في مديح علي حسين

 

علي حسين شخصية عراقية بمعنى الكلمة، بمعنى أنه يذكرك بما تقرأه عن الشخصيات البغدادية القديمة، كرم لا حدود له واهتمامات متنوعة ليست الثقافة والفنون إلا جزءاً منها، ناهيك عن شخصية اجتماعية مرحة تثير الكثير من الانطباعات بما فيها السلبية. وعلى المستوى الشخصي فقد تعلمت من علي حسين أشياء كثيرة، ولعل من أبرز ما تعلمته منه كيفية الاحتفاء دائماً بتجارب الآخرين، وخاصة المبدعين منهم، وهو درس لم ينافسه فيه سوى علي آخر هو الصديق الشاعر علي عبد الأمير.

تعرفت إلى علي حسين من خلال المبدع ناجي عبد الأمير أوائل تسعينيات القرن الماضي، وكان عبد الأمير حينذاك يستعد لتقديم مسرحية علي حسين المعنونة: الحريم، تلك المسرحية التي قدمته للمسرح العراقي وليقدم بعدها عدداً من النصوص التي وجدت طريقها للخشبة من خلال مخرجين مبدعين أبرزهم شفيق المهدي وحيدر منعثر وخالد علي.

علي حسين في نصوصه المسرحية لا يخفي تأثره بنصوص مسرحية أخرى، بالإضافة إلى نصوص شعرية وروائية مختلفة، وهو يؤمن كثيراً بمقولة أن النص، أي نص، يطفو دائماً على بحر من النصوص على ما ترى جوليا كرسيتيفا.. ولكن هذا الاشتغال كان كافياً ليثير حفيظة كثيرين ما زالوا ينظرون إلى النص باعتباره نصاً خالصاً بالرغم من خطل هذا الرأي كما كشفت البحوث الجديدة في علم الأدب، وبالطبع فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال الموافقة على ما يمكن عده سرقة أدبية، بل الافادة من النصوص الناجزة للخروج برؤى جديدة، ولا نأتي بجديد إذا ما قلنا أن معلم الدراما وليم شكسبير قد سبق الجميع إلى هذه الرؤية كما في هاملت وماكبث وروميو وجوليت وغيرها من الروائع. ولكن مشكلة علي حسين أنه لا يولي شغله المسرحي عظيم اهتمامه، بل تراه موزعاً بين هموم وشجون كثيرة، المسرح أحدها ولكن في مقدمة ذلك الولع يقع اهتمامه الأثير بالصحافة.

الذين يعرفونه في السبعينيات وبعدها يقولون أنه كان شغوفاً بالصحافة إلى حد كبير، ولقد سبب له شغفه هذا العديد مع المشاكل كان أبرزها مع عدي صدام حسين في ثمانينيات القرن الماضي. وفي الأيام التي عرفته فيها كان لا يكل من طرح أفكار ومشاريع لصحف جديدة، وهكذا تشرفت في أن أكون معه في ثلاثة مشاريع من هذا النوع، كان المشروع الأول هو مجلة "السينما والمسرح" التي صدر منها عدد واحد رأس تحريره الشاعر فاروق سلوم والذي كان بدوره ظهيراً لعلي ولي في المشاريع الثلاثة التي أتحدث عنها، خاصة مع كم المشاكل التي اعترت عملنا وأثارتها نقابة الصحفيين العراقيين التي كان يشرف عليها عدي، مشاكل كانت أحلام علي ضحيتها الأولى. علي أن أسارع للتأكيد هنا بأن الصحف التي أسسها علي حسين كانت سبقت موجة الصحف الأسبوعية التي دعا لها عدي صدام حسين بفترة. مجلة "السينما والمسرح" أرادها علي حسين نسخة عراقية لمجلات مصرية مشابهة يركز فيها على نجومية الممثل العراقي أولاً، وثانياً على فكرة الإفادة من الإعلان الفني لخدمة الطرفين: الفنان والجريدة، كما أراد منها أن تكون استمراراً لمجلات عراقية بالعنوان نفسه كانت تصدر وتتوقف في تواريخ مختلفة من عمر الفنون العراقية، ولقد حققنا في العدد الأول تحقيقات فنية كثيرة لا يمكن أن تقول أنها مجرد اعلانات، وأذكر من تلك التحقيقات واحد عن واقع دور العرض السينمائي العراقي، بالاضافة إلى تحقيقات مسرحية منوعة كثيرة. سقط المشروع بالضربة القاضية عندما كتبت جريدة بابل باللون الأحمر وفي الصفحة الأخيرة من أحد أعدادها ما يشير إلى أن مجلة "السينما والمسرح" تخدش الحياء العام!!! والحقيقة أنهم لم يستوعبوا مجلة تروج للفنان العراقي وتنشر صورته على غلافها، فيما كانوا ينتظرون من هذه المجلة وسواها أن تنشر على الغلاف صورة  "القائد الضرورة" ليس إلا.

