جريمة نكراء في مدينة العمارة
في الوقت الذي انهيت فيه قراءة خبر الشموع البيضاء التي اوقدها أهالي حي العامل في بغداد احياءا لذكرى ملائكة الله الذين استهدفتهم السيارات المفخخة اللعينة كنت أمسح دمعة غربة وحسرة وألم نزلت على خدي، نزلت إلى الخبر اللاحق في الجريدة فإذا الدموع تنهال مجدداً .. هكذا ببساطة حول الملثمون (ومن سواهم ؟) هدوء مدينة العمارة الى مناحة سيطول أثرها .. لقد اغتالوا رجلاً من أشرف القوم وطرحوه أرضاً في الوقت الذي كان يجلس فيه على باب دارهم الكريم في أحد أحياء المدينة.. السيد حسين جبار البطاط شخصية عراقية من زمن المحنة.. ولأنني أعرف هذه الشخصية وأعرف نسبها الرفيع وأعرف أسهامات عائلة السيد جبار البطاط منذ أكثر من ثلاثين عاماً فقد سقط الخبر عليّ مثل صاعقة.
لم تكن عائلة السيد جبار البطاط من العوائل الطارئة على مدينة العمارة، بل وقراها وأريافها، فهي من العوائل الضاربة في الجذر التاريخي لهذه المدينة الوادعة، وقد أسهمت مصاهرة السيد جبار البطاط لعائلة السيد عكلة الموسوي الشهيرة في العمارة وأخيه السيد نوري، عن توفير مناخ من الوئام كانت العوائل المحلية لا تجد له بديلاً أيام الشدائد والمحن التي مرت بهذه المدينة.. وأذكر أن العوائل كانت تلجأ لبيت السيد عكلة عندما يشتد القصف الجهنمي على مدينة العمارة أيام الحرب مع إيران، وكان منزلهم هو المنزل الوحيد الذي لم تتجاسر وتتجرأ سلطات النظام الصدامي على منعه من القيام بواجبات العزاء الحسيني السنوي فترى المنزل يضج بالنادبين على سبط الرسول وأخيه المذبوحين بكربلاء.. وبسبب من هيبة هذه العائلة وتجارتها القديمة فقد كنت تراها على الدوام وهي تولم للضيوف الذين يقدمون من مختلف جهات العمارة ومن مختلف المدن العراقية أيضاً.. وعندما توفي السيد عكلة أواخر ثمانينيات العقد الماضي تحول مجلس العزاء المقام على روحه الطاهرة الى سرادق ضخمة من النحيب على هذا الرجل الكبير الجليل حيث تقاطرت الوفود من أبعد مدن العراق إلى أقصاه في لمحة وفاء نادرة لرجل خدم المدينة والناس طوال سنوات عمره .. ولكن نهر الرحمة والكرم لم ينته عند هذه العائلة التي يتحدر نسبها من آل الرسول الكريم (ص)، فقام السيد جبار البطاط وأولاده وأولاد السيد عكلة وعمومتهم بالإسهام في عشرات المشاريع العمرانية التي نفذت في مدينة العمارة جنباً إلى جنب وسيرتهم الذائعة بإكرام الفقير والسائل والغريب.. وفي أيام الانتفاضة المجيدة في آذار من العام 1991 كان منزل السيد جبار نعمة البطاط مقراً للوجهاء والشيوخ الذين قارعوا الدكتاتورية البغيضة، حتى حانت ساعة القدر المشؤوم عندما وجهت قوات النظام مدافعها الثقيلة إلى هذا المنزل الآمن فقتلت منهم ما يقارب السبعة أرواح كان منهم الشهيد جبار البطاط وبناته وحفيدته الصغيرة وغيرهم في مجزرة يندى لها جبين الانسانية.. وتحامل السادة الأشراف من بيت البطاط والموسوي على مصابهم الأليم لينخرطوا من جديد في مهمات بناء المدينة بعد الخراب الذي حل بها بعد فشل الانتفاضة... وقد قرر مجلس العائلة اختيار السيد حسين، وهو الأوسط من بين أخوته وكان لماحاً حازماً صاحب نكتة وطرفة يذكر بشيوخ أيام زمان، أختاروه ليكون حكيمهم وشيخهم، ولم يقصر الفتى الذي لبس عقال الشيوخ وطاف على قرى ونواحي العمارة العديدة يحادث الشيوخ والفلاحين على السواء من أجل فرصة يبزغ فيها قمر العراق الغائب.. كما مد الشهيد صلاته لتشمل النخب الوطنية في المدينة من مثقفين وسواهم.. وحانت تلك الفرصة مع التاسع من نيسان عندما سقط تمثال الطاغية وولى إلى غير رجعة، فكان السيد حسين البطاط، وحليفه الشيخ عبد الكريم المحمداوي (الملقب بأمير الأهوار) قد شكلا أول المجالس المحلية في المدينة وقد جمعا من حولهم عدداً من المهندسين والأطباء والمثقفين والشيوخ ورجال الدين في مهمة هدفها الأساس الحفاظ على أمن العمارة وأمن مواطنيها فنعمت المدينة بالأمان للفترة الماضية وكان نصيبها من سيارت الموت وصواريخ الحقد قليلاً جداً بالقياس لشقيقاتها المدن العراقية الأخرى، وما كان هذا ليتم لولا جهود أبناء هذه المدينة وعلى رأسهم السيد حسين..
وطيلة العامين الماضين كنت أتصل بالعمارة هاتفياً على تليفون السيد حسين البطاط فيرد علي بصوته الواضح النبرات ورقته المعهودة وخفة دمه التي تنزل على القلب لتغسله من الآمه وأوجاعه، وأقول في سري: أن مدينتي بخير... كان الشهيد يفاتحني في كل اتصال أجريه معه عن مشروع جديد، وأذكر من ذلك أنه حدثني عن رغبته في جريدة جديدة تصدر من العمارة لتكون صوتاً عراقياً خالصاً يذكر بجهود رواد الثقافة والصحافة في مدينة العمارة، وفاتحني في مرة ثانية من أجل شن حملة دولية لاحياء الأهوار العراقية، وفي مرة ثالثة طلب مني أن أكتب حول إعادة إعمار العمارة ومرة أخرى عن الموظفين فيها وهكذا..
قتلة الشهيد حسين جبار نعمة البطاط يعرفونه بالتاكيد، ويعرفون جهوده الوطنية، ويعرفون مكانته وعائلته في المدينة.. وما أقدموا على جريمتهم البشعة هذه إلا لأنهم يعرفونه حق المعرفة، وهم بهذا يضربون مثلاً جديداً على نواياهم السافلة التي تريد للعراق عودة إلى زمن التخلف والقطيعة والموت المجاني.. جرائمهم التي تتقصد الأطفال والشيوخ والأطباء والمثقفين وأساتذة الجامعات ورجال الشرطة الوطنية لا هدف لها سوى عرقلة المشروع الحضاري الذي يقف العراق على أعتابه.. خسئوا، فالعراق وطن لا ينجب غير المبدعين، ومثلنا بأخوة وأولاد عمومة وخؤولة الشهيد حسين، وكلهم على معرفتي الوثيقة بهم أهل كرم ونخوة ومحبة وسلام.. وأهل شدة إذا ما أعتدي عليهم.. وقديماً قالت العرب: حذار من الحكيم إذا غضب.. ولقد غضب العراق حقاً.. غضب العراق وهو يواري كل يوم أجساد أبناءه البررة التراب فيما يرفع الملثمون والظلاميون كؤوس احتفالهم بموسم الموت العراقي.. وحسبنا أن الغضب العراقي قادم لا محالة ليبقى أخيراً هذا الوطن الجميل الذي ما لنا غيره وما له غيرنا..
المغفرة لشهيد العمارة الأبي الطيب الحنون الكبير.. ولذويه ومحبيه السلوان.. ولأبناء مدينتي المتشحة بالسواد اليوم كل التعازي ..
********************************