروفة، ماذا نفعل إذن؟ لم يكن أمامنا سوى العصيان، نعم، العصيان على طريقتنا: الهروب من المظاهرات، الهروب من الخدمة العسكرية، إهمال أوامر الرفاق، الغياب من الجامعات والمعاهد والمدارس، التظاهر بالمرض.. الخ.
وهنا أود أن أسرد هذه الحكاية المختصرة مثالاُ على ما أقول، فقد أجبرت ومجموعة من خريجي الأكاديمية على الالتحاق بالكلية العسكرية الثانية، وهذا هو أسمها الرسمي، كنا في معسكر التدريب الأساسي ومن المفروض أن نلتحق بعده بإحدى الوحدات العسكرية ولكن، فجأة جاء إلى المعسكر وفد من قيادة الكلية العسكرية لكي يأخذ عدداً من الجنود الخريجين إلى الكلية للالتحاق بدورات الضباط، ولأن جميع الخريجين يتمنون الخلاص من الخدمة العسكرية بأسرع وقت، ولأن دورات الضباط تعني خدمة عسكرية قد تدوم لسنوات طويلة ،كان الخريجون يفرون من سيارات الكلية المعروفة وبالتالي لا يقع فيها إلا الحمقى والذين لا يملكون الواسطات، وكنت منهم فاصطاد تني سيارة الكلية، ما أريد أن أصل أليه الحيل التي كان يحتالها (الطلبة في الكلية العسكرية) لكي تقوم الكلية بفصلهم والعودة بهم إلى معسكرات التدريب حيث كانوا، فقد كانت تجرى لنا مقابلة في مقر عمادة الكلية يسألون الطلاب فيها أسئلة كثيرة، يجب أن تنطبق أجوبتها مع قوانين الانتماء إلى الكلية، وهنا كان الطلاب يبتكرون قصصاً وروايات، بعضها كان مخزياً بحق، لكي يتخلصوا من القبول ويتم إرجاعهم إلى حياة الجنود المكلفين، سمعت قصصاً لا يمكن أن يتبناها عاقل تخص الشرف والسياسة والأجرام وغيرها من أعذار كان يحكيها الطلبة الجنود في المقابلة من أجل خلاصهم.. أما أنا، فلقد خلصني من هذه الكلية ممثل عراقي معروف كان في تلك الأيام في أوج نجوميته، فتوسط لي وتم فصلي من الكلية العسكرية بسبب الغياب، فقد هربت منها حوالي ثلاثة أشهر، وبعدها تمت إعادتي إلى معسكر التدريب في منطقة دلي عباس شمال بعقوبة. من النافع أن أذكر هنا بأن هذا الممثل هو نفسه من سهل عملية خروجي من العراق في العام 1998 عبر ترتيبه دعوة فنية لي من إحدى المؤسسات الفنية الأردنية، فتخلصت بهذه الدعوة من الكثير من المشاكل التي كانت ستواجهني لو كنت سافرت بطريقة أخرى.
ما أردت قوله من هذه الحكاية الحيل التي كان العراقيون يتفننون بها للخلاص من أوامر وتعليمات السلطة، وهي حيل دفاعية بالتأكيد ، لم نكن نملك غيرها لكي نتكفّى شرّ السلطة، وهذا ما أسميته بالعصيان. ومع ذلك، ظل مشهد الموت يقترب من العراقيين بسرعة مذهلة، وقبل ساعات من الهجوم الجوي الأول في ليلة 17/18/1 كنا في ساحة المستنصرية نهتف بسقوط أمريكا، وكان أحد الأساتذة من المسؤولين الحزبيين، وأسمه الدكتور جبار، يخطب بالحشد الطلابي باعتباره القائد الحزبي الأعلى درجة، متحدثاً عن قدرة العراقيين على إسقاط طائرات الحلفاء بالبنادق، ومن المفارقات الطريفة أن هذا الدكتور كان أول من أفتتح ظاهرة هجرة أساتذة أكاديمية الفنون، والأساتذة العراقيين بشكل أعم، بعد حرب الخليج مباشرة. المهم، عدت في تلك الليلة إلى بيت أختي خديجة لأن المهلة أو الإنذار الذي حددته الأمم المتحدة لانسحاب العراق من الكويت ينتهي اليوم ، وبالتالي عليّ أن أكون قريباً من العائلة ومن يمثلهم في بغداد إضافة إلى أن خديجة نفسها كانت أصرت على حضوري عندها في ذلك اليوم خوفاً عليّ ، وحوالي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل بدأت أولى هجمات طائرات الحلفاء على بغداد ، فبكت خديجة على أهلنا في (العمارة) ولم أكن أدري ماذا أفعل ؟..
(13)
كان قصف اليوم الأول عاصفاً بحق ، يبدو أنهم قرروا منذ اليوم الأول للحرب ، أية حرب ؟ ، معاقبة الشعب العراقي بأكمله ، كان القصف يشتد لحظة بعد لحظة ، ونحن لا نملك سوى أن نتفرج على ما يحدث ليس إلا ، ويا لها من فرجة ، تصوّر أنك ترى الصواريخ في السماء كأنها ألعاب أطفال في الوقت الذي تدرك فيه جيداً بأنها ذاهبة لتقتل أباً أو أماً أو أختاً أو صديقاً أو حبيبة أو عزيزاً ، السماء تحولت إلى ساحة ألعاب ضخمة جداً ، بمعنى لا يمكن مجرد تخيلها ، ولكن اللون الوحيد المتوفر فيها هذه المرة هو اللون الأحمر فقط ، اللون الأحمر كان يبثنا بهجة وموتاً ساحراً ، شخصياً لم أكن أتوقع سحريّته إلا بعد أن ذهبت إلى (العمارة)، هناك فقط ، رأيته ، رأيته أولاً عندما قتل الرسام أمير الشيخ الذي كان واقفاً أمام مبنى الاتصالات منتظراً أن يزوره طيف الجمال لكن الصاروخ الذاهب إلى المبنى كان الأقرب إليه فأستقبله بالأحضان ، هنا عرفت الموت الذي أتحدث عنه ، وهو مشهد سيتكرر كثيراً في أيام القصف الطويلة ، واللافت أنه يتكرر مع أناس أتفق الجميع على محبتهم أو أنهم كانوا على الأقل لا يستحقون موتاً مباغتاً بهذه الطريقة المفجعة . كان واحداً من هؤلاء الذين أتحدث عنهم الآن في طريقه إلى من ينجده لإطعام أولاده ، وهم كثر (أقصد أولاده) ، ولما وصل منتصف جسر العمارة الكبير تقصّدته إحدى الطائرات فأصبح أشلاءً ، أخاف أن أذكر المزيد من الأمثلة والقصص فهي تتشابه في براعتها في الموت ، ولكن ماذا عن مجالس عزاء هؤلاء ؟ لاشيء ، فالناس في تلك الأيام نسيت عاداتها في إكرام الموتى بالدفن وإقامة مراسيم الجنازة بما هو لائق بالمتوفى وما إلى ذلك من طقوس كانت سارية المفعول في حياة العراقيين وتركزت في سنوات الحرب الطويلة مع إيران ولكن سرعان ما تغير الأمر هذه الأيام وأصبح التفكير بالذات وإهمال ما سواها أمراً عادياً ، كيف لا والموت لم يكن ينتقي أو يفرق علاوة على قربه المبالغ فيه من الجميع ، فالناس إذن لم تكن بحال موتاها، أنها تائهة بين اللقمة الصعبة ، بل النادرة ، وبين المحافظة على حياتها بأية وسيلة ممكنة ..
لما قتل أخي سلمان ، مثلاً ، جاءوا بجثمانه ظهراً واحتار الجميع في الإجابة عن أسئلة كثيرة من قبيل : أين سندفنه ، وكيف ، ومن أين سنتدبر السيارة التي ستنقله ، ومن سيقودها في حال حصلنا عليها وحصلنا على وقودها ، من سيذهب مع الجنازة ؟ .. أسئلة كثيرة احتار أبي ، وهو الكبير في السن ، في إيجاد أجوبتها المستحيلة فقرر الإبقاء على الجثمان في بيتنا هذه الليلة ريثما نجد من يفك لنا عقد الأسئلة هذه وكان العون في اليوم التالي ، كالعادة ، من أخوالي الذين ما أن وصلهم الخبر حتى سارعوا إلى نجدتنا بأن أحضروا (تراكتور وعربا نته) وقاموا بنقل الجثمان إلى جزيرة نائية شرق العمارة يطلق عليها : جزيرة سيد نور ، حيث كان خوالي يعملون (خدماً) في مقامين لسيدين وليين من أولياء الله ومن نسل سيدنا محمد (ص) وهما ( السيد نور ابن المبرقع وابن عمه السيد سعدون ) ويقيم خوالي عند المقامين ، وهناك أيضاً كانت ثمة مقبرة قديمة يدفن فيها الناس موتاهم في ما إذا كانت أحوالهم المادية سيئة، وفي هذه المقبرة ، التي كان يرقد فيها جدي لأمي ، أجمعت العائلة على دفن أخي على سبيل (الأمانة) لصعوبة الوصول إلى مقبرة النجف الأشرف حيث اعتدنا دفن موتانا ، وبعد شهور عندما انتهت الحرب قام أبي بنقل الجثمان إلى مقبرة النجف الأشرف ، قال والدي بأن الجثمان كان محافظاً على نداوته وذلك من بركات أمير المؤمنين(ع)حيث يتوقع الجميع عكس ذلك ، خاصة في ظل ظروف مناخية سيئة وقد أكد من كان مع والدي ذلك وأضافوا بأنها لم تتفسخ وما زالت تحتفظ بسيماء اليوم الأول للوفاة . في تلك الأيام كنت قد رجعت إلى بغداد ، وقد عرفت بما حصل من نقل للجثمان فيما بعد ..
كنت أتحدث إذن عن معاناة الناس في دفن موتاهم في تلك الظروف القاسية وهي معاناة لا يمكن تصورها اليوم على الإطلاق فقد كانت الجسور مقطعة والنفوس محطمة والإمكانيات أقل من شحيحة ، لا سيارات لا طرق لا جسور لا أموال ، وباختصار ، الناس كانت في صدمة أنستها موتاها .
