عبدالخالق كيطان: محنة الثقافة العراقية سببها سياسيون انتهازيون

عبد الخالق كيطان وكاظم غيلان/ العمارة 2008
حاوره : كاظم غيلان
لم يخرج عبدالخالق كيطان الا من معطف الابداع ولم يتأثر الا بابداعه وحده هذا الذي توزع بين الشعر والمسرح تمثيلا ونقدا وسيرة، وبرغم المنافي التي تلاقفته بكل قسوتها الا انها لم تتمكن من انتزاع محبته المطلقة لوطنه فهو معجون بهذه المحبة ومنشد لها، ويوم
جاء
من مدينته الجنوبية (العمارة) حاولت سياط العاصمة ان تجلده
بقسوة حتى تتمكن من استبدال جلدته
الا انه بقي مصرا في انتمائه لـ(النازحون) من
ابناء قبيلة (صعاليك بغداد).. اطل
علينا عبدالخالق من منفاه الاسترالي فكان لنا معه
هذا الحوار.
ببلوغرافيا
* عبدالخالق كيطان
* تولد مدينة العمارة
* انهى
دراسته في كلية الفنون الجميلة
العام 99- 1992 نقد وتأليف مسرحي - جامعة بغداد
* غادر العراق اواسط العام 1998
تخلصا من بطش سلطة الدكتاتورية الى عمان.
* مارس
العمل الصحفي في الصحف العراقية
للشؤون الثقافية والفنية بين العامين 1988- 1997
كما اعد للتلفزيون العراقي برامج
عن المسرح واختير عضوا في لجان النقد المسرحي كما
نشر نتاجاته الشعرية والنقدية في
صحف عراقية وعربية.
* عضو الاتحاد العام للكتاب
والصحفيين العراقيين في المنفى/
مقره عمان وعضو هيئة تحرير مجلة (المسلة) الصادرة
عن الاتحاد.
* له في الاصدار الشعري:
- (نازحون) الفائزة بجائزة البياتي
بدورتها الاولى 1998 وصدرت عن دار
الجندي في دمشق العام 2000.
- (صعاليك بغداد)
صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات
والنشر بيروت وعمان.
- (الانتظار في ماريون)
عن دار الفارابي - بيروت 2007
وسيصدر له عن دار المدى كتاب (شارع دجلة - سيرة)
تتناول انتفاضة العام 1991 ومن
المؤمل ان يصدر له ضمن منشورات الصباح كتاب (عقد
البنفسج) مقالات في المسرح العراقي.
* بعد هذه السنوات من غربتك عن
الوطن، ما
الذي سرقته منك هذه الغربة.. وماذا منحتك؟
- الغربة كائن اسطوري مخيف لايسرق
منك
غير المحبة فيحيلك كائنا كئيبا تكثر من
الصمت والادعية.. سنوات مرت وانااطيل
التحديق بالجدران والبنايات
والشوارع باحثا فيها عن اصدقاء بعيدين كانوا على الدوام
يعلمونني الصبر والجلادة ويغمرونني
بالمحبة والحنين، كنت ابحث في تلك السنوات عن
امكنتي الاحب التي تمتد من
الوزيرية صعودا باتجاه المسرح الوطني مرورا بالباب
المعظم والميدان وشارع الرشيد
ومنتدى المسرح وبيت الخضيري والسعدون، كان عزيزا
عليَّ ان اظل بعيدا عن ذلك البهاء
الذي ما انفك يصنع ملامحي وعن وجوه قضيت معها
اجمل ارتجافاتي واقساها.
اما ما تعلمته من غربتي فكانت فسحة
التأمل والمراجعة
التي جعلتني اقرأ الكثير مما فاتني، وخاصة
ما يتعلق منه بتاريخ العراق المعاصر وسير
ابرز صناع ذلك التاريخ
وتناقضاتهم.. كما استطعت ان اعيد تأملاتي الخاصة بالشعر
وجدواه، شكل النص، اللغة، الحياة
التي اعدت اكتشافها فعرفت معنى ان يكون الواحد منا
انسانا.
*التشوه الذي لحق بمجمل الفنون
والثقافة العراقية طيلة حقبة النظام
المباد.. لمن تعزو اسبابه.. وكيف
تفسر قبول المثقف لهذا التشوه واستجابته له؟
- تعيش الثقافة العراقية ومنذ عقود
في محنة سببها سياسيون انتهازيون وعشاق مخذولون
وفقراء جاه ووجاهة.. القوا بجميع
اسلحتهم في الساحة عراقية تتناهبها مفاهيم مشرقية
ودينية وغربية وقومية فاسهموا في
ضياع بوصلة الفرد العراقي الذي كان خارجا بدوره
ابان تاسيس الدولة العراقية
الحديثة في سنوات الجهل والامية، وبدلا من ممارسة دور
النخبة الطليعية التقدمية ارتضى
اكثر هؤلاء ان يترفعوا عن تطلعات شعبهم حتى ولو
كانت تلك التطلعات مشروعة وبسيطة
جدا تتلخص في صياغة هوية وطنية وتأسيس حياة كريمة
هي ليست منة من احد وانما هي
بالاساس واحدة من النعم الربانية التي كرم الله بها
بني البشر لم تعدم وهذا شيء بديهي،
وهذا شيء بديهي، محاولات نادرة هناك ولكنها كانت
نادرة على الدوام ومقموعة بقوة
التابوات التي صنعها من اشرت اليهم فالقموها افواه
الجموع.. ليس صعبا ان نستذكر ماكنا
شهودا عليه من تخريب منظم لما تبقى من نفس مدني
ومديني خلال سنوات الحروب، بل
الامر من ذلك ان نكون نحن قاصدين او غير قاصدين جزءا
من ماكنة التخريب تلك عندما قررنا
جميعا ان نلوذ بالهمس المذعور.