ولم يتوقف ولع علي بالصحافة بعد هذه المشروع الذي كان قد أسس وحلم به طويلاً بل سارع لتأسيس جريدة فنية صدرت بعنوان " ألوان" ، وبعد عدد من أعدادها ظهرت إلى السطح موجة الصحف الأسبوعية فاستغل علي تلك الأجواء ليطرح جريدة أسبوعية جديدة كانت هذه المرة بعنوان: "الموعد"، ولقد كنت معه في المشروعين بالرغم من تحفظي على طريقة عمله في الجريدتين، خاصة وإنه كان بمستطاعه أن يركز عمله في جريدة واحدة تستقطب الأقلام الفنية كلها، ولكنه أصر على رأيه، وبعد مجموعة من الاعداد تركت العمل في الجريدتين دون أن يؤثر ذلك على متانة علاقتي به. ومن أبرز العاملين معنا في تلك المشاريع اذكر: الصحفي علاء المفرجي، والصحفي عبد العليم البناء، والمدير الفني الفنان فلاح الخطاط، ونخبة كبيرة من الكتاب أبرزهم: يوسف العاني، عواطف نعيم، عباس لطيف، رياض موسى سكران، عقيل مهدي يوسف، علي مزاحم عباس، حسين علي هارف، يوسف رشيد، ياسر البراك، باسم الأعسم، فلاح المشعل، سعد هادي، ناجي كاشي، قحطان جاسم جواد، سيف الدين كاطع وآخرون كثر أعتذر عن السهو في عدم إيراد أسمائهم. ولقد حقق علي في الجريدتين ما يمكن أن نعده تأسيساً للصحافة الفنية العراقية(دون أن أقصد تجاوز التجارب السابقة)، تلك الصحافة التي تعنى بشؤون الفن العراقي ونجومه بأقسام متخصصة للمسرح والسينما والتلفزيون والفنون التشكيلية والموسيقية والغناء، ناهيك عن استقطابه لكوكبة كبيرة من الكتاب المتخصصين بشؤون الفن العراقي كما أسلفت قبل قليل.