(14)
شخصياً أمضيت أياماً لا تنسى لفرط غرابتها عقب وفاة أخي ، والسبب يرجع لصبية ريفية كان بيتهم يقع إلى الخلف من بيتنا ، وتعود مراقبتي لها إلى تاريخ أقدم من التاريخ الذي أتحدث عنه الآن ، لقد كانت الصبية ، وأسمها غير الصحيح الذي أعطتني إياه هو سوسن ، من عائلة نزحت إلى مدينة العمارة من الأهوار والمناطق المشابهة التي قامت الحكومة بشن حملات تهجير منظمة لهم منذ سنوات ، وقد استقرت الكثير من تلك العوائل في الحي العسكري الذي نسكن فيه الآن ، ولم تتخل تلك العوائل عن عاداتها القديمة المتوارثة حتى وهي تعيش في المدينة ، مثل تربية الماشية والنهوض المبكر جداً من النوم والاعتماد على روث الحيوانات في بعض عمليات الطهي ، كما أن ملابسهم تميزهم عن غيرهم ، وكانت سوسن كثيرة الحركة ، وقد اشتهيتها أكثر من مرة ، خاصة وأنها تمتلك جسداً أنيقاً ، من جهة ، ومن جهة ثانية بسبب قلة تجربتي مع المرأة والتي تدفعني دائماً لتشهي أي امرأة أصادفها ، وفي ليلة شتوية قاسية سطا على بيتهم أحد اللصوص ، وإن كنت أرجح أنه لم يكن لصاً وإنما طامع مثلي بنيل جسد الصبية كثيرة الحركة والغنج ، المهم أن الصراخ علا في تلك الليلة ، وخرجت هي وأبوها يحملان العصي إلى الشارع لتعقب اللص المزعوم ، وبالطبع فقد خرجنا نحن أيضاً وبعض الجيران ، وكانت سوسن تهدد وتتوعد ، ولأنها خرجت مسرعة من بيتهم فلم تكن ترتدي ملابس ثقيلة تناسب الشتاء مما وفر لي فرصة أخرى للتمتع ببياض بشرتها ولو في مستوى رؤية ضعيف ، وقمنا ليلتها بإقناعهم بلا جدوى البحث عن اللص في مثل هذا الوقت والجو السيئ ، ولكنني انتهزت الفرصة لإظهار رجولتي أمام هدفي الجميل ، والذي بادرني بنظرات إعجاب خاصة ! ، في مرات أخرى تسنى لي الاقتراب أكثر من جسدها ، وخاصة أيام مجلس العزاء البسيط الذي أقمناه لأخي ، وبعد تردد كبير من جانبي استطعت أن أفاتحها بمشاريعي الغرامية معها ، وقد عجبت لأنها وافقت على الفور ، وفي يوم تال استطعت إقناعها بالنزول إلى بيت غير مكتمل كان يقع لصق بيتنا وأمام بيتهم ، ونزلت إليه وأمسكت بجسد امرأة أخيراً !! ، لم أكن أدري ساعتها ماذا افعل ، شعرت أن الوقت يمضي بسرعة فائقة ، كما أن المكان لم يكن مأموناً ، ذلك أن أحد الجيران النازحين أيضاً كان يستخدم هذا البيت لإيواء قطيع أغنامه وخفت أن تفاجئنا الأغنام ونحن في وضع غير شرعي ، ومع هذه الهواجس كلها وغيرها استطعت أن أمرر يدي على جسدها وأتنشق رائحة عطرها القروي ، ما زال فيه شيئاً من رائحة روث الحيوانات ، كما لمست أجزاء حساسة من جسدها كانت بالنسبة لي من عالم الأحلام لا اكثر ولا أقل ، وانتهت دقائق اللذة بسلام ، حاولت أن أعيد الكرة معها ونجحت في المكان ذاته إلا أن المرة الثالثة لم تكتمل لأن أخي الأكبر فيصل شاهدني من خلل ثقوب الحائط وأنا أداعب معبودتي وانتبهت لعينيه فخجلت .. في البيت نهرت كثيراً على جرأتي ، كما أن دوامي في الكلية كان قد أزف ، فغادرت العمارة متحسراً على أيامي مع سوسن ، وعندما كنت أعود إلى البيت في العطلات لم تكن تسمح ظروف إجازتي القصيرة أن ألتقي بها ، وفي واحدة من المرات التي نزلت فيها إلى البيت أخبرتني أمي أنهم رحلوا إلى مكان قريب ولكني لم ألاقيها ، وفي مرة أخرى قالت لي أمي وهي تعطيني موجزاً عن أخبار الأهل والأصدقاء أن سوسن قد توفيت في حادث بشع ..
آه أيتها الصبية اللذيذة ، كم كان عسلك ضرورياً لنجاتي !! .
المرات الأخرى التي التقيت فيهل نساءً كانت المرأة فيها عاهرة محترفة ، هكذا قررت أن أكافح شبقي ما دمت عاجزاً عن إقامة علاقات نسائية طبيعية ، فطفت على بيوت الدعارة في بغداد بيتاً بيتاً ، ساعدني في ذلك أنني كنت أسكن في منطقة الحيدرخانة الشهيرة ببيوت دعارتها ، بل أنني كنت أستطيع الوصول إلى ما أريد حتى في أيام المنع التي كانت تسنها الحكومة بين حين وآخر ، ووصلت إلى بيوت أخرى في الكرادة وفي محلة الذهب وغيرها كثير ولم أكف عن هذه العادة إلا بعد أن صار لي وضعاً في المجتمع عندما عملت في الصحافة والتلفزيون والمسرح ، العجيب أن كلية الفنون الجميلة ، حيث كنت طالباً ، كان غيري من الطلبة قد حولوا قاعاتها في الطوابق العليا إلى أماكن للمتعة المجانية بمشاركة طالبات جميلات وأنيقات إلا أن ذلك ظل ممنوعاً علي لأربع سنوات هي سنوات دراستي في الكلية !! ، وبعد أن تخرجت من الكلية وكففت عن زيارة بيوت الدعارة حدثت تطورات كبيرة على المهنة ، بسبب الجوع الذي بدأ ينهش أوصال العائلة العراقية ، فبالرغم من قرارات المنع الشهيرة تحولت بيوت الدعارة إلى أماكن نظيفة وأنيقة تدار من قبل رؤوس كبيرة ، أما العاملات فيها فمن طالبات الكليات الجميلات ، والزبائن من علية القوم والذين بإمكانهم أن يدفعوا جيداً ، حتى تحول الوطن ، على غفلة من الزمن ، إلى دار بغاء كبرى للمسؤولين وأولادهم ولغير العراقيين الذين يصلون العراق للتضامن مع شعبه ضد الحصار الجائر المفروض عليه !! . وفي سنوات لاحقة قررت القيادة العراقية قطع رؤوس العاهرات بالسيوف وعلى الملأ إذا ما قام واحد من عناصرها بالتبليغ ضد العاهرة ، فقطعت المئات من الرؤوس إلا رؤوس العاهرات والعاهرين أيضاً !! .
(15)
الجيش النظامي عندما دخل المدينة لتحريرها من (الغوغاء) ، وهذه هي التسمية الرئيسة للحكومة على الانتفاضة الشعبية ، لم يبق ولم يذر !! ، لقد تسنى لي الخروج إلى مدينة العمارة في هذه الأيام وشاهدت ما لا يمكن وصفه من تقتيل وتخريب ،كانت الطرق مقفلة بالكامل ورأيت بعيني العديد من الجثث المتروكة في العراء ومنها جثة أحد المجانين وهي تغرق بالدم بعد أن نخرها رصاص القوات النظامية ، ربما اعتقدوه القائد العام للانتفاضة فمثلوا بجثته ، جثة أخرى لم أتعرف عليها وكانت الكلاب تنهش فيها على مقربة من وجود مفرزة للجيش كانت تفتش هويات المارين وموجودا تهم تارة وتعتقل بعضهم تارة أخرى ، كما انتبهت لحجم الدمار الذي لحق بالمدينة ، دمار مزدوج الأول سببته طائرات الحلفاء وهو ما يتعلق بالجسور المقطعة الأوصال ومحطات توليد الماء والكهرباء ، والدمار الثاني كان بسبب هجوم القوات النظامية على المدينة حيث يرى المتجول في المدينة شبه المهجورة بيوتا تحولت إلى أطلال وبنايات كبيرة تخترقها ثقوب القذائف والرصاص .
كانت فرصة خروجي من البيت في تلك الأيام العصيبة مردها حاجتنا إلى التسوق لمجلس عزاء أخي المصغر ، وكان أحد أصدقاء أخي غازي تبرع أن يساعدنا بذلك ، لقد حصل هذا الصديق الوفي على ورقة مكتوب في أعلاها ما يلي : مكتب السيد نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ، ونصت على : يسمح لحامل هذه الوثيقة بحمل السلاح والعتاد والتجول في مدينة العمارة في أي وقت ، التوقيع : عزت الدوري . هذه الوثيقة كانت كافية لكي نجول المدينة طولاً وعرضاً دون خوف أو تهديد بسيارة أخي غازي العتيقة ، وكان أبز مكان علينا زيارته للتسوق يقع في نهاية العمارة على طريق البصرة ، هناك كانت تقع مخازن العمارة الكبرى ، وبعد تفجر الانتفاضة قصدت جموع الجياع تلك المخازن فأجهزت على ما فيها من خيرات كانت ممنوعة على الناس .. وبعد دخول القوات النظامية إلى المدينة تحول الحي القريب من تلك المخازن إلى أكبر سوق للمواد الغذائية في المدينة .
أما كيف حصل صاحبنا على تلك الوثيقة ، فالجواب بسيط ، حيث كان أخوه مطيعاً للحكومة وقراراتها فذهب تنفيذاً لأمر ألقته الطائرات يطلب من الموظفين التوجه إلى قيادة فرع ميسان لحزب البعث الحاكم فوراً من أجل المباشرة بالعمل ، وهناك كانت تنتظرهم المفاجأة : عزة الدوري ، والذي استقبلهم بالسباب والوعيد والإهانة وختمها بأن وزع عليهم ، وهم قلة قليلة ، تلك الوثيقة حيث اعتبرهم من المخلصين الذين نفذوا الأوامر بسرعة فحالهم ليس حال الخونة والغوغاء من الموظفين الذين تغيبوا عن حضور هذا الاجتماع التاريخي مع السيد النائب، وبالطبع فهذا الأسلوب لم يكن غريباً على حكومتنا في معاملة الرعية ، حتى في أحلك الظروف . وكان صاحبنا قد ذهب مع أخيه لذلك الاجتماع خوفاً عليه مما لا يحمد عقباه في الطريق فحصل بدوره على تلك الوثيقة .
هكذا إذن استطعت أن أتجول في خرائب المدينة ، وبالرغم من تلك الوثيقة الخطيرة إلا أنني كنت خائفاً جداً ، فالجنود الذين نصبوا سيطر اتهم في كل مكان كانت لديهم أوامر واضحة وصريحة بقتل أي مشتبه به ، وبالرغم من تلك الوثيقة أيضاً فقد قام الجنود بتفتيشنا وسيارتنا أكثر من أربع مرات خلال أقل من ساعتين هي زمن رحلتنا بحثاً عن ما يمكن شراءه لمجلس العزاء ، وعندما عدنا للبيت سالمين قررت أن لا أذهب في رحلة مشابهة حتى لو متنا جوعاً ، ولكنني عدت وخرجت مع صديقنا ثانية !! ، إلا أن ما لم يكن في حسابنا هو اعتقال أربعة رجال من العائلة دفعة واحدة هم : أبن أختي ، وأبن عمي ، وأبن أخي المرحوم داود ، وأبن بنت عمي . لم نتوقع تلك المفاجأة ونحن في غمرة أحزاننا بفقد أخينا ، لقد ألقي القبض عليهم عندما ذهبوا إلى المستشفى الجمهوري لعودة أولاد أخي سلمان الثلاثة الذين طالتهم شظايا القنبلة التي قتلت أبيهم فجعلتهم ينزفون ، وعوقت أحدهم ، ولأن المستشفيات في تلك الأيام بلا خدمات فقد ذهب وفد من عندنا للتبرع لهم بالدم وإطعامهم والقيام بخدمتهم ، المهم أن المجاهدين كانوا اتخذوا المستشفى مقراً لهم ولعملياتهم ونجدة المصابين منهم ، ولم نكن ندري بذلك فقامت القوات الحكومية باعتقال كل من وجدته في المستشفى عندما دخلت المدينة ، وعلى الفور قامت بإعدام مجموعة جيدة منهم على شاطئ نهر دجلة المحاذي للمستشفى ورحلت الباقين إلى قيادة الفيلق الرابع وهناك أشبعهم الجنود ضرباً ، والضرب بمثابة تحقيق معهم ، وبعد حوالي شهر أطلق سراح عدد منهم بينما نقل الآخرون إلى أماكن مجهولة ، وما زالت مجهولة إلى اليوم ، وكان أبن بنت عمي من هؤلاء الذين لم يعرف مصيرهم أو مكان اعتقالهم إلى هذه اللحظة ولم تجد أمه غيرنا لتلقي باللوم على ضياع ولدها عليه فظلت تشتمنا في كل مكان ومناسبة ، أما الثلاثة الآخرون فقد عادوا هياكل عظمية بالكاد تعرفنا عليهم بسبب ما طالهم من ضرب وتعذيب وإهانة ، وكان قد شفع لهم ضابط صغير من أهالي العمارة يبدو أنه أراد إنقاذ من يصادفهم في معتقل الفيلق الرابع ، خاصة وأن الثلاثة قد أصروا على روايتهم البعيدة عن المنتفضين فخلصهم من الموت بقدرة قادر ، وانقلب العزاء في بيتنا إلى مناسبة يتيمة للفرح بسلامة الثلاثة .
هل نقول أنها لحظة ولادة جديدة ؟ لم لا ، فالموت في تلك الأيام كان قريباً جداً ، أكثر مما يمكن تصوره ، وبدلاً من أن نفقد خمسة أشخاص في يوم واحد فقدنا واحداً فقط ، والفرق واضح بين الرقمين.
وعلى ذكر الفرق بين الرقمين ، فقد كانت واحدة من أبرز عوائل مدينة العمارة قد فقدت في تلك الأيام خمسة من أبنائها دفعة واحدة ، وبدون ذب أيضا ، وهي عائلة السيد جبار نعمة البطاط ، وقصتهم مثيرة للغرابة فعلاً ، ابتدأت عندما وقعت قذيفة في حديقة بيتهم الكبير في عواشة ، فهم من أثرياء العمارة وأشرافها ، وفي الحديقة كان يقف رب الأسرة السيد جبار فلم تخطئه القذيفة ، وهكذا حملوه في سيارة وذهبوا به مسرعين إلى المستشفى ، ومن هناك تسرب الخبر عن حاجة السيد إلى الدم ، هرع إليه أهله وأحبابه ، وعندما كانت السيارة التي كانت تقل ابنتيه وطفلة إحداهما ، واسمها ياسمين وعمرها لم يتجاوز العاشرة ، تحاول عبور جسر ( الماجدية ) ، تعرضت للقصف بقذائف الهاون ، لا أحد يعرف طبعاً مصدر النار ولكن السيارة كانت تشبه سيارات الأمن في العمارة حيث كان نوعها لاند كروز ، المهم لم ينج أحد من ركاب السيارة حيث قتل الجميع وعلى الفور وبالكاد عثر على جثث القتلى ، في هذا الوقت كان السيد جبار قد فارق الحياة هو الآخر متأثراً بجراحه ، وبعد يومين قرر أولاد السيد نقل جثمان أبيهم وأختيهم والطفلة إلى مقبرة النجف الأشرف ، وبالفعل وضعت الجثث الأربعة في سيارة بيك أب من سيارات العائلة قادها أحد الأصدقاء ، وأسمه حسين ، ومعه أحد الأقارب ، وفي الطريق الصحراوي الذي يربط العمارة بالنجف الأشرف تعرضت السيارة لهجوم مباغت من قبل مجموعة من قطاع الطرق الذين فتحوا النار على السيارة دون تمييز لمن فيها فضربت رصاصة سائقها مما أدى إلى انحراف السيارة عن مسارها فوقعت بعيداً عن الشارع بالقرب من قرية صغيرة ، أما أهل القرية فقد تعرفوا على من كان في السيارة ، فنسبهم الشريف وسمعتهم الطيبة في المدينة ونواحيها كانت تسبقهم دائماً ، حتى وهم أموات فبكى أهل القرية بكاءً شديداً على الجثث الأربعة وخامس الجثث الذي توفي برصاص قطاع الطرق الذين قد يكونون من أقاربهم ! .
في العمارة أقامت العائلة مجلس عزاء دون أن يعرفوا أن العزاء هذا لخمسة أشخاص حتى جاءهم الخبر بعد أيام ! ، فصارت القصة على كل لسان في المدينة . وقمت أنا وأخي فيصل بزيارة عزائهم مثلما زاروا هم عزائنا حيث كنا وما زلنا نرتبط وعائلة السيد جبار بعلاقات متينة جداً .
(16)
لا أدري كيف يمكن لعاقل أن يضع يديه بيد من كانوا السبب الرئيس في ذلك الخراب؟ كنت أعتقد أن الانتفاضة ستخلص الناس من الخوف الذي تملكهم سنيناً طويلة ، ولكن ما حدث هو أنهم عادوا كما كانوا ! صحيح أن هيبة النظام قد كسرت وللأبد ، ولكن الصحيح أيضاً هو أن الخوف ما زال يمد يديه محتضناً الجموع الغفيرة من العراقيين.
كيف فشلت الانتفاضة ، ولماذا ؟ كثيراً ما فكرت في ذلك ولم أجد جواباً غير أنها فشلت لأسباب تنظيمية !!.غيري رمى الأسباب على كاهل أميركا التي سمحت للقيادة العراقية باستخدام المروحيات في قمع المنتفضين ، آخرون قالوا بتدخل قوى إقليمية لها مصالحها في العراق والمنطقة ، رأي ثالث أرجع ذلك الفشل إلى الخوف المتمكن في نفوس العراقيين .. الخ ، وقد تصح كل تلك الآراء ، ولكن الثابت عندي هو عدم وجود قيادة واعية ومنظمة للمنتفضين مما أوقع أعمالهم بالإرباك واللا منهجية ونتج عن ذلك فوضى كبيرة وتداخل في الأوراق وسيطرة بعض الخارجين عن القانون ، على خلفية جرائم جنائية ، على بعض المناطق المنتفضة مما أعطى صبغة إجرامية للانتفاضة وعلى هذا الأساس تعامل معها أبناء تلك المناطق بشيء من الفتور ، بل والتجاهل ، وما كان لذلك أن يحدث لو كانت للانتفاضة قيادة موحدة تضم رجالاً من الثقة بمكان أن التفاف الناس حولهم سيكون مضموناً ، والعجيب أن تاريخ العراق المعاصر حافل بمثل تلك النماذج وقياداتهم الناجحة للثورات والانتفاضات ، على سبيل المثال لا الحصر شخصية محمد جعفر أبو التمن في عراق العشرينيات والثلاثينيات ، كانت الانتفاضة الشعبية بحاجة إلى رجال على شاكلة ( أبو التمن ) يعلون من الجانب الوطني على حساب المنفعة الشخصية أو المذهبية والطائفية ، ولكن الانتفاضة ظلت بلا رجال من هذا الطراز مما شكل فرصة ذهبية للمنتفعين والدخلاء كي يسرقوا الانتفاضة ، كما سرقوا فيها ، واليوم يعيش المئات من العراقيين على أمجاد الانتفاضة التي لم يكونوا طرفاً فيها لا من قريب ولا من بعيد ! .
في العمارة مثلاً ، غابت المرجعيات الاجتماعية والدينية والفكرية في المدينة عن ساحة المواجهة بدون أي سبب معلن ، لماذا غابت تلك المرجعيات ؟ ، كثيراً ما وجهت هذا السؤال للأصدقاء والمعنيين وكانت الإجابات تتراوح بين قائل بأنها غابت بسبب لا جدوى التغيير ، ومنهم من قال أنها غابت بسبب النفعية أيضاً ، إذ كانت تلك المرجعيات تنتظر ما ستؤول إليه الأمور ومن ثم المشاركة في صنع الحدث الجديد ، ويبقى موقف المرجعية الدينية هو الأكثر مدعاة للحيرة !! ، فلقد توقع الناس من هذه المرجعية ذات الصوت القوي أن تدعوهم إلى الثورة ضد الباطل وقيم الشر والكفر التي يمثلها النظام ولكنها بدلاً عن ذلك غرقت في صمتها المريب والمخيف .
في لجة الأحداث مر من أمام دارنا رجل يرتدي (دشداشة، حاسر الرأس، في الأربعينيات من عمره، لا يبدو عليه التدين) وهو يحمل ورقة بيضاء ويصرخ بأعلى صوته: جهاد .. جهاد .. رفعت رأسي من خلف سياج الدار ، حيث كان ممنوعاً علي الخروج ، وشاهدته فلم أقاوم رغبتي في معرفة ما تتضمنه تلك الورقة البيضاء ، خرجت مسرعاً للحاق به وعندما وصلته طلبت منه أن يريني فتوى الجهاد التي بحوزته ووجدتها فتوى كاذبة ، فهي لم تكن تحمل أسماً معروفاً في المرجعية كما أنها بلا توقيع، وفيها بضعة كلمات عن ضرورة الجهاد ضد الكفرة مكتوبة بقلم جاف عادي !!، ولم تكن لتنطلي علي، أو على غيري، مثل تلك الفتاوى المزورة، فنحن في بيئة شديدة الالتصاق بمرجعياتها الدينية ونعرف جيداً الفتوى الصادرة منها وتلك الكاذبة، كما نعرف أن صدور فتوى بذلك المعنى من مرجعياتنا يعني وجوب التنفيذ، ولكن رجال الدين أبوا إلا أن يكونوا صامتين !!، علي القول هنا أن بعض رجال الدين ، وخاصة من الصغار، هم الذين بادروا للمشاركة في الانتفاضة والتحريض على الثورة، والذين سرعان ما لاذوا بالفرار عندما دخلت القوات النظامية إلى المدينة وظل مجموعة من الشباب يقاومون وظهورهم عارية فقتل منهم كثيرون واعتقل اكثر وتم إعدامهم في المعتقلات الرهيبة .
كان من بين الذين قتلوا مسرحي شاب كان متخرجاً من معهد المعلمين، تداول الناس أن الفريق هشام صباح الفخري عندما وقف على جثته امتدح بسالته في مواجهة جيش مجهز بأحدث الأسلحة وهو الفرد الوحيد .
(17)
كانت ردة فعل القوات النظامية رهيبة حقاً، فلقد كانت مع قياداتها تعليمات صريحة وواضحة بقتل أي مشتبه به، مهما يكن عمره ومنزلته وجنسه ، وبالفعل فقد تم إعدام المئات، وبالطبع لم يكونوا كلهم من المشاركين في الانتفاضة، ولكن اشتباه القوات النظامية بهم قادهم إلى الموت .
لقد كان ممكناً أن أكون واحداً من هؤلاء الأبرياء لولا حرص والدي الكبير على أن لا اخرج من البيت ، ولولا موت أخي الذي مثل مناسبة لي كي لا أخرج من البيت ، وفي اليومين اللاحقين لحادثة أخي سلمان دخلت على بيتنا مجموعة من عناصر الجيش لكي تفتش عن الأسلحة أو ما شابه ، ولكنهم احترموا بيتنا لسببين : وفاة أحد أفراد الأسرة ومكتبتي الكبيرة التي كانت تتوسط غرفة الاستقبال، حيث لم تكن أكثر بيوت الحي العسكري لتضم في غرفها المكتبات بل الحيوانات، المهم، دخل الجنود وخرجوا بهدوء ..
ومن المضحكات المبكيات في ذلك النهار أن أبي لمح الجنود يدخلون على بيوت الجيران بحثاً عن السلاح فأسرع ليخفي (حربة) من مخلفات الجيش الشعبي عندما كان أخوتي يجبرون على الالتحاق بقواطعها والذهاب إلى الجبهات في الحرب العراقية الإيرانية، ورمى الحربة، بعد جهد جهيد لإخفائها، في (منهول المجاري الرئيس للبيت!) وظل يتراجف حتى خرج الجنود من البيت فاستدار جهتي مبتهجاً وهو يقول: أن كتبك قد أنقذتنا من الهلاك!.
وفي جولاتهم التفتيشية تلك ألقوا القبض على المئات من المواطنين، كما اكتشفوا العديد من المخابئ وفيها كميات كبيرة جداً من الأسلحة والأعتدة كان المنتفضون قد استولوا عليها من فلول الجيش المهزوم في حرب تحرير الكويت، وبعد شهور اشترت الحكومة من الناس كميات أكبر من الأسلحة والأعتدة وبضمنها دبابات ومروحيات (سمتيات) ومقاومات أرضية وغيرها من قطع السلاح الثقيلة ، في مهرجان لبيع الأسلحة قل نظيره في العالم ولا يمكن تصوره بأية حال من الأحوال!، حيث انتشرت (بسطيات الأسلحة) في عموم المدينة وبالذات أمام مبنى محافظة ميسان ، أما الباعة فكانوا من الرجال والنساء والأطفال والشباب على حد سواء ، وكانت صفقات الأسلحة الثقيلة تتم خارج البسطيات وبوساطة شيوخ عشائر ومتنفذين ومسؤولين في السلطة والحزب . وقد انتشرت في المدينة إشاعات عديدة عن قيام فلان بدفن كمية كبيرة من البنادق والذخيرة في الموقع الفلاني ، ومنها ما حدثني به جار لنا من إنه رأى شخصاً يدفن كمية كبيرة من الأسلحة الخفيفة في دار قريبة من بيتنا وطلب مني أن أشاركه في الغنيمة ! ، بالطبع رفضت ذلك بحدة بسبب من تربيتي التي ما كانت تسمح لي بمثل ذلك ، ولا أدري هل قام جارنا المحترم باستخراج الأسلحة من قبرها وبيعها أو أن الأمر لم يكن يعدو بالنسبة له غير حلم سخيف بالثراء ، ما دامت الحكومة توزع أموالاً جيدة لباعة الأسلحة، آنذاك؟!.
ولم يقتصر البيع والشراء على تلك الأسلحة التي انتشرت في شوارع المدينة بعد عودة الجيش من غزوته الخائبة بل امتد ليشمل المعسكرات النظامية للجيش التي لم تشترك في الحرب حيث قام المئات من الضباط والجنود بتسريب أسلحة وأعتدة تلك المعسكرات الضخمة إلى الباعة في المدن العراقية مقتسمين الأرباح معهم .. الحكومة كانت سخية جداً في الدفع للباعة دون أن تسألهم من أين أتوا بكل هذا السلاح فالمهم عندها ، على ما يبدو ، جمع قطع السلاح الكثيرة من أيادي الأهالي ، إلا أن العجيب حقاً هو أن الحكومة ذاتها كثيراً ما كانت تعمل على توزيع السلاح للمواطنين ، وبعد أن جمعت السلاح عام 1991 من المواطنين بمال الدولة عادت ووزعت عشرات الآلاف من قطع السلاح في الأعوام التالية على المواطنين بتسمياتهم الرسمية : الجيش ، دوائر الأمن المختلفة من أمن عامة وشرطة ومخابرات وأمن خاص وأفواج طوارىء وحرس خاص وحرس جمهوري وفدائيين وما إلى ذلك من أجهزة ( أمنية ) تتناسل في العراق وباستمرار .. كما وزعت السلاح من جديد على أفراد العشائر في مختلف مدن العراق ، وخاصة عندما يستجد أمر ما .. ولا أظن أن الحكومة قادرة من جديد على شراء كل تلك الأسلحة التي وزعتها برغبتها وإرادتها بعد أن استخدمت ضدها في مناسبات عديدة ! . لم يكن مهرجان شراء الدولة لأسلحتها من المواطنين مهرجاناً مألوفاً، ولكنه حدث ليعبر من جديد على محنة العراق، تلك المحنة التي تزدحم فصولها بالغرائبية العالية .
(18)
لا أدري كيف وصلت إلى الحلة في الشهر الخامس من ذلك العام الملعون، كان أخي الكبر عبد الرحمن يعمل هناك وقد طلب مني الوالد أن أذهب إلى الحلة قبل أن أصل إلى بغداد لعودة أخي وعائلته، وهكذا وجدتني أنطلق من العمارة إلى الحلة عبر أحد الطرق التي كانت قبل اليوم من أجمل الطرق، من العمارة إلى الكوت ومن الكوت إلى الحلة عبر طريق النعمانية، ولقد كانت أشجار النخيل تحيط بجانبي الطريق حتى الحلة مما يجعل المسافر يتمتع بتلك المناظر الطبيعية الخلابة، وكم قطعت شخصياً هذا الطريق برفقة والدي عبر باصات الريم الشهيرة في العراق أو مع واحد من أخوتي، وبالأخص عبد الله، أو مع عبد الرحمن في سيارته حيث بإمكاننا أن نقف عند ترعة ماء للراحة وتجد أطفاله من حولنا يلعبون ويلهون بالماء الجاري حتى إذا ما ارتحنا وأكلنا عدنا للسيارة لنواصل المسير، فأخي عبد الرحمن كان قد انتقل للعمل في الحلة قبل هذا التاريخ بسنوات واصبح يمثل لنا مركزأ لابد من زيارته، خاصة عندما يذهب أحد أفراد العائلة لزيارة المراقد المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء، أما أنا فعلي زيارته باستمرار بسبب قرب الحلة من بغداد حيث ما زلت أواصل الدراسة، ولكن الطريق الذي أتحدث عنه لا أمر من خلاله إلا إذا كنت قادماً من العمارة أو عائداً من الحلة إليها.
المهم في رحلتي بعد عاصفة الصحراء وأيام انتفاضة آذار ما شاهدته من اختفاء تام لبساتين النخيل التي كانت تحيط بالشارع مما جعلني في حالة ذهول، ولقد كان سؤالي الأول لأخي عنها فقال أنهم قد قاموا بقطعها عندما كانوا في طريقهم إلى الحلة لإخماد انتفاضة أهلها، حيث توقعوا أن تعيق الأشجار، بكثافتها اللافتة في تلك المنطقة، القوات النظامية وهي تحث الخطى في تعقب المنتفضين، والذين من المؤكد أنهم كانوا سيختبئون بينها ويقيمون خلالها المصا ئد لمن يتعقبهم، وهكذا قامت تلك القوات الضخمة بعملية مرعبة لتقطيع أوصال غابات النخيل الجميلة، وقد قيل أن مهندس تلك العملية كان الفريق الركن طالع خليل رحيم الدوري الذي أوكلت إليه مهمة (تطهير مدينة الحلة من الغوغاء) فأتم مهمته، كما يبدو، على أكمل وجه عندما بدأها بإعدام النخيل، ولك أن تتصور ما حل بالبشر في تلك المدينة الجميلة!!.
أخذني أخي بسيارته في جولة في المدينة، ثم أخذني، كما كان يفعل دائماً، برحلة قريبة إلى كربلاء، ولقد شاهدت في الجولتين العجب العجاب من حيث كمية الخراب بالرغم من أن الأحداث كان قد مر عليها أسابيع طويلة. في كربلاء مازالت عناصر الجيش والأمن والمخابرات تنتشر في شوارع المدينة بأسلحتهم الثقيلة والخفيفة، وقد خاف أخي، على طريقة والدي، عليّ من تلك المظاهر ولم يرد لي أن أنزل معه لزيارة سيد الشهداء الحسين أبن علي عليه السلام وزيارة أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام معتقداً أن الحرس المنتشرين هنا وهناك سيعتقلونني، ولكنني كنت أريد حقاً تلك الزيارة التي أعدها بمثابة تطهير كامل للروح من آثامها، وهي كثيرة، فنزلت معه ولم أتعرض لأي شيء لأن أبواب الإمامين كانت مغلقة بوجوه الزوار بأمر من السلطات، وهكذا عدنا أدراجنا بسلام وأمان، ولكن مظاهر الخراب تلك ظلت عالقة في ذهني، ولقد حكى لي صديق من أهالي الحلة التقيته مصادفة فيها قصصاً كثيرة عن صنوف العذاب والتنكيل التي شهدتها الحلة وكر بلاء وأبناءهما عند دخول القوات النظامية المدينتين، وهو عذاب وتنكيل يطابق ما كنت رأيته أو سمعت به في العمارة، لقد كانت خطة الجيش النظامي الذي ذهب إلى المدن العراقية المنتفضة تقوم على الإبادة، ولم يكن ما حصل في تلك المدن غير الإبادة!!.
لم أستطع البقاء أكثر من يوم واحد في الحلة، فلقد كنت مهزوماً من خراب العمارة لأجد نفسي من جديد بازاء خرابين!، فقررت الهروب إلى بغداد، ولكن: كيف الوصول إليها؟ انتظرت في كراج الحلة أي سيارة توصلني ولم تتوفر غير واحدة: سيارة حمل كبيرة ويجلس الناس، أو يقفون، في حوضها المكشوف، ولم لا؟ ألم أصل إلى الحلة بذات الطريقة؟ والطريق من العمارة إلى الحلة ليس بطول الطريق منها إلى بغداد فالمسافة أقصر كثيراً، صعدت السيارة ودفعت أجرتي مقدماً مثل الآخرين، وانطلقنا في رحلتنا التي شهدت توقفات كثيرة بسبب كثرة السيطرات على الطريق ولكن أقساها كانت على مدخل بغداد حيث قام الحراس بإنزالنا وتفتيشنا واحداً واحداً وكنت أكثرهم عرضة للاستجواب لأسباب كثيرة من وجهة نظر هؤلاء الحراس، ومنها: لماذا أرتدي اللون الأسود؟، أنا من سكنة العمارة كما تقول وثائقي فماذا أفعل في الحلة؟، ولماذا أذهب إلى بغداد عن طريق الحلة؟ ولماذا لم ألتحق بكليتي إذا كنت طالباً كما تقول إحدى وثائقي؟ لماذا أطلقت لحيتي؟ الخ.. وبعد كل تلك الأسئلة الاحترازية! سمح الحراس لي بالمرور ومررت سالماً إلى بغداد..
إيه بغداد، أي حنين جارف يشدني إليك أنا المحمل بأطنان من القهر والعذاب، وكأنني ما عشت في أزقتك المبتلاة بالحنين ولا صافحت فجورك وطهرك على حد سواء؟؟!!.
(19)
الله يا رياض أحمد،
كم كنت محتاجاً إليك.
بعيد حرب الخليج الثانية كنا، أنا وصديقي عصام حسين، جالسين على حافة الرصيف نأكل الساندويتشات في الباب المعظم مساءً، وكان عشاؤنا، عندما غنى رياض (مرة ومرة) من إذاعة بغداد والتي كان المطعم يلتقطها، وانتبهت لعصام وقد تغير لونه، سألته: ما بك؟، قال اسمع! ! وسمعت كما لم أسمع رياض من قبل، كان عصام عاشقاً من طراز نادر، وهو أبن مدينتي وقد دخل الأكاديمية قبلي، ولكنه تورط في قصة حب كلفته مستقبله، كما أعتقد، سافر بعد تخرجه إلى عمان ومنها إلى ليبيا ومنها إلى موسكو ثم عاد إلى ليبيا ومنها ثانية إلى السويد!!، كان ينتظر عصام مستقبل جيد في المسرح فهو ممثل ومخرج لكنه آثر الرحيل بعد فشل تلك القصة، أما من ركز رياض في ذاكرتي فكانوا (سواق الباصات، المنشآت) على طريق العمارة – بغداد، والذين كانوا يجلدون الركاب بأذواقهم المتردية في الغناء، إلا أن مطلع التسعينيات قد شهد انتباهاً غير مسبوق لصوت وأغاني رياض أحمد لا أدري لماذا، فكنت أستمع – مجبراً – لأغاني (أبو طيبة) كلما رحلت إلى العمارة أو قدمت منها حتى أدمنته، صحيح أن رياض مطرب سبعيني له أغانيه وجمهوره، ولكن الصحيح أيضاً أن مجايليه من المطربين قد تمكنوا من تحييده، خاصة سعدون جابر وياس خضر وحسين نعمة، ولكنه حقق نجومية غير مسبوقة انطلاقاً من أول التسعينيات حتى توفي في عام 1997 مبكراً، عندما كان في أوج نجوميته المتأخرة.
رياض أحمد كان أنيسي في الليالي التي أعقبت الحرب، وقد قلت لصاحبي ضياء أحمد بضرورة أن يستمع إليه واستمع فعلاً فما كان منه إلا أن يحول شريطه إلى أستاذنا وصديقنا شفيق المهدي الذي هام به، وقد أصبح هذا الشريط، والذي يغني فيه شعراً لمظفر النواب يقول فيه (تعلل فالهوى علل وصادف أنه ثمل) شريط الموسم، وبعدها أدمنت رياض الذي كان يسحرني بنواحه، خاصة وأنه مثل امتداداً حقيقياً لجيل من المطربين الكبار وعلى رأسهم الراحل داخل حسن وهكذا أمضيت الليالي في الاستماع لرياض، ولكنه غاب!، حاله حال الأشياء الجميلة التي تغيب عنا فجأة وبلا مقدمات فتجعلنا نعيش مبكراً في الذكريات.
يقول رياض بأنين مر لا يفهمه إلا المجانين، وعلى رأسهم الشاعر كاظم غيلان:
غصبن عليها الروح جابتني أشوفك
كثر عليها اللوم بلكن تعوفك
لماذا مات رياض قبل أوانه؟ لقد كان كثير الشرب حتى خلته يريد أن ينتحر، فهل كان يريد الانتحار حقاًُ؟
مجرد كلام..
الحديث عن رياض أحمد هنا هو حديث عن مواسم جلد الذات الذي يدمنه العراقيون منذ آلاف السنين، ولعل سر نجوميته المتأخرة يعود لذلك، فلقد كنا في التسعينيات بحاجة ماسة لمثل هذا الجلد، وسوف تجيء علينا أيام في العقد ذاته ندمن فيها سماع المناحات والعزاءات الحسينية كما لو كانت جديدة علينا!.
كنا نحمل مشاعر متناقضة بين الكره والندم والخوف والتحدي والرغبة بالتغيير، مشاعر باغتتنا على حين غفلة بعد حجم الخراب الذي عشناه في حرب الخليج الثانية ولم نكن راغبين به، نحن الذين بالكاد بدأنا نلتقط أنفاسنا بعد حرب الخليج الأولى. الشوارع مثلاً امتلأت بالذين يمشون وهم يحدثون أنفسهم، وزاد هزال الأجساد فيما بدأ الشعراء بالتساقط واحداً بعد الآخر، كثرت الهجرة من الوطن وكثر القمع وأصبح اليوم العراقي ثقيلاً لدرجة لا تصدق، في تلك الأيام، وبالتحديد ابتداءً من العام 1992 التحقت بالخدمة العسكرية بعد تخرجي من الكلية، وقد خدمت في ثلاثة مواقع هي: مركز التدريب ثم مدرسة الشؤون الإدارية وأخيراً معهد اللغات العسكري، وفي هذا الموقع الأخير كان الآمر يجمعنا يومياً، جنوداً وضباط، لكي نقوم بتنظيف حدائق المعسكر وفق ما يسمى (بحش النباتات البرية من أشواك وما شابه)، كانت رتبة الآمر عميد وحاصل على ماجستير لغة إنجليزية ومع ذلك فشغله الشاغل: الحش!!، أما نحن الجنود فلم نكن نملك غير التنفيذ ولكن عجبي على ضباط المعهد، وكانوا يحملون رتباً عالية لا تقل عن رتبة نقيب، حيث كانوا يتسابقون لتنفيذ أوامر السيد الآمر، وقد أسرني أكثر من واحد منهم بأنهم يرضخون لمثل تلك الأوامر المذلة لأنهم لا يريدون أن ينقلهم آمر الوحدة إلى وحدة أخرى قد تكون في مناطق نائية!!، هذا هو حال ضباط الجيش العراقي بعد حرب الخليج الثانية، ولقد شاهدت بعض هؤلاء الضباط يتوسلون بقائهم في بغداد توسلاً يفقدهم لا كرامتهم فقط وإنما رجولتهم أيضاً.. وبعد ذلك، كيف لا يصبح النواح هو سيد الموقف؟ فإلى من تشتكي همك وقلة حيلتك ووحشة الطريق من حولك؟، سبحانك يارب بكل الأشياء رضيت سوى الذل!، على حد تعبير النواب..
(20)
ذهبت إلى دار أختي الكبيرة أم حسين على دراجة هوائية، وكان بيتهم يقع إلى الجهة الثانية من نهر دجلة، واستقبلتني استقبالاً حافلاً، إذ ليس من السهل التنقل في تلك الأيام، مكثت عندها ساعات قليلة ثم هممت بالعودة إلى دارنا كي لا أشغل الوالد والوالدة عليّ، وفي الطريق إلى البيت مررت على وسط المدينة لأجد العديد من الأصدقاء وقد تمنطقوا أسلحتهم الخفيفة باعتبارهم من الثوار، وفي مكان آخر شاهدت قبالة أحد المنازل ضجة وازدحاماً، سألت عن ما يجري فقيل لي أنهم يبحثون عن ضابط في الأمن أنقذه من الموت شخص أعرفه، وأسمه كريم ، حيث خاطب المتجمهرين بخطأ مسعاهم ما داموا ثواراً كما يقولون، فالتسامح يجب أن يكون قاعدة للمجتمع الجديد بعد خلاصه من النظام الحاكم، وضرب لهم مثلاً بنفسه، وكان من المعروفين بتدينهم وله عم اعتقل عام 1979 على خلفية اتهامه بالانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامي وكانت الناس تكن لهم كل الاحترام ولهذا نجح في إنقاذ ضابط الأمن المهدور دمه في مثل تلك الأيام، لقد قتل بالفعل بعض الحزبيين وضباط الأمن بيد الثوار، ومنهم رفيق، أضنه كان عضو شعبة، يدعى الرفيق أحمد.. كان عائداً من بغداد عندما استوقفته مفرزة فيها عدد من المسلحين عند مدخل المدينة.. ولأن مشهد المفارز هذا عادي جداً في العراق، وخاصة بالنسبة للمسؤولين عن مثل هذه المفارز، وكان الرفيق أحمد أحدهم، فقد قال بلهجة متعالية للمسلحين: من أنتم وكيف تستوقفون سيارتي، ألا تعرفون من أنا؟. فوجئ الجميع وسألوه: من أنت؟!.. فقال لهم بفخر: أنا الرفيق أحمد.. وهنا أنزله المسلحون من سيارته وقالوا له: وأخيراً عثرنا عليك.. وبعدها فتحوا نيران بنادقهم عليه ومثلوا بجثته التي تركوها في العراء لأكثر من يوم وليلة.
إلا أن أطرف القصص الواقعية التي يرويها أبناء المدينة بهذا الخصوص ما حدث لأحد أعضاء قيادة فرع ميسان للحزب، وكان لقبه العزي، وأعتقد أن أسمه نزار، فبعد أن سيطر المنتفضون على المدينة توجه عدد منهم إلى دور أعضاء قيادة فرع ميسان للحزب الحاكم، وكانت هذه الدور تقع على الجانب الثاني من شارع دجلة، على شمالها بناية قيادة فرع الحزب وعلى يمينها بناية الاتحاد العام لنساء ميسان وخلفها تقع بناية المخابرات وبناية الأمن العامة الجديدة، كانت هذه الدور أنيقة جداً ومحمية حماية صارمة فلا يسمح بالمرور للسابلة في الشارع الذي هو من أجمل شوارع المدينة. ذهب المنتفضون إلى هذا الحي فلم يجدوا أحداً في تلك الدور ولا في مقر القيادة ولا في المخابرات أو الأمن أو حتى اتحاد النساء!، كان الرفيق العزي قد استقل سيارته الحديثة، كما استقل الرفاق الآخرون سياراتهم وهربوا هم وعوائلهم إلى بغداد في الليلة الفائتة التي بدأت فيها الانتفاضة، إلا أن الرفيق العزي سبقهم بفكرة خيالية ستمنحه فيما بعد منزلة ومنصباً عند الرئيس، لقد قام هذا الرفيق بتوجيه بندقيته إلى أخمص قدمه وأطلق الرصاص، وهناك، في بغداد، قال متفاخراً: إنه قاوم الغوغاء بسلاحه الشخصي، فنالته رصاصة غادرة من أحدهم.
واللافت هنا أن أول ما فكر المنتفضون في الانتقام منه لم يكن الحزبيين وعناصر الأمن والمخابرات كما يعتقد الكثيرون، لقد توجه المنتفضون في يوم انتفاضتهم الأول إلى جداريات الرئيس الكثيرة التي كانت، وما تزال، منتشرة في أرجاء المدينة، والعراق عموماً. جداريات بأشكال وأحجام مختلفة تنتصب في الشوارع وواجهات المؤسسات الحكومية والأهلية تظهر الرئيس بأشكال وأزياء مختلفة.. توجهت جموع الناس إلى هذه الجداريات وشوهتها بما تيسر لها من رصاص أو طين أو قاذورات، وصارت صور الرئيس هذه شاهداً حقيقياً على كره الناس لصاحب الصورة، الصورة التي عنت لهم أكثر من أي شيء آخر في المدينة فحاولوا جهدهم الانتقام منها.. وقد عرفت فيما بعد أن تخريب جداريات الرئيس كان عاماً في المدن التي انتفضت عام 1991 بلا استثناء. بل أن السنوات التي أعقبت الانتفاضة شهدت حالات عديدة استهدفت فيها تلك الصور، حتى قرر المسؤولون في العراق وضع مفارز نجدة وأمن بالقرب من الجداريات الكبيرة والمهمة في بغداد والمحافظات. لقد وقفت أمام تلك الصور المخربة وتأملتها كثيراً: كانت هذه الصور أبشع ما يشاهده المرء في وطنه و ها هي تتحول إلى كومة زبالة.
تركت المكان وعدت إلى البيت حيث حكيت لأهلي ما شاهدته في المدينة ، ونهاني الوالد كعادته من الخروج مرة ثانية، ولكنني خرجت.
(21)
لم يكن في البيت غيري وأبي وأمي وثلاثة أخوات، فأخوتي الآخرون كانوا أما متزوجين ويسكنون بيوتاً منفصلة عنا أو جنوداً مثل عبد الله، ولقد مر عبد الله بنا قبل انتهاء العمليات العسكرية منقولاً من البصرة إلى منطقة تسمى ( h 3 )، وقد كان كاتباً (إدارياً) لأنه بالمصطلح العسكري (غير مسلح) بسبب ضعف نظره، وهو يكبرني بخمس سنوات وكنا كالأصدقاء بالرغم من أنه لم يكن ليرضى على الكثير من تصرفاتي، خاصة وأنه ملتزم دينياً وإن لم يكن على شكل انغلاق سلبي كما هو الحال مع الكثير من أقرانه، وقد قلقنا عليه كثيراً حيث كانت تلك المنطقة مركزاً لانطلاق الصواريخ بعيدة المدى (سكود) وكانت معرضة باستمرار لنيران طائرات الحلفاء كما كنا نسمع في الأخبار، وبالفعل، فقد روى عبد الله قصصاً عن موت قريب جنبه الله إياه في تلك الأيام، وعندما انتهت الحرب وجاء أخي عبد الرحمن للاطمئنان علينا أخبره أحد أبناء المدينة ممن التقاهم في كراج العمارة بأن في بيتنا عزاء، فتوقع أن عبد الله قد قتل في الحرب فوصل إلى بيتنا البعيد نسبياً عن الكراج مشياً على الأقدام وهو يبكي حتى وصل دارنا وعرف بقصة العزاء الحقيقية، وبكى هذه المرة بكاءً مراً أمام أهله وأحبابه، وسيتكرر هذا المشهد على ناظري عندما يصل عبد الله مجازاً ليرى ما حدث لأهله في غيابه.
في البيت كنت أقضي أغلب الأوقات في القراءة وفي مساعدة أمي وأخواتي في أمور المنزل، مثل إشعال النار لتحضير الخبز، والعملية هذه ليست كما كنا نفعل في الأيام الماضية حيث تحضر أمي الخبز بتنور الطين، فقد اختلف الأمر مع ظروف الجوع التي نعيشها، كانت أمي تخبز لنا على نار هادئة وصغيرة في موقد صغير عليه قطعة دائرية من الحديد تسخن جيداً ثم يصب عليها سائل الطحين فيستوي بعد دقائق قليلة ويجهز للأكل، وهي طريقة تشبه طريقة تحضير خبز (السياح) الذي يجيد الجنوبيون في العراق عمله، إلا أن السياح كان يحضر بطحين الرز، وفي ظروفنا الصعبة كان الرز نادراً وليس طحينه، فاستخدمت أمي طريقة خبز السياح لتخبز لنا خبزاً عادياً،كان يدعى (الرصاع) ويحضر بلا تنور طين كبير، الاقتصاد بالحطب والمواد الأولية للخبز كان هو الهدف.. كنت أضع الأوراق اليابسة تحت القطعة الدائرية بسرور بالغ وأنا أرى النهار تلتهمها فيصير لونها مميزاً، وكنت أدخن في هذه الأثناء سيجارة لف أو أكثر مستمتعاً بأحاديث أمي المحببة إلى نفسي. وكانت مهمة مليء الفوانيس والصوبات بالنفط مهمة أخرى أشغل بها أوقاتي بالرغم من أن والدي قد عودنا في الشتاء أن يقوم بنفسه على تلك المهمة كما كان يقوم في الصيف بمهمة إدامة المبردة، ولكني كنت أبحث عن أي شيء يشغلني. أما أبي فكان يرتفع صوته في كل صلاة مما يدخل البيت في جو ملائكي لا يستوجب غير الصمت والإصغاء، ثم تبدأ مع المساء رحلة البحث عن إذاعة منصفة تحكي لنا حقيقة ما يجري في العراق وحوله، لأعود بعدها إلى الكتاب،كما كنت أشغل نفسي بلف السجائر على قلم رصاص، حيث اعتدت في كل مرة أنزل فيها لسوق العمارة الكبير أن أشتري دفترين أو ثلاثة دفاتر لف ونصف كيلو غران من التتن بسبب ارتفاع أثمان السجائر، وكنا أنا وأمي ندخن كثيراً، يشاركنا أخي فيصل طقوس التدخين إذا ما مر على بيتنا، وكان كثير المرور بسبب قرب دارهم علينا، وللف أصول كما عرفت، بل أن التجار والحرفيين أنزلوا إلى السوق ماكينة صغيرة للف السجائر بسرعة وإتقان خاصة وأن أغلب المدخنين تحولوا في تلك الأيام إلى اللف، وكنت وأمي نجند كل من يزورنا للمساعدة باللف، وخاصة أولاد أختي أم حسين، حسين وأموري وأكرم، ثم نضع ما قمنا بلفه من سجائر في علب السجائر المعروفة كي لا تتكسر، وعند نزولي إلى المدينة آخذ معي بعضها وهناك أشتري سجارة أو سجارتين أدخنهما على مهل وبحرص، كانت ظاهرة بيع السجائر بالمفرد قد ظهرت للتو وكنا قبلها نحمل علب دخاننا في جيوبنا ونقدم منه لأصدقائنا وضيوفنا، أما الآن فأصبحت السجائر غالية ولهذا لم نكن قادرين على شراء علبة كاملة بل أن سيجارة واحدة صارت أعز من أن نعزم عليها، وهكذا اشتهر بيت الشعر الشعبي الشهير لمظفر النواب حيث يقول: أيام المزبن كضن، تكضن يا أيام اللف.
في أيام أخرى كنت أنزل إلى المدينة لألتقي ببعض الصحب. والعجيب في ذلك كله اعتياد الناس على الموت، أو أنهم كانوا يتمنونه في دواخلهم، أو لنقل أن الحياة أصبحت مملة للدرجة التي يتعايش فيها الفرد مع موته الذي لا يبعد عنه سوى بضعة ثوان، هل كان الناس خائفون؟ ربما، ولكنهم قطعاً لم يكونوا سعداء بهذه الحرب الخاسرة والتي لم تكن تحمل في نفوسهم أي معنى على الإطلاق، ماذا يفعلون إذن غير انتظار حتفهم؟ ولما حانت تلك اللحظة التاريخية لكي يثأروا لكرامتهم لم يقصروا أبداً، ولهذا السبب كان رجال الانتفاضة من البسطاء الذين انهكتهم أعوام النظام الماضية التي جرب فيها كل شيء من أجل إذلال العراقيين.
(22)
جربت كل شيء من أجل أن أتعود على النوم المبكر ولم أفلح، وجاءت الحرب لتعطيني مبررات مضافة لكي أسهر!، فطائرات الحلفاء لم يكن يطيب لها القصف إلا مساءً، بالأحرى ليلاً، وهكذا كان الجميع يسهر إلى أن تنتهي نوبات عمل تلك الطائرات ليتسنى لهم النوم بهدوء، فلماذا أشذ عن الجميع.
كانت الليلة التي يبيت فيها عندنا واحد من المعارف، أبناء أختي أم حسين مثلاً أو اخوتي غازي وفيصل وعوائلهم، تمثل للأهل فرصة جيدة لكي يطلقوا العنان للقصص والحكايا، أما أنا فأنشغل تارة بالقراءة وتارة بأحاديثهم الجميلة، وأبرزها حديثان : الوالد عن أربعينيات القرن، والوالدة عن أهلها في جزيرة سيد نور، وبالطبع علينا أن نكون مستمعين من طراز خاص، وبالذات مع قصص الوالد.
أولاد الأخت أم حسين وأخوتي غازي وفيصل كانوا يزرعون الحركة في بيتنا، وكان الكبار منهم، خاصة أموري وعلاوي يحرصون على استشارتي في قراءة رواية هنا وكتاب هناك، وكنت أفرح بهما كثيراً، خاصة وأنني أحتفظ بكتب مختلفة في مكتبتي الصغيرة، ومنها كتب روايات الفتيان كما كانت تسمى حينها، وهي سلسلة من روائع الروايات العالمية ولكن بلغة مبسطة كانت تصدرها إحدى دور النشر المحلية.
الأرق لازمني دائماً، وفي كل الأحوال حتى عندما أكون متعباً لسبب ما، وفي أيام خدمتي العسكرية في معهد اللغات كنت أعود إلى (فندق عدنان الحديث) للمبيت، وكان شريكي في الغرفة، الفنان ناجي عبد الأمير، يلح عليّ في ضرورة أن أنام مبكراً لأصحو مبكراً فلا أتخلف عن الالتحاق بوحدتي، وكان ناجي يصحو من نومه مبكراً لكي يوقظني من غفوتي ويعود إلى نومه!. كنت أسهر بالرغم من حملات قص الحشائش الإجبارية اليومية التي يفرضها علينا، جنوداً وضباطاً، السيد آمر الوحدة والتي أنهكتني طيلة أكثر من ست شهور هي مدة خدمتي في تلك الوحدة في معسكر الرشيد.
كنت أخرج من غرف البيت إلى الحديقة كلما شعرت بالاختناق، وفي الحديقة أجول ببصري متطلعاً إلى السماء، لا يعقل أن تكون السماء ظالمة ، فلماذا إذن ما يجري وهو بعلمها؟ أدخن سيجارتي ويلسعني البرد فأرجع إلى الغرفة لأتدفأ بنار الصوبة النفطية أو نار الحطب التي تعدها أمي باستمرار. وأظل على هذه الحال، بين الكتاب والسيجارة، حتى تلوح تباشير الصباح وتقلع الطائرات عن عادتها السيئة بالأزيز، فأنام.
في البيت كانوا معتادين على عادتي في السهر، خاصة عندما حصلت مشكلة كبيرة بسبب ذلك ذات يوم. كنت في الغرفة أقرأ في كتاب، رواية أو شعر أو مسرحية.. لا أذكر، وكنت حينها طالباً في الثانوية، وعادة أهلي في الصيف النوم فوق السطوح، كان الجميع ينعم بنومه وعندما حانت صلاة الفجر نزل والدي للوضوء ووجدني ممسكاً بكتاب وأقرأ، فصعد على الفور إلى السطح وهو يصرخ بوجه أمي:
- الولد مكمل في دروسه، لماذا لم يخبرني أحد بذلك؟
استغرب جميع من صحا على صوت والدي فقد كنت وقتها ناجحاً وغير مكمل، ولكنه أضاف غاضباً:
- وجدته يقرأ دروسه خفية عنا لكي لا ندري فنعاقبه.
وبالطبع فقد بذلت جهوداً مضنية لإقناعه بعكس ذلك، وساعدني أن أبي يقرأ ويكتب، حيث قرأ نتيجتي في الامتحان مرة أخرى وسأل أخوتي عن صحة كلامي ونصحني بأن أقرأ ما أريد في النهار.
