رسالة غريبة من العراق!
حقاً أن ما يحدث في عراق اليوم بمثابة ضرب من الخيال!
كنت أعتقد أن العراقيين موحدين بمواجهة الإرهاب الفاشي الذي يجتاح البلاد فلا يفرق بين عراقي وآخر، مهما كان عمره، أو وضعه الحزبي أو الديني أو القومي.. وما نراه من على شاشات التلفزيون والصحف من موت مجاني يشيب له الولدان يمثل درساً كافياً للعراقيين على اختلاف مشاربهم من أجل الوقوف صفاً واحداً بوجه هذه الهجمة السافلة التي لا تتقصد اغتيال حاضر الوطن بل ومستقبله أيضاً.
إلا أن رسالة وصلتني، ربما بالخطأ، قد كشفت لي حقيقة كنت أتجاهلها مراراً، وتتعلق بالفكر الشمولي القديم، الذي مثلته حقبة عبد الناصر، ومن ثم حقبة صدام، وما زال طاغياً، وللأسف، على عقول نخب وطنية عريضة.
الرسالة كانت موقعة من الدكتور (...) عن حزب أو هيئة بعنوان: التيار القومي الإشتراكي في العراق، جماعة فؤاد الركابي. والرسالة عبارة عن بيان صادر عن الهيئة بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو المصرية التي قادها جمال عبد الناصر ضد الملكية في مصر. يثني البيان على هذه الثورة ويكيل لها المديح الثر ثم ينتقل لمديح الموت في العراق قائلاً بالحرف الواحد: أن لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة!!!
لست من الذين يؤمنون بالرأي الواحد، كما لم أكن من ملاك الحقيقة أو الذين يصادرون حريات الآخرين بالفكر والتفكير... ولكنني عجزت عن فهم بيان الأخوة العراقيين هذا، خاصة لجهة توقيته.
فبين برك الدم التي تنتشر هنا وهناك في بلادنا يكون الأجدى والأنفع والأكثر وطنية، في تقديري المتواضع، هو العمل على بناء مؤسسات وطنية تمنع المزيد من الدم، العمل على تعبئة الجمهور ضد هذه الهجمة الشرسة، والعمل الجاد والمتواصل من أجل حماية الإنسان العراقي من الانقراض الذي تبشر به مجاميع الفكر السلفي والإرهابي والشمولي أيضاً.
ها قد مرت عقود طويلة على ولادة المشروع الناصري، وقد كتب في هذا المشروع ما يعادل آلاف الكتب، وكل ذلك جيد جداً، ولكن التجربة العراقية الراهنة لا تحتاج، كما أعتقد، إلى بيانات وخطب نارية ثورية من قبيل تلك التي كانت سائدة أبان حقبة عبد الناصر أو نسختها الثانية أيام صدام حسين، خاصة وإننا في العراق قبل غيرنا قد جربنا مثل هذه الخطب، ويكفي التذكير بالتصريح الناري الذي أطلقه صدام حسين قبيل حرب الخليج الثانية، عندما قال بأنه سوف يمحو نصف إسرائيل، ويعلم الجميع النتائج العظيمة التي تمخض عنها هذا التصريح الثوري جداً بالنسبة للعراقيين والعرب، ولا أعتقد أن بيننا من يريد أن يتذكر ذلك!
إن الموقعين على البيان يؤمنون بالفكر القومي العربي، هذا شيء يخصهم، ما يخصنا هو موقف هؤلاء الأفاضل من بركان الدم العراقي، ومشروعهم الذي نريد منه أن يكون مناسباً للوضع في العراق بكل ما يحمله من آلام وتفاصيل، وأيضاً بما يحمله الموزاييك العراقي من تنوع. لا أعتقد أن ثمة من يشكك بالروابط التاريخية التي تجمع العرب العراقيين بأشقائهم في الدول العربية المختلفة، وهي روابط أقوى من البيانات الثورية والخطب الرنانة التي ما حصد منها العرب غير الخسارة والذل.
محنة العراق اليوم تصوغها جهات أجنبية كثيرة، ولكن المؤسف حقاً أن يشارك في إدامة هذه المحنة عراقيون أيضاً، وما هذا البيان الموقع من قبل عراقيين، والذي يحتفل بثورة جرت في بلد عربي قبل أكثر من نصف قرن!! إلا مثال ساخط على الاستهانة بكل ما هو عراقي، في الوقت الذي ينتظر فيه أطفالنا من يمسح عن وجوههم بقع الدم التي أهداها لهم الخطاب القومي الثوري ذاته، مغلفاً هذه المرة بخطاب أصولي إسلامي متطرف..
***
نشر المقال في موقع عراق الغد، 2005