مغزى حجيج الثقافة العراقية إلى دمشق؟!
في الوقت الذي ينهي فيه القارئ الكريم سطور هذه المقالة فأن وفداً ثالثاً من المثقفين والفنانين العراقيين يكون قد وصل إلى العاصمة السورية دمشق في غضون أقل من ثلاثة أشهر، حيث كانت دمشق استقبلت، وبحفاوة بالغة، وفدين عراقيين مشابهين ، كان الرئيس السوري ونائبه وكبار موظفي الدولة قد استقبلوه، ولكن اللافت للنظر في أمر الوفود العراقية الثلاث مسألتان في غاية الأهمية، والمسألة الأولى تتعلق بالتوقيت، والثانية تتعلق بأعضاء الوفود العراقية تلك.
ومن المعروف أن دمشق ولأكثر من عقدين من الزمان كانت ميداناً لعدد كبير من رموز الثقافة العراقية المنفيين والمهاجرين من العراق الجار، وكان العدد الغفير من الأدباء والفنانين العراقيين يتحركون في سوريا فينشرون أعمالهم وينتجون معارضهم وعروضهم، بل أن الكثير منهم أسس في دمشق دوراً للنشر ومراكز ثقافية، كان بعضها مدعوماً من قوى المعارضة العراقية السابقة التي كانت بدورها تتواجد وبكثافة على الساحة السورية، وبالطبع فإن هذه الحشود العراقية كانت تعمل تحت غطاء الموافقة الضمنية من قبل الجانب السوري، وهي الحشود ذاتها التي عادت إلى بغداد بعد سقوط النظام الشمولي في حرب العام 2003 ولكنها فجأة غابت عن حشود الحجيج الثقافي العراقي إلى دمشق، وحل بدلاً عنها مجموعة من صغار المثقفين والشعراء الشعبيين وبعض صحفيي النظام السابق والكثير من ممثلي المسرح الهابط ( كما ذكرت ذلك جريدة عراقية رسمية مؤخراً) في رحلة صحراوية أريد لها أن تجسد الشعار الممجوج ذاته: التضامن مع الشعب العراقي، على أن تصريحات نسبت إلى بعض أعضاء هذه الوفود أشارت إلى أن الجهات السورية طلبت مراراً منهم الإشادة بعمليات ما يسمى بالمقاومة في العراق، تلك المقاومة التي ينظر إليها العراقيون بمختلف انتماءاتهم على أنها مجرد أعمال إرهابية تريد زعزعة أمن العراق والقضاء على نشوة الفرح العراقي بزوال طاغية العصور… وبالطبع فإن ذلك كله لا يمثل إثارة بمثل ما تمثله إثارة استقبال الوفود العراقية من قبل أعلى مستويات الدولة السورية الأمر الذي لم يحدث مع كبار أدباء العراق الذين عاشوا وماتوا في دمشق مثل الجواهري والبياتي وجمال الدين، أو كانت دمشق ملاذاً لهم في غربتهم ومنفاهم الطويل وقائمة هؤلاء أكثر من أن نعدها!، والأكثر غرابة في هذا السياق هو التكتم الكبير المفروض على أسماء المشاركين في وفود الحجيج هذه، تكتم لا معنى له مادامت هذه الوفود أريد لها أن تنتظم في جوقة غناء تذكر بما دأب عليه الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين من استقبالات مماثلة شارك بها المئات من المحسوبين على الثقافة العراقية والعربية أيضاً، ولكن هؤلاء سرعان ما انقلبوا على حارس البوابة الشرقية تباعاً حتى كان مشهده المثير في حفرة العنكبوت وحيداً يائساً.
احتفاء القيادة السورية المفاجئ بالمشهد الثقافي العراقي، وما يوازيه من اهتمام بمشهد شيوخ العشائر الذين حلوا ضيوفاً على البيت السوري بعد سقوط الصنم، جاء في الوقت الذي شهدت دمشق مؤخراً طرد الشاعر الصيني أحمد جان عثمان، والذي كان اختار الإقامة في دمشق لعقدين من الزمان خلت وعد نفسه واحداً من شعراء سوريا، بل بدا الشاعر الصيني السوري شديد الحماس لسوريته في أكثر من مناسبة، كما في دفاعه عن مواقف علي عقله عرسان الذي لم يمنح عضوية اتحاده العتيد لأحد الأدباء العراقيين، ولم تجد نفعاً لا مواقفه الشخصية ولا مواقف العشرات من المبدعين السوريين والعرب الذين دعوا المسؤولين السوريين إلى العودة عن قرارهم بطرده إلى العدو الأول، الولايات المتحدة الأمريكية، والتي قررت احتضانه بلا شروط تعبيراً عن أيمانها بديمقراطيتها الغربية المؤسسة، والتي تمثل، ويا للمهزلة، محل سخرية الكثير من الأنظمة الشمولية العربية وسوريا في طليعتها !!
لماذا وفود الحجيج الثقافي العراقي في مثل هذه الأيام بالذات؟ ومن هم هؤلاء المثقفين العراقيين الذين تنقلهم الباصات عبر الصحراء السورية العراقية ليحلوا ضيوفاً على قيادة الأسد الأبن؟ ولماذا يغيب عن هذه الوفود أبرز مثقفي العراق، وأكثرهم دراية بسوريا؟ لماذا يغيب المثقف العراقي الذي احتضنته سوريا في أوقات النضال ضد الجار العنيد ؟ ولماذا أخيراً تكون نجمات المسرح العراقي الرديء أبرز من يصعدن باصات الحجيج وأبرز من تحتفي بهن القناة الفضائية السورية؟ أسئلة سيكون جوابها واحداً هو شعار التضامن مع الشعب العراقي، وكأن مواسم التضامن الخرقاء هذه لن تنتهي إلا بالقضاء تماماً على وطن أسمه العراق، وهو الحلم الذي بدا صريح الوضوح بعد سقوط الصنم في التاسع من نيسان وعبر عنه الكثير من الساسة والمواطنين العرب صراحة أو تلميحاً ..
هذه الوفود المزيفة لا تمثل العراق ولا ثقافة العراق، وحتى لا نبدو كمن يصادر حق الآخر في الحضور الثقافي والفني نقول أن هذه الوفود مزيفة لأنها تغيّب مشهد الثقافة العراقي الحقيقي، ولأنها سمحت لنفسها بأن تنتظم في موكب ذبح العراق الجديد، ولأنها أخيراً قبلت شروط المسرح السوري اليوم، ذلك المسرح الذي يمثل فيه ممثلون صغار لهم ألف وجه ولا هم لديهم غير الحفاظ على أدوارهم حتى لو تطلب ذلك إراقة المزيد من الدماء في الشوارع العراقية.
****************
نشر المقال في عدد من مواقع النت، ومنها موقع بوابة العراق والحوار المتمدن بتاريخ 22/1/2004