لقد تسنى لي أن أعيش في جو عائلي يشجع على القراءة أكثر من أي شيء آخر، ولا زلت أذكر كيف أن أقراني، في طفولتي، يلعبون في الشارع ولا أملك غير أن أتفرج عليهم من سطح الدار حيث أقوم بمراجعة دروسي. كان اخوتي يقرأون أيضاً، وبسبب من اختلاف اختصاصاتهم الأكاديمية فقد تمكنت من قراءة بعض كتبهم في القانون والفنون والتاريخ، وهذه هي اختصاصاتهم.
آخر يوم في الحرب شن الحلفاء هجوماً عشوائياً، وألقوا على مدينتنا ما يسمى بالحاويات، وهي قنابل تنفجر فتتحول إلى قنابل صغيرة سرعان ما تنفجر هي الأخرى، أردت الخروج لاكتشاف ما يجري، خاصة وأن بعضها سقط في الحي العسكري ودمر بعض المنازل فقتل من فيها، إلا أن والدي، وكعادته، منعني من الخروج مؤكداً أن لا أمان خارج البيت. واستمر الأمر حتى ساعة مبكرة من صبيحة اليوم التالي الذي توقفت فيه فعلياً طلعات طائرات الحلفاء حيث انتهت الحرب بقبول الرئيس العراقي كل شروط الحلفاء فيما عرف بخيمة صفوان.
عرفت في الليل أشياء كثيرة، أهمها الشعر، لا أدري كيف ارتبط الموضوعان ببعضهما عندي بهذه الطريقة، كان تعرفي الأول على الشعر قد حصل في الليل، يومها عرفت المعنى الحقيقي لليل، إنه سبات للكائنات وعزلة للشعراء، وفيما بعد عرفت أن أغلب شعراء المعمورة يفضلون الليل على النهار، النهار وحشة والليل ألفة، والنهار فوضى والليل رفقة، النهار جوع وحاجة والليل ترف وسلطة… النهار حقيقة والليل وهم، وهم جميل.
(23)
لست منحازاً لأبي لأنه أبي، ولكنني أكتشف الآن وأنا أعيش بعيداً عنه منذ سنوات أن شخصيته كانت مميزة حقاً، صرامته أتاحت لي ولأخوتي فرصة أن نواصل اجتهادنا في التعليم والحياة أيضاً.. شخصياً أدين له بالكثير، حياتي التي اقتربت من حافتها أيام الانتفاضة وما بعدها لولا تدخله الصارم في منعي من هذا الأمر أو ذاك.
في أسابيع الضربات الجوية للحلفاء على مدينتنا ووطننا أجمع كان الراديو لا يفارق أبي مع حرص استثنائي على حياتنا، أنا وأخوتي وأخواتي، لم يكن يخرج من البيت إلى نادراً، صحيح أن هذه هي عادته منذ تعرض لحادث اصطدام سيارته المروع والذي نجا منه بأعجوبة أواسط سبعينيات القرن الماضي، إلا أن البقاء في البيت بشكل مستمر أيام القصف الجوي كان مستحيلاً للكثير من المواطنين إلا هو الذي حرص على إشعارنا بالأمان بأن بقي طوال مدة الحرب في البيت.. كان أخوتي وأخواتي هم الذين يقومون بزيارتنا، كما كنت أقوم بزيارتهم مندوباً عن البيت الكبير.. لم أره يبكي أو يتذمر أو ينفعل أو ينزعج مما يحدث من حوله، هو الذي عرف عنه أنه لا يرضى على أي شيء، ولكن الظرف مختلف الآن، فعمره الكبير أتاح له أن يعاصر العديد من الأحداث الجسام في التاريخ العراقي الحديث، ولكنه كان يقول أن ما يحدث شيء جسيم، وكان يردد أيضاً ما تقوله الآية الكريمة (الظالم سيفي أنتقم به ومنه). على أن أبرز مواقفه في تلك الأيام رفضه القاطع لأي محاولة قد يقوم بها واحد من أفراد العائلة لشراء شيء من الحاجيات المسروقة من الكويت أيام الغزو والتي انتشرت بشكل ملحوظ في مدينتنا.. سيارات حديثة وأدوات منزلية وذهب وأجهزة كهربائية وأشياء أخرى كثيرة جداً سرقها الجيش الغازي بقيادة رؤوس كبيرة في السلطة من تلك الدولة الوادعة التي أسمها الكويت.. قال أبي بحزم أن تلك الحاجيات مسروقة، ولذلك حرم شرعاً شراؤها من أي بائع.. أكثر ما كان يجذب الناس السيارات، خاصة وأن أسعارها صارت رخيصة جداً.. وقد انتشرت السيارات الكويتية بأرقامها العراقية في شوارع العراق، كنا نعرفها من موديلاتها الحديثة وصناعتها الامريكية، فالسيارات العراقية كانت أغلب موديلاتها قديمة وصناعتها يابانية أو برازيلية.. العجيب أن هذه السيارات المسروقة لم تعمر في العراق، أغلبها تعرضت لحوادث الطرق، أبي كان يردد: لأنها مال حرام. الحكومة عادت وأرادت مصادرة تلك السيارات بعد انتهاء الحرب فباعها أصحابها الجدد مفككة إلى أجزاء ولم تجلب لهم حتى ما دفعوه ثمناً لها، لأنها مال حرام!. أعرف رجلاً في مدينتنا أخذ سيارته الكويتية وخبأها في مكان صحراوي ناء من المدينة لكي لا تصل لها أيادي الحكومة أو تجار الخردة الذين ازدهرت تجارتهم، وبعد أن هدأت العاصفة ذهب إلى المكان السري ولم يجد السيارة، فجن جنونه! وذهب نقوده هباء منثوراً.
تذكرني حادثة السيارات الكويتية بحادثة مشابهة، نسميها في العراق: سيارات الشهداء. ففي سنوات الحرب الأولى مع إيران وزعت الحكومة سيارات حديثة لعوائل الشهداء، وحصلت خلافات كبيرة بين أبناء تلك العوائل حول أحقية زوجة الشهيد بالسيارة أو أبنه أو أبيه أو أمه أو أخيه أو أخته.. وهكذا، وفي ظرف سنتين امتلأت الشوارع بسيارات الشهداء كما تكاثرت الحكايا حول المشاكل العائلية التي خلقتها، إلا أن اللافت في الأمر أن عدداً كبيراً من تلك السيارات قد تعرضت لحوادث سير مروعة، وقلما نجت واحدة من سيارات الشهداء تلك من الحوادث المرورية!! .. هذا الأمر دفع الناس للتعليق والتأكيد بأن تلك السيارات كانت منحوسة، خاصة وأنها كانت بمثابة الثمن الذي تتلقاه العائلة لبيعها أبنائها.. ولما طالت سنوات الحرب عدلت الحكومة عن إكراميتها تلك واستبدلتها بالنقود.
لقد أصر أبي أن لا يشتري واحد من أفراد العائلة سيارة من سيارات الشهداء لأنها منحوسة، ولم تقف مثل تلك السيارات أمام باب بيتنا أبداً رغم أننا امتلكنا أكثر من سيارة في تلك السنوات.
24
ليست مدينة العمارة سوى واحدة من أصغر المدن العراقية وأكثرها تعرضاً للأهمال على مدى سنوات طويلة.. يفخر أبي بصورة لا يظهر فيها! تظهر الملك غازي وهو يفتتح جسراً فيها، ويعلق أبي هذه الصورة على الداوم في صالة كل بيت سكنا فيه. أما صدام فزارها مراراً أيام الحرب مع إيران، وكانت أغلب زياراته سرية، أو بالأحرى زيارات لا تتقصد المدينة بعينها وإنما جبهات الحرب التي كانت العمارة من أقرب المدن إليها. على أنه ألقى خطاباً من على منصة المحافظةلم أفهم منه شيئاً أول استلامه السلطة، وأتذكر أن الرفاق الحزبيين حشدوا للقاء القائد حشوداً ضخمة من المواطنين، ولا أدري لماذا لم يعد إلى مخاطبة أهل المدينة بعد ذاك بالرغم من زياراته المتكررة لجبهات الحرب التي تكون العمارة ميدانها أو بوابتها!
أما أهم الأحياء في المدينة فهي: الجديدة، الماجدية، السراي، السرية، حي الصبة (الصابئة)، عواشة، الرسالة، العامل، العسكري، المعلمين (الجديد والقديم). قد ذكرت سابقاً أنني ولدت في محلة (الجديدة)، التي تقع وسط المدينة وعلى مقربة من نهر دجلة، حيث ألقت القابلة المأذونة (خضيرة) سري!.. كان أبي من أوائل من بنوا بيوتهم في الجديدة التي تميزت على الدوام بعوائلها المعروفة في عموم المدينة، ربما بسبب من موقعها.. وأبرز تلك العوائل عائلة السيد عكلة وأولاده وأخوته وأصهاره.. وهذه العائلة التي تتحدر من نسب الرسول الكريم كانت لها مواقفها المعروفة بين أهل المدينة. وللسيد عكلة أولاده المختلفون في كل شيء، وأكبرهم السيد نذيركبيره الذي كان مثالاً في الورع والبشاشة في آن، وقد دشن السيد نذير وأخوه السيد حميد محلاً للعطارة في أوائل الثمانينات، وعندما كنت تذهب إلى المحل للتبضع فإنك حتماً ستسمع من السيد نذير جملة تتحمل من التأويل مالا يحمد عقباه يعقبها بضحكة مجلجلة، ويبدو أنه ورث خفة الدم من والده الكبير، فيما أخوه محمود شرطي المرور لا يكاد يسلم من لسانه الفكه شخص أما حمدان فدرس الفنون الجميلة وتمتع على الدوام بحس إنساني عال ويبدو محمد أكثر أولاد السيد خروجاً على نمط حياة عائلة ملتزمة مثل عائلتهم ويشاركه أخوه الأصغر بدرجة ما الاختلاف ذاته، أما عائلة السيد نوري، أخو السيد عكلة، فتميز منها ولده البكر ضياء، الذي عمل مديراً لشرطة العمارة وصفاء الذي صار محامياً معروفاً فيها، فيما كنت ترى أخوهم الثالث سيد سعد يقتعد كرسيه دائماً ويخفي تحت مقعده عدداً من الكتب مختلفة الاتجاهات، وقد فقدت العائلة أحد أبنائها هو السيد صباح برصاصة مجهولة المصدر أيام الانتفاضة. ولأن الجديدة منطقة شعبية بامتياز فقد كنت ترى فيها وتسمع عن قصص أبطالها المختلفة والنادرة .. فهناك منزل الحاج (كريم أبو خنجرين)، وقد أخذ لقبه هذا من مشاركته، على ما يروى، في تظاهرة مؤيدة للزعيم عبد الكريم قاسم وكان يحمل في يديه خنجرين أثنين!، كان الحاج كريم أبو خنجرين والحاج رزوقي الوحيدان في المحلة اللذان يمتلكان شاحنة كبيرة لنقل البضائع، وكنت ترى الشاحنتين في أحد شوارع الحي باستمرار وتحتمها بقع الزيت الكبيرة! الأول ذهب ولده البكر سنوات طويلة أسيراً في جبهات الحرب العراقية الإيرانية فيما قتل ولد الثاني الذي كان يعيش ربيع عمره في حادث سيارة. ثمة أيضاً: سليم الشرطي و أبو غازي الشرطي، الأول كنت أشاهده ببزته الرسمية فيما الثاني لم أره فيها قط!، ولكنه كان يلقّب هكذا، وقد فتحت عينيّ عليه وهو يجلس في دكان قديم متهالك يحيط به أولاده وبناته. أما الحاج عبد هبسي فهو الآخر من شخصيات الحي المعروفة، وقد صار ولده البكر موسى مديراً عاماً لتربية ميسان قبل أن يقتل في حادث سيارة، فيما ذهب أخوه مالك، المعروف بذكاء خارق بلعبة الشطرنج، ضحية الحرب الأولى أيضاً. وبين منزل الحاج عبد هبسي والحاج رزوقي ثمة منزل العطار الحاج كاظم المعروف بقلة كلامه وثقة خطوته، وكان دكانه الذي كثيراً ما تناوب وأولاده على الجلوس فيه يقع قبالة محل خضروات الحاج أبو جلال. ثمة عوائل أخرى شهيرة في الحي مثل عائلة الحاج خماس الذي يعد واحداً من أمهر البنائين في العمارة أيام زمان، ويجاور منزلهم منزل عائلة تنحدر من أصول عشائرية معروفة وكانوا يسمّون بعائلة الضعيف. أما قبالتهم فيسكن زوجان كبيران في السن كنا ندعوهما أبو ستار وأم ستار فيما لم نر في يوم من الأيام ولدهما المزعوم هذا فهما، كما يعتقد أهل الحي قاطبة، مجرد عقيمان، ولطالما افترش الزوجان باب منزلهما، في ساعات المساء، خاصة، وبعد أن يعود الزوج الغريب من عمله (كان يعمل فراشاً في عيادة أحد أطباء المدينة)، أيضاً ثمة المقاول أبو خلود الذي سكن لفترة قبالة بيتنا في المنزل الذي كان يسكنه السيد جبار نعمة البطاط قبل أن ينتقل هذا الأخير إلى حي عواشه الثري، وخلف أبو خلود في المنزل موظف حكومي هو أبو علاء الذي كان قليلاً ما يختلط بأهل الحارة، وإلى جوار هذا المنزل سكن المدرس أبو نغم وزوجته التي فتحت فيما بعد واحدة من غرف البيت محلاً للحلاقة النسائية، وكانت تسكن في هذا البيت قبلهم عائلة العم عبد فريح وأبرز أبناءها محمد الأخرس، قبل أن تنتقل العائلة للسكن في العاصمة، وأتذكر أن زوجة العم عبد فريح كانت من القارئات الحسينيات المعتبرات (ملاية)، وتدعى الحاجة كلثوم.. أما خلف بيتنا فثمة بيت السيد جبار الموسوي، وبيت الخالة حتم، التي تزوج أخي غازي أبنتها الوحيدة، وعلى بعد خطوات من منزل الخالة حتم ثمة منزل أشهر(مطيرجية) الجديدة، وكانت أسراب طيوره الملونة من يوقظنا فجراً بحفيفها فوق الرؤوس ونحن ننام على أسطح المنازل... إلى جوار بيتنا سكنت عائلة كنت أسمع أقاويل الناس عن (شيوعية) هذه العائلة، وهي عائلة أبو افتخار، وقد انتقل السيد أبو افتخار بعائلته بعدما ضاق البيت عليهم إلى حي آخر.. وهناك أيضاً بيت عبد الرحمن درندش، كاتب العرائض الشهير، وكان له ولد من أشقياء المحلة يدعى (أبو الهيجا) سجنه النظام مرات عديدة على خلفيات مختلفه.. أما القصّابون فلهم في المحلة شارع يسكن فيه أكثرهم شهرة، وكثيراً ما كنت أرى المعارك التي تدور بينهم، بالطبع لأسباب أجهلها في سني الصغير ذاك، وإن كانت في تقديري لا تتعدى بقرة هنا وخروف هناكّ، وكانوا يستخدمون فيها أسلحتهم التقليدية من (قامة ،طبر ، سكين ألخ) ..وتبقى العمة (عفرة) من أبرز معالم الجديدة ببسطتها المتواضعة التي كانت تتخذ من زاوية بيتنا عصراً مكاناً لها وفي الصباح تتخذ من زاوية منزل الشاعر الشعبي رياض جمعة مكانها (حسب شروق وغروب الشمس!). وقد ربّت العمة عفرة ولدان وبنت كانا من أنبل ما أنجبت الجديدة من أبناء.. عائلة أخرى ذاع صيتها، خاصة عندما تم إعدام أحد أبناءها وهو الشاب يحيى صدام فرج، وقد شاهدت بعينيّ حفلة إعدام يحيى في ساحة عامة وسط العمارة وكنت راكباً مصلحة نقل الركاب القادمة من الحي العسكري للمدينة فهالني الحشد والرجال الثلاثة المعلقين على الأعمدة وأمامهم حشد نسوة يهتفن بحياة القائد.. علمت فيما بعد أن ليحيى أخ كان من ضمن جوقة الرفاق الذين حضروا كرنفال الذبح، ولكنه ما أن سمع المذيع يقرأ اسم اخيه ضمن قائمة المطلوب إعدامهم بعد لحظات حتى خرَ مغشياً عليه، ويبدو أن الحكومة كانت تتقصد احداث مثل هذه الصدمة، حتى ولو جائت نتائجها عكسية بأن يترك الرفيق الحزبي عمله بعد أن يدفع ثمن الرصاص الذي اخترق جسد أخيه، واستطراداً في سرد حادثة الاعدام هذه، فقد وصلت الجديدة فيما بعد وذهبت إلى حيث منزلنا القديم لأرى بعد ساعات من يجلب الجثة إلى منزل القتيل طالباً بأن لا يذرفوا دمعة واحدة على(الخائن)، ولكني سمعت نحيب الأم المفجوعة بولدها وهو يخترق كل الجدران. وليحيى أخ ثالث يدعى (هوسي) وأسمه الحقيقي طارق، قضى أعوام الحرب مع إيران كلها فارّاً من الخدمة العسكرية دون أن يخاف من المصير الذي انتهى إليه أخوه، ولم ينافسه في ذلك غير غالب أبن سليم الشرطي!، وجوار منزلهم يقع منزل الموظف خلف وله عدد من الأبناء والبنات أشهرهم الكهربائي بالفطره حومي وأسمه الحقيقي عبد الرحمن، وشاب آخر هو حكيم قضى كصاحبيه غالب وطارق سنوات الحرب مع إيران في سباق محموم يبدأ بسؤال: أينا يظل هارباً من الخدمة ولا يلقى القبض عليه؟ وكثيراً ما شاهدت أفواج ما كان يسمى بالانضباط العسكري والاستخبارات العسكرية وهم يطلقون الرصاص في الشارع خلف خطوات هؤلاء الثلاثة المتقافزة من منزل لآخر ومن سطح منزل لثانٍ .
في الزاوية التي يشكلها بيتنا كان يتجمع عدد من الشباب الذين تطاردهم الحكومة باستمرار، لأنهم يلعبون النرد أو لأن فيهم من هو (هارب) من الخدمة العسكرية أو لأنها تعتقدهم (شقاوات) وما كانوا كذلك.. وأتذكر منهم: محمد السيد عكلة، علي كريم ابو خنجرين، جمال أبو نهلة، عدنان، علي صدام فرج، كريم أبو سنون، ماجد درندش (صار ممثلاً مسرحياً معروفاً فيما بعد)، رافع الأثقال الشهير في المدينة فرحان، ستار المرور (ولستار أخوة أبرزهم قسام الذي كان ستار يقسم بروحه الطاهرة فعرفت أنه قتل في حرب إيران أما أخوه الثالث فكان يتبختر ببدلته العسكرية في الدربونة في الغداء والقدوم)، وعبد وأخوه صلاح أبناء الحاج خماس الخلفة(البنّاء)، ماجد وغالب أبناء سليم الشرطي، وطارق (هوسي)، وغيرهم كثير.. وكم أعطاني هؤلاء بعضاً مما كانوا يغلبونه في مقامراتهم الصغيرة لأشتري طيراً أو (دعبل) أو (مصرع)!! ولكن أيام الحرب مع إيران كانت قاسية عليهم كما على غيرهم فقتل في هذه الحرب عدد منهم: (أبو نهلة، عدنان، كريم، ماجد).. وأتذكر أن شقيقة هذا الأخير عندما شاهدت جنازة أخيها، وكان مثلاً في الخلق رحمه الله، قامت بتمزيق العلم العراقي الذي يلفه وهتفت بأعلى صوتها ضد النظام، وبالطبع ما كان ليجرؤ أحد على مثل ذلك في تلك الظروف... الشارع الذي يقع فيه منزلنا كان أهم شوارع الجديدة لأنه يخترق سوق المحلة الكبير، وأيضاً كان يمتدّ ليصل إلى شارع دجلة، وبالتحديد: مبنى نقابة المعلمين (وهو منزل الشيخ محمد العريبي قبل العام 1968)، ودائرة بريد العمارة ومكتبة 14 رمضان لصاحبها الحاج عبد الواحد وأولاده (فقد الحاج عبد الواحد هو أيضاً ولده الرائع هاشم في الحرب مع إيران!)، ثم سوق السمك الكبير (العلوة). أما نهايته من الجهة الثانية فكانت تصل إلى حي الحسين وتفرعاته..
ليست الجديدة، إذن ، سوى نموذج للمناطق الشعبية في العقود الأخيرة، حيث تجد فيها المتناقضات كلها... ولكن ما يؤلم في حالة المناطق الشعبية هذه التغير الكبير الذي طرأ على عادات الناس بفعل الجوع والقمع، ثم الاهمال المرّ الذي كانت تعانيه.
ولأنها مناطق شعبية بامتياز فقد كانت شرارة الانتفاضة الأولى قد خرجت من الأحياء الشعبية، في العمارة وغيرها، وقد انتشر المسلحون المنتفضون بكثافة في الأحياء الشعبية لمدينة العمارة أيام انتفاضتهم القتيلة، وكنت ترى قدور الطبخ الضخمة تتوسط شوارعها أيام العشرة الأولى من شهر عاشوراء، وترى أيضاً فيها باستمرار خيم العزاء لأبناءها القتلى في الحروب السابقة.
سنوات طويلة مرّت على انتفاضة العام 1991، مرّ العراق ومدينتي العمارة خلالها بأحداث جلل متتابعة، ولهذا يصبح سؤالاً مثل سؤال جدوى الكتابة عنها، الانتفاضة، سؤالاً مطلبياً تحاول اجابته أن تستقرئ مستقبلاً مليئاً بالغموض، وإن كنا نتمنى أن يكون واضحاً لجهة حق الناس في العيش والحب.
****
أنجز هذا الكتاب بين العامين 2000، العاصمة الأردنية عمان، و2003 في عاصمة ولاية جنوب أستراليا أديلايد... ونشرت فصول منه في: مجلة المسلة، جريدة المؤتمر، ثم نشر كاملاً في جريدة المدى البغدادية وأخيراً من على موقع الذاكرة العراقية 2006.
***************
ملحق: سنوات الجمر