وفي الفترة ذاتها كان علي حسين قد استثمر علاقته الشخصية بالشاعر فاروق سلوم مدير عام دائرة السينما والمسرح أنذاك من أجل تحويل بناية منتدى المسرح من وضعها القديم غير الصالح إلا لعروض محدودة إلى صالة متطورة تضم إلى جانب الصالة الأساسية صالة تمثل كافتيريا للفنانين وملتقى للندوات. ولقد عهد للفنان الدكتور حسن السوداني بإدارة هذا المشروع فنياً ولعلي حسين بإدارته ثقافياً، فكان أن نتج عن ذلك انشاء قاعة مكيفة تمثل مقهى للفنانين العراقيين، ولكن المكان تحول وللأسف الشديد، وفي غفلة من الأثنين، إلى ملتقى لجماعات المسرح الاستهلاكي (التجاري) فيما قاطعه أهل الحرفة الحقيقيون، وشيئاً فشيئاً فشل المشروع .. في الجانب الآخر، وأقصد الجانب الثقافي فلقد قام علي حسين بتهيئة برنامج ثقافي منوع كنت جزءاً منه، حيث  ضيفنا كبار الشخصيات الإبداعية العراقية على مدى عامين، وأذكر من أبرز تلك الفعاليات استضافة المنتدى للفنان الرائد الراحل جعفر السعدي، وأخرى للرائد سامي عبد الحميد، وثالثة للفنان الكبير يوسف العاني وأمسية للموسيقار محمد جواد أموري وأمسية للموسيقار الراحل عباس جميل وأمسية للموسيقار جعفر الخفاف، وكأن أبرز ما أقمناه في العام 1996 هو ملتقى الشعر العراقي، ملتقى جيل التسعينيات، والذي شارك فيه العشرات من الشعراء العراقيين الذي توافدوا على العاصمة بغداد دون أن يمنحهم المهرجان اية مصاريف أو يؤمن لهم السكن الملائم، خاصة وإن عدداً كبيراً جداً من هؤلاء الشعراء كانوا قدموا من مختلف المدن العراقية، كل ما وفره المهرجان كان قاعة المنتدى وأضواء الإعلام، وحتى أضواء الإعلام هذه سرعان ما انقلبت ضد المهرجان بتحريض من رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين أنذاك هاني وهيب، والذي استعظم أن يقوم منتدى المسرح، ومن وراءه دائرة السينما والمسرح، وبأسماء لا علاقة لها بالاتحاد بتنظيم ذلك المهرجان الكبير الذي استمر ثلاثة أيام. جدير بالذكر أن اللجنة التحضيرية للمهرجان قد تكونت من علي حسين وأحمد الشيخ علي وسلمان داود محمد وخضير ميري بالإضافة إلى كاتب هذه السطور.. ولقد ألقى في الجلسة الافتتاحية عدد من المبدعين العراقيين كلمات وقصائد أثنت على المهرجان، ومنهم أذكر: فاروق سلوم، عبد الخالق الركابي، شوقي كريم حسن، عقيل مهدي يوسف، عبد الستار ناصر..

ومن التجارب التي خضناها سوية أذكر تجربة نقابة المسرحيين العراقيين وانتخابات رابطة نقاد المسرح بدورتها الأولى (من المؤلم، في هذا السياق، أن أقرأ بين الحين والآخر في كتابات بعض الأصدقاء من نقاد المسرح العراقي عدم إشارتهم إلى تلك الانتخابات والتي جرت في دائرة السينما والمسرح وحضرها أكثر من خمسة وعشرين ناقداً ومهتماً بالمسرح العراقي والتي جرى خلالها دعوة الناقد الكبير فاضل ثامر لترؤس الرابطة وذلك لمكانته المرموقة في المشهد الثقافي العراقي عامة والمسرحي بشكل خاص، وأذكر أن الناقد فاضل ثامر ترك العراق بعدها بوقت قصير، ويبدأ هؤلاء الأصدقاء بالحديث عن تجربة لاحقة من عمر الرابطة).. لقد كانت هذه الدعوة، والتي نشرناها في الصحف الرسمية العراقية كافة، قد تشكلت بعد مداولات مع الدكتور فاضل خليل نقيب المسرحيين العراقيين أنذاك، وكنا نريدها امتداداً لدعوة متعثرة كان تبناها النقاد عواد علي و نازك الأعرجي ومعد فياض وحسين الأنصاري وآخرون قبل هذا التاريخ، ولقد تكللت دعوتنا بالنجاح ما رشح عنه انتخاب هيئة ادارية أولى كنت وعلي حسين بالإضافة إلى بعض الأصدقاء في عداد أعضاءها، ولقد دشنت اللجنة مشوارها بعدد من الندوات بالإضافة إلى مشاركتها الفاعلة في المهرجانات المسرحية المنعقدة في بغداد تلك الأيام.
وفي الجانب الشخصي لحياة علي حسين أذكر نزعته المعلنة في جمع شمل الفنانين العراقيين دائماً، وليس مهماً بعد ذاك المكان، كأن يكون مقهى، كما حصل في مقهى البتاويين في بغداد، أو مكان رسمي كما هو الحال في دائرة السينما والمسرح، ولعلي لا أنسى الرفقة الجميلة التي جمعتنا في مكتب المنتج الفني مهدي محمد رضا صاحب شركة سمير أميس للانتاج التلفزيوني في الكرادة بالقرب من المسرح الوطني، حيث كان المكان يضج بالمبدعين كما هو الحال مع الكاتب الكبير عادل كاظم والمخرج القدير محمد شكري جميل، وهناك حظيت بلقاء الشخصية الوطنية الروائي الدكتور جاسم الهاشمي وعدد من أبرز المبدعين العراقيين.

ولعلي، شأنه شأن البغداديين كلهم، ولع بالمطاعم، وخاصة الشعبية منها. كان حريصاً على دعوة الأصدقاء لتناول طعام الغداء في مطعم جديد اكتشفه بالصدفة أثناء تجواله اليومي، فهو من أبرز المشائين الذين عرفتهم، هكذا يلتحق بنا الأصدقاء عبد الخالق المختار وحكيم جاسم ومقداد عبد الرضا وهيثم عبد الرزاق ورائد محسن وحيدر منعثر وخالد علي وكنعان علي وفلاح إبراهيم وكريم محسن وجواد الشكرجي وناصر طه في مطعم العمار الذي يقع في شارع فرعي متفرع عن شارع الرشيد بالقرب من ساحة حافظ القاضي، ويضج بالباعة والحركة من كل طرف، وبالرغم من كون بعض المدعوين نجوماً معروفين في الشارع العراقي ما يسبب لهم بعض الحرج في محلة شعبية كتلك التي يقع فيها مطعم العمار أو مطعم الرصافة أو غيره من المطاعم إلا أن جمع هذا الرهط، يتقدمهم يتقدمهم  العراب علي حسين، كما كنا نسميه حينها، كانت تهون كل شيء من حولهم. وعلي حسين الذي لا يجيد النكتة كان صاحب روح مرحة على الدوام.

وليوم الجمعة عند علي حسين في أيامنا الذهبية تلك طعماً خاصاً حيث كان يبدأه بالمرور عليّ في الفندق الذي كنت أقيم فيه ليدعوني بعدها إلى مطعم أم كلثوم الذي يقع في حلق شارع المتنبي من جهة شارع الرشيد، ثم نكمل جولتنا في شارع المتنبي، والذي يحتفظ علي حسين فيه بعلاقات كبيرة مع أغلب الباعة فيه، الجدد منهم والقدماء، كان يدهشني بشبكة علاقاته تلك مع باعة الكتب، وكان يحدثني عن أصولهم واحداً واحداً، فمنهم الشيوعي القديم ومنهم الإسلامي ومنهم البعثي أيضاً.. ولكن علي كان لا يطيق الجلوس في مقهى حسن عجمي، ويفضل عليه المقاهي البعيدة الصغيرة، وكان ذلك دائماً ما يسبب المشاكل بيني وبينه، فلقد كنت أحرص على زيارة المقهى هذه بالتحديد لأسباب كثيرة، وفي المرات التي أقنعته فيها بالجلوس في حسن عجمي كان يجد الناقد الكبير محمد مبارك بانتظاره لنقوم ثلاثتنا بالمشي في شارع الرشيد وصولاً إلى الباب الشرقي حيث يعشق.. وفي مرات أخرى كان يلتحق بنا الفنان عزيز عبد الصاحب أو عبد الخالق المختار أو علاء المفرجي أو الصديق هادي الناصر والصديق علي العكيلي. كان الباب الشرقي وساحة الطيران المكان المفضل جداً لعلي، و لاغرابة في ذلك حيث تقع مكتبتهم المعروفة مكتبة الأورفلي، والتي كنا نشتري أو نستعير منها ما يلائمنا من كتب بأرخص الأثمان، وفي أحيان كثيرة كانت وساطة علي لنا سبباً في الحصول مجاناً على ما نريد من كتب.

شجعني علي حسين على البقاء في بغداد بالرغم من أوضاعي المادي العصيبة التي كنت أعيشها في تسعينيات القرن الماضي، خاصة بعد أن أنهيت خدمتي العسكرية ولم يبق لي سبب معقول أقدمه لأهلي في مدينة العمارة على تحمل مشاق العيش مفرداً وبلا مأوى أو عمل في بغداد. وكثيراً ما كان صاحبي يدعمني في المواقع التي عملت فيها، مثل الصحف ودائرة التلفزيون والسينما والمسرح، وكانت لفتاته الإنسانية معي تشعرني على الدوام بالخصال النبيلة التي يتمتع بها هذا المثقف العراقي في زمن المحنة الكبرى أيام التسعينيات.

 ******************

  مقالات في الشأن الثقافي