جيمي فوكس الفائز بأوسكار التمثيل عن شخصية راي تشارلز
من الذي جسّد شخصية من؟
يبدو فيلم راي(Ray) للوهلة الأولى فيلماً من نمط أفلام السيرة، بل أن الكثير من المراقبين يتساءل عن الفترة التي أنجز فيها فيلم عن شخصية مغني أسود توفي في العام 2004 بعد حياة حافلة بالجوع والمرض ثم الثراء والنجومية. ولكن فيلم راي بمهارت ممثله جيمي فوكس وحيوية قصته ودقة إخراجه ينجح في تقديم وجبة سينمائية مثيرة تشد مشاهدها منذ المشاهد الأولى وحتى نهاية الفيلم. على أن ثمة ما يربط بين الشخصيتين أدى إلى هذا النجاح الباهر المكلل بأوسكار التمثيل للعام الحالي، ونقصد بالشخصيتين شخصية الممثل جيمي فوكس وشخصية المطرب الراحل راي تشارلز.
نتعرف في سياق موضوعة الفيلم على شخصية المطرب الأمريكي الزنجي راي تشارلز منذ طفولته وحتى وفاته. ومن ذلك المآسي الكبرى التي مرّ بها في طفولته التراجيدية العظيمة عندما يرى والدته تغسل ملاءات العوائل مقابل ثمن بخس فيما يلهو وأخيه الصغير حافيان في الحقول، وتحين أكبر مآسي راي، والتي ستؤثر فيما بعد على مجمل حياته عندما يرى أخيه الصغير وهو يسقط في حوض الماء الساخن الذي تستخدمه أمهما في غسيل الملابس، فيموت الصغير أمام عينيه وهو يظن أنها مجرد مزحة.. يدفن الطفل في مقبرة محلية ليمضي راي ساعاته الآن محبطاً وحيداً بعد أن رحل أنيسه فما يلبث حتى يصاب بالعمى التدريجي وتجتهد والدته في أن تكابر على ألمها لما حل بولدها فتشعره بغيابها عنه من أجل دفعه للاعتماد على نفسه في مواجهة اللون الأسود الذي يحيط به. كان راي الصغير يسرق بعض الوقت كل يوم للذهاب إلى عازف البيانو العجوز من أجل أن يحظى ببعض التعليم على هذه الالة الموسيقية المحببة إلى نفسه. يكبر راي وفي نفسه عدد من المتناقضات: صورة أخيه وهو يغرق في حوض الغسيل الساخن وولعه الذي لا حد له بالموسيقي، ولأنه رجل أعمى فقد كان يظن كثيرون أن سرقة حقوقه أمر هين، ولكنه في كل مرة يثبت أن له بصيرة أقوى من البصر. يبدأ راي في تناول المخدرات بعد أن تستحكم في نفسه صور أخيه الميت على شكل كوابيس مفزعة أو رؤى دائمة فلا يجد بداً من الهروب منها بتناول العقاقير المخدرة والتي ماكانت لتمنعه من مواصلة الصعود عازفا ً ومطربا ً ولكن مشكلة إدمانه المخدرات تظل تلاحقه ولكن قانونيا ً هذه المرّة حيث يقع ضحية أحابيل الحساد والكارهين الذين يوشون به مّرة ومرتين للسلطات ما يفضي به وهو في عز نجوميته إلى مستشفى مكافحة الإدمان إذ يمضي هناك سنوات طويلة تصل إلى عشرين عاماً يعود بعدها شخصا ً جديدا ً لجمهوره وعشاقه. وبالرغم من أن راي تزوج من فتاة أحبها بصدق وأنجب منها ولكنه ظل على الوام زير نساء.
هذا الملخص غير الأمين للفيلم، يلقي الضوء المناسب على الشخصية التي لعبها الممثل الأسود جيمي فوكس(37) عاما ً. ويبدو فوكس في كثير من محطات حياته وكأنه نسخة من الشخصية التي يلعبها: راي تشارلز. فهو عاش طفولته محروما ً من والديه حيث تكفلت جدته بتربيته، ومثلما تدرب راي على البيانو في سن طفولته على يد شيخ أسود فقد تدرب فوكس على البيانو منذ طفولته على يد جدته، تلك الجدة التي كانت تبكي ثم تشتكيه عند الله، عندما يتجاهل إلحاحها في أن يتدرب أمامها على العزف على البيانو، وتطبيق ماتعلمه صباحًا في المدرسة، فهي لا تستطيع ان تضرب حفيدها المراهق مفتول العضلات، كانت تضرب رأسها في الحائط احتجاجًا، حتى يبكيا سويًا، ثم تنطلق أصابعه العشرة على البيانو رأفة بحالهما. كما قال هو شخصيا ً. وإذ سطع نجم راي مطربا ً لما يسمى بأغاني البلوز إضافة لعزفه الماهر عل آلة البيانو فإن فوكس سطع نجمه ممثلا ً وها هو اليوم واحد من نجوم الصف الأول بعد حصوله على الأوسكار، إضافة لكونه يجيد العزف والغناء أيضا ً. وإذ كانت البدايات التعيسة والفقر الشديد يمثلان محطة راي الأولى فإن محطة فوكس لم تكن لتختلف كثيرا ً، حيث ذكرت بعض التقارير أنه كان يبيع الأحذية في لوس آنجلوس قبل أن يحصل على أدوار صغيرة في هوليوود تسلقها حتى صعد للمنصة المذهبة .لقد كان جيمي فوكس الأكثر وضوحًا عندما تكلم عن والديه اللذين تركاه عند جدته بعد 7 شهور من انجابه ويحاولان الآن استعادة علاقتهما به.
دخل فوكس الى جامعة سان دييغو في كاليفورنيا لدراسة الموسيقى الا انه ما لبث ان انتقل لدراسة التمثيل. ومنذ وصوله الى لوس انجليس عام 1989، بدأ فوكس يقدم عروضاً في ملاهي الفن الاستعراضي. وعام 1991، احرز مسابقة للتمثيل في اوكلاند (كاليفورنيا) قبل ان ينضم الى فرقة استعراض المنوعات الذي حمل عنوان بالالوان الحية والذي كان يقدم من على شبكة فوكس التلفزيونية، ولعب في هذا الاستعراض دور امرأة تدعى وندا. وعام 1992، لعب دوره السينمائي الاول الى جانب روبن وليامز في فيلم "تويز"، لكنه استمر في التمثيل التلفزيوني.
لم تكن بدايات جيمي فوكس مؤثرة إذن، فهو من نوادي الملاهي إلى ادوار مختلفة صغيرة وصولاً إلى بعض الأدوار الأساسية كما هو الحال في فيلم جهنم الأحد مع المخرج أوليفر ستون الذي أنتج عام 1999ويمكن عد هذا الفيلم بداية انطلاقته السينمائية ولكنه اشترك فيما بعد بعدد من الأفلام المهمة التي وضعت قدمه على الطريق الصحيح ومنها دوره في فيلم Ali الذي يحكي قصة حياة الملاكم الشهير محمد علي كلاي، والذي أنتج في العام 2001 ولعب شخصية كلاي فيه الممثل وليام سميث وأخرج الفيلم مايكل مان. ثم بعده بسنوات اشترك فوكس في أداء الدور الثاني في فيلم المصاحب Collateral حيث يقوم النجم توم كروز بلعب دور شخص مضطرب نفسياً، يقوم باختطاف سيارة تاكسي ليلة واحدة من أجل تنفيذ عملية قتل؛ ولم يكن سائق التاكسي هذه غير جيمي فوكس ، والفيلم من إخراج مايكل مان أيضا ً وقد أنتج في العام الماضي. جدير بالذكر هنا أن فيلم المصاحب قد حقق إيرادات عالية جدا ً وصلت إلى 24.4 مليون دولار أمريكي بعد أسبوع واحد من عرضه، وبالطبع فقد لعبت نجومية كروز دوراً في تحقيق هذا النجاح.
كانت بدايات فوكس قد انطلقت حقاً منذ منتصف الثمانينيات ولكنه ومع بداية عقد التسعينيات في القرن الماضي بدأ يشارك في عدد من البرامج التلفزيونية كما مثل في مسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية لم تبرز مواهبه كلها بالرغم من إجادته العزف على البيانو والغناء والتمثيل. ومن ذلك البرنامج التلفزيوني الذي كان يعده ويقدمه وحمل عنوان The Jamie Foxx Show وقد أنتج في العالم 1996 ثم برنامج I Might Need Security في العام 2002 . ولكنه في العام 2003 يشترك في فيلم بعنوان shade لم يظهر أسمه إلا بالترتيب السابع بين ممثلي الفيلم.
وإذ كان جيمي فوكس متمكنا ً للغاية في تجسيده شخصية المطرب ومدمن المخدرات وزير النساء وأسطورة الموسيقى راي تشارلز فأنه كان قد جاء إلى هذا الدور محملاً بالعدة اللازمة لتمثيله، فجيمي ليس مجرد ممثل، بل هو عازف ومطرب أيضا ً، ثم إنه التقى راي في أواخر أيام هذا الأخير وامضى قبل تصوير الفيلم اوقاتاً كثيرة مع المغني الذي توفي في حزيران 2004. وتمكن فوكس من الفوز بثقة ومباركة تشارلز بعد ان امتحن هذا الاخير موهبته في عزف البيانو. ولتجسