مشكلة الفنون الجماعية في عراق ما بعد الحرب

 


تبدو فترة الأشهر الستة الماضية التي تلت سقوط النظام العراقي كافية إلى حد ما لفحص وقراءة النتاج الثقافي في هذا البلد الذي عانى كثيراً من عقود التسلط وثقافة الصوت الواحد.. وقد تجلت بوادر الانتقال إلى مرحلة التعددية الثقافية في العراق بعد التاسع من ابريل (نيسان) الماضي بعودة أعداد لا بأس بها من المثقفين المنفيين وكذلك في صدور عشرات الصحف الجديدة التي تعبر بشكل دقيق عن طبيعة التنوع الثقافي في العراق، فيما شكل قيام وزارة جديدة للثقافة في العراق مؤشراً لافتاً على حيوية حضور الثقافة في هذا البلد الذي شهد ولادة الأبجدية الأولى علاوة على كونه اشتهر بتصدير العديد من ثورات الأدب والفنون العربية المعاصرة.
على أن ذلك كله لم يصل إلى المستوى المرجو من الثقافة العراقية، خاصة ما يتعلق بالفنون الجماعية كالمسرح والسينما والتلفزيون والموسيقى والغناء.
لقد تحققت بالفعل نجاحات محسوبة في قطاعات ثقافية مهمة، تقف الصحافة على رأسها، وكذلك ما خص ترتيب البيت الثقافي من الداخل، اتحاد الأدباء ونقابة الصحافيين على وجه الخصوص، وأولت الصحف المحلية الصادرة بعد سقوط النظام السابق أهمية ملحوظة للنتاج الثقافي العراقي بضفتيه القادمة من خارج الحدود أو التي تعيش تحت لهيب النار، والذي يطلع على الصفحات الثقافية للصحف العراقية اليوم يطلع على تجارب لافتة في الشعر والقصة والنقد أيضا، ناهيك من فن المقالة الذي ازدهر بسرعة هو الآخر في العراق الجديد. ونؤشر في هذا السياق ذلك الحضور اللافت لأسماء غابت أو غيبت في العقود السابقة عن مشهد الثقافة العراقية، وهي مؤشرات تدلل بوضوح على عافية هذا المشهد الذي يراد منه الكثير.
إن مشكلة الفنون الجماعية تنحصر بخاصيتها الجماعية بشكل خاص، فانتاج مسرحية واحدة يتطلب تضافر جهود العشرات من ذوي الاختصاص، وتجميع هؤلاء ليس بالمهمة السهلة في العراق اليوم، بالرغم من قيام عدد محمود من أهل الحرفة بتجميع شتات بعضهم في دائرة المسارح العريقة في بغداد. على أن هؤلاء لم يستطيعوا لحد الآن تقديم ولو نتاج واحد يضعهم في مركز الحدث والمشهد كما كانوا على الدوام. وفي هذا السياق تبدو مهمة السينما أشد تعقيداً بسبب ندرة المواد الخام اللازمة للانتاج السينمائي، وهي مشكلة كانت السينما العراقية تعاني منها منذ عقود، حتى أيام الرخاء النسبي، فقد كانت المواد الخام التي تصل إلى العراق تذهب لانتاج أفلام مخطط لها من قبل النظام العراقي وتصرف لها ميزانيات ضخمة، فيما الحديث عن محطة تلفزيونية وما يتبعها من نتاج تلفزيوني درامي أو برامجي أصبح اليوم في حكم النكتة، فالجميع لا يعرف سبباً واضحاً لتلكؤ إدارة الاحتلال ومجلس الحكم العراقي في إطلاق قناة تلفزيونية عراقية جديدة تلم عندها المئات من الكوادر الاعلامية التلفزيونية العراقية التي كانت تعمل في ثلاث محطات تلفزيونية أيام الحكم السابق: (تلفزيون بغداد ، الشباب وقناة العراق الفضائية).
وإذا كان ثمة صوت يبرر غياب الفنون العراقية عن عدد من المهرجانات التخصصية المقامة أخيراً في عدد من العواصم العربية (قرطاج والقاهرة وأبوظبي) على اعتبار أن لهذا الغياب أسبابه الواقعية، فإن حضوراً لافتاً لمجامع عمل عراقية أخرى سوف يدحض مثل هذه التبريرات ، وليست النجاحات التي حققتها الفرق الرياضية العراقية بعد سقوط الصنم بمثال مفبرك هنا على أية حال.
في الوضع العراقي المعاصر يبدو سهلاً أن تنظم أمسية شعرية أو ندوة ثقافية أو معرض مشترك لعدد كبير من الرسامين العراقيين، ولكن العمل على تنظيم مهرجان مسرحي يبدو من الصعوبة بمكان، اذ أن ما كان مقرراً له قد تم تأجيله مرات عديدة، بالرغم من أن المهرجان المزمع عقده سوف يكون بمشاركة عدد من المسرحيات التي كانت قد أنتجت قبل حرب إسقاط نظام صدام بشهور. وإذا كان واحد من المسرحيين الشباب قد غامر فقدم مسرحية مرتجلة أعقبت بأسابيع انتهاء الحرب فإن ذلك لا يعني البتة تواصل النشاط المسرحي العراقي. وفي الحقيقة، نحن نقرأ هنا وهناك عن وجود تمارين مسرحية لأكثر من عرض، ولكن لحد الآن تبدو هذه الأخبار للترويج الإعلامي ليس إلا.. لقد نالت المؤسسات الفنية العراقية نصيبها من الإهمال، ومن السرقة أيضاً ما يتطلب مراجعة جادة لانقاذها من الشلل الذي أصابها.
إن النشاط المرتقب للفرقة السيمفونية الوطنية العراقية في واشنطن لم يكن ليتم لولا مواظبة أعضاء الفرقة وبعض الحظ أيضاً الذي سمح لنجوم الفن الأمريكي بالإطلاع على تجربة الفرقة في العراق.. ويبدو أن على أهل المسرح العراقي القيام بنشاطات مماثلة تجلب الأضواء إليهم وتزيح عنهم سنوات طويلة من التعتيم والتهميش.
في السينما بدت تجربة أحد السينمائيين العراقيين الشباب غريبة إلى حد ما وهو يحاول أن يطل، ومجموعته المسماة «ناجون» من ثقب الأمل الصغير لينجز فيلماً قصيراً يواكب لحظة سقوط الصنم العراقي.
حشد كبير من الفنانين العراقيين عرف طريقه بعد التاسع من ابريل (نيسان) إلى خارج العراق، وممثلون ومطربون وشعراء أغنية وفنيون ومخرجون أيضاً. هذه الهجرة السريعة تطرح تساؤلات جدية عن سببها، وعن مواءمة العراق الجديد للانتاج الفني الجماعي، وعن المشاريع الثقافية التي تطرحها الأحزاب والحركات والتنظيمات العاملة في العراق بما في ذلك مجلس الجكم المؤقت ووزارة ثقافته. ليس الالتفات إلى الفنون العراقية في هذه المرحلة يمثل ترفاً بمواجهة القنابل الموقوتة والسيارات المفخخة، بل العكس هو الصحيح، ولطالما كانت الفنون الجماعية العراقية تقدم انتاجها بالرغم من الشروط الفنية الصعبة جداً والتي كانت تحيط بها أيام الحكم السابق، وكنا نرى في ذلك النتاج قدرة ملحوظة على التحدي، تحدي الفنان العراقي لقائمة لا حصر لها من الممنوعات المحلية والخارجية.
اليوم وقد سقطت أنواع القوائم التي كانت تعيق عمل الفنان العراقي، تصبح مطالبة هذا الفنان بالعمل واجبة، وكذلك الجهات ذات العلاقة، حتى لا يتعطل الفنان العراقي عن مواجهة آخر الحروب التي يخوضها العراقيون جميعاً، وهي حرب نيل الحرية.


************

الشرق الأوسط في 7 نوفمبر تشرين الثاني 2003

 

 مقالات في الشأن الثقافي