بعضنا أكلته
السجون والمشانق.. بعضنا هرب بجلده
واحلامه ولسانه، وبعضنا فضل المكوث بانتظار
المعجزة... انها رواية رعب
باستعارة قصيدة فاضل العزاوي.. ولكن هذه الرواية كانت قد
بدأت سطورها قبل سرقة الدولة
العراقية من قبل الاشقياء وحملة السياط، قبل ذلك
بكثير، وعندما جاءت الاجيال
الجديدة التي صارت تاريخا هي الاخرى الان كان الخراب قد
عم والفوضى هي سيدة الموقف.. ليس
غريبا بعد ذلك ان تتفرج على مزاد القصائد
المليونية والنحاتين الذين يتبارون
لنيل العطايا، والسينمائيين والقصاصين.. كلهم
كانوا يرتادون الاماكن ذاتها
ويشربون من النبع ذاته، ويأكلون في المطاعم ذاتها.. بل
كانوا يحلمون بدولة العدل معا فكيف
نفسر ذلك؟ لقد كانت حلقات من الخراب تتبع بعضها
بعضا فلا فرق بين اول واخر.. بعضنا
احتمى بالتجريب، وبعضنا بالتعالي.. اخرون اغلقوا
ابواب منازلهم عليهم وثمة الكثير
من اختبأ وراء الرموز والاقنعة هربا من تأويل مميت
او قلم لايجيد سوى الطعن.. وها نحن
الان في ذروة النتيجة.. فما العمل؟
* مقارنة
بتجارب وعروض مسرحية عربية ولربما
عالمية اطلعتم وشاهدتموها في المنفى، كيف كانت
قراءتكم المقارنة لها بتجربة
المسرح العراقي؟
- التجارب المسرحية العراقية خارج
العراق عديدة حقا ومتنوعة تنوع
المنافي والمنائي التي يزدحم العراقيون فيها، وفي كل
مكان وصله المسرحيون العراقيون
كانت ثمة تجربة وثمة حراك وثمة محاولة وبالطبع تتأثر
تلك التجارب بالامكنة او الحاضنات
المكانية لها.
هكذا صرنا نقرأ مثلا عن تجارب
عديدة في المونو دراما بسبب ضيق
الحال الذي يعانيه منتجو تلك المسرحيات وصرنا نقرأ
عن ادعاءات وبطولات دون كيشوتية
ليس لها رصيد ابداعي..
صرنا نقرأ عن مجهودات
فردية نادرة في بلاد بعيدة يجب ان
نقف احتراما لاصحابها الذين كانوا مبدعين في
بلادهم قبل هجرتهم مشهد المسرح
العراقي في المنافي والمنائي شاسع جدا ولايمكن
الاحاطة به ولكني استطيع الحديث
هنا عن مشاهداتي في العاصمة الاردنية عمان والقليل
النادر في استراليا. بالطبع لن
نتحدث هنا عن تقنيات مسرحية وديكورات وازياء.. بل عن
مواضيع معينة.. اما ما اسمع به
الان عن حركة مسرحية في العاصمة السورية فلا يعدو
كونه -كما ازعم- محاولات حثيثة
لنقل تجربة المسرح الاستهلاكي العراقي في ثمانينيات
وتسعينيات القرن الماضي البائسة
والفجة بنجومها وكتابها ومهرجيها ايضا.. ثمة ايضا
في هذا السياق وجود مسرح عراقي جيد
في الامارات العربية المتحدة وفي بعض الدول
الاوروبية والولايات المتحدة
الاميركية نتمنى لها التواصل. واتمنى شخصيا لاصحاب ذلك
الوجود الافادة من وجودهم ذاك على
مستوى تطوير مهاراتهم الابداعية والفنية.
* عدت هذه الايام للعراق.. كيف
تصفه لي وطنا وثقافة؟
- في كل هذه السنوات الماضية
سنوات غيابي عن بلدي، كنت في رحلة
بحث عن هذا العراق، ولقد اكتشفت ان العشرات من
المثقفين والمبدعين العراقيين
يمارسون يوميا المهنة ذاتها، واقصد مهنة البحث عن
البلاد، لقد مرت على العراق عقود
من العذاب والاسى ومن المؤكد ان ثمة اسبابا في
بطون التاريخ لذلك كله وعندما عبرت
الحدود العراقية باتجاه الجنوب الدافئ كنت ارى
الاكواخ الطينية والصبية الذين
يتراكضون حفاة بينها في صورة سوريالية كان ما رأيته
لم يكن هو العراق الذي تتصدر
اخباره صفحات الجرائد ووكالات الانباء العالمية.. ثمة
عراق في الرؤوس واخر ينبض
بالحياة.. لقد زرت حتى الان اكثر من اربع مدن عراقية
وعليَّ القول هنا ان اغلب من
التقيتهم كانوا يشعون بالتفاؤل.. حتى المظاهر
العسكرية،
يخطئ من يظن انها وليدة ما بعد
9 نيسـان.
اقلب الصفحات
الثقافية فاجد العديد من الانشطة
الثقافية والاصبوحات الادبية.. مررت بالاماكن
ذاتها التي اعشق وفي كل مكان وجدت
شاعرا ورساما ومسرحيا.. ماذا يعني ذلك؟ ماذا تعني
هذه المحاولات المحمومة للبقاء
بالرغم من المفخخات والاحزمة الناسفة ورصاصات
الاغتيال؟ كل شيء على حاله ايها
الاصدقاء.. ثمة دم ينهمر من الشرفات ونساء خجولات
وقصائد في كل مكان.
******
جريدة الصباح البغدادية بتاريخ
السبت 15/3/2008
***