سقوط الفكرة الواحدة في تجليات التاسع من نيسان
لم يكن حدث التاسع من نيسان حدثاً عادياً في التاريخ العراقي المعاصر، وبالتالي فإن آثاره، المنظورة منها وغير المنظورة على ثقافتنا الوطنية لا يمكن حصرها.. ومع ذلك يمكننا القول في هذه العجالة أن من أبرز تلك الآثار هو التخلي عن ثقافة عبادة الفرد التي أبتليت بها ثقافتنا الوطنية في العقود السابقة، بالرغم من أن ثقافة عبادة الفرد ليست أصيلة في سياق الثقافة العراقية، كذلك سقوط مفهوم المركز في الثقافة العراقية، حيث تشهد هذه الثقافة اليوم في مختلف المدن العراقية حراكاً نشيطاً تدعمه منظمات مدنية وجهود شخصية مختلفة..ومن الآثار الكبرى لحدث التاسع من نيسان أيضاً محاولة الثقافة العراقية اجتراح صياغة جديدة للعلاقة بين المثقف والسلطة من جهة والمثقف والمواطن من جهة ثانية، فلقد شهدت مثل هذه العلاقات سوء فهم مزمن على الدوام ولقد آن لهذه الاشكالية أن تحل..
أننا اليوم بصدد تأسيس الكثير من البنى العراقية، وليست الثقافة ببعيدة عن تلك البنى، بمعنى أننا مدعوون اليوم للإفادة من إخفاقات الماضي بمجملها والخروج بمشروع وطني للثقافة العراقية يخلصها من الكثير مما علق بها من أمراض وعلل، سواء أجاءت تلك العلل عن طريق هيمنة الفكر الديكتاتوري في العقود الأخيرة أو عن طريق ثقافة عبادة الأشخاص التي للأسف الشديد يبدو أنها متأصلة في نفس الفرد العراقي فهي دائماً ما تبحث عن رمز/ سياسي، ديني، مناطقي ألخ لعبادته واعتباره بديلاً أو مخلصاً، وما لم يتحرر الفرد العراقي من مثل هذه الأمراض فإن انعكاسها المباشر على النتاج الثقافي يبدو أمراً لا مناص منه..
لقد شهدنا في السنوات التالية لسقوط الديكتاتورية ظهور تيارات ثقافية جديدة ومختلفة، وكذلك ظواهر تؤشر بمجملها إلى إدانة الثقافة التابعة القانعة ورموزها وتعلي من شأن الثقافة البيضاء، إذا جاز التعبير، تلك التي تشيد بدور الانسان الحضاري ورغبته في التحرر.. ولقد كان من نتاج ذلك أن وجد العديد من المثقفين العراقيين من الذين كانوا محسوبين على ثقافة الديكتاتورية ونظمها الإعلامية أنفسهم في المنفى الجديد المتشكل الآن، وكنا نعتقد أن حدث التغيير الجبار كان سيوفر لنا فرصة مكاشفات ثقافية نحن أحوج ما نكون إليها لتجاوز الماضي والشروع بإعادة إعمار بنى الثقافة التحتية لا تأسيس منفى جديد وكأن قدر الثقافة العراقية أن تعيش بين ضفتي النفي والوطن..
لقد تكرس مفهوم التعددية الثقافية في العراق من خلال العديد من التمظهرات التي لا يمكن إغفالها، ومن ذلك جهود ما أصبح يطلق عليه منظمات المجتمع المدني في العراق.. وهي منظمات تجد آثارها التي لا تغفلها العين في العديد من مناطق البلاد، حتى الشاسعة والبعيدة منها، ويبدو نتاج هذه المنظمات والعاملين فيها، وهو نشاط بعيد تماماً عن أي سلطة رقابية للدولة، ونقصد بالتحديد الرقابة الفكرية، ما يمنح عمل تلك المنظمات والشخصيات قدراً رائعاً من الحرية.. حرية هي بصدد أن تكون مثالاً لأهمية العمل غير المؤسساتي في الثقافة العراقية..
وإذا ما ذهبنا أبعد في تحليل دور المنظمات غير الحكومية في العراق فسنصل حتماً إلى الجهد الكبير الذي تبديه مؤسسة المدى للثقافة والفنون والإعلام في العراق، على سبيل المثال لا الحصر، وهي مؤسسة تقيم العديد من الفعاليات الثقافية الكبرى داخل العراق ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أسبوع المدى الثقافي، أيام المدى، ومعرض الكتاب ألخ.. وبالعودة غلى استذكار مرحلة ما قبل التاسع من نيسان سنجد أن الجهد الثقافي كان على الدوام يمثل حصة الدولة ومؤسساتها ومن الإستحالة الخروج على ذلك فما بالك بالخروج على أفكار الدولة؟؟
إن تعدد الأقنية الإعلامية في العراق اليوم يعد ولا شك من ثمار حرية ما بعد الديكتاتورية، حيث صار الوصول إلى الخبر العراقي سهلاً وممكناً بعد أن كان محاطاً بالعشرات من الأسوار والألغام ما ضيق من آفاق الفرد العراقي وتطلعه للمعرفة، هكذا أفاد المثقف العراقي من ثورة تقنية المعلومات التي شملت العراق أخيراً فأصبح جزءاً من القرية العالمية بعد أن كان خارجها..
على أن من أبرز الآثار السلبية التي أثرت على الثقافة العراقية في هذه السنوات هو شيوع الثقافة الدينية، أو تلك المتعكزة عليها، وهي قضية معروف تماماً مبرر وجودها، وصلاحيتها، وفعاليتها.. ولعلنا نأمل بأن يكيف المثقف العراقي الحر ذلك لصالح الثقافة الوطنية بأن يخرجها من الطبيعة المنبرية لصالح التأملية، ولقد شهد العالم على الدوام ما يشبه تلك المحاولة الجادة والرصينة للإادة من االعمق الروحي للدين في إنضاج ثقافة متسامحة وحميمة وإنسانية.
وتبدو مشكلة الفنون الجماعية في العراق المشكلة الأبرز في عراق ما بعد الديكتاتورية وذلك بسبب من حاجة تلك الفنون للإمكانيات والقاعات وأمكنة العرض والتدريب مما هو غير متوفر اليوم بسبب جملة من الأمور لعل في مقدمتها الظرف الأمني العراقي غير المستقر.
نستطيع القول، أخيراً، بأن مبعث تفاؤلنا المنبثق من تحت ركام الديكتاتورية يعود إلى جملة واحدة فقط تتلخص بالخلاص من عقدة الفكرة الواحدة التي هيمنت على ثقافتنا الوطنية لعقود وعقود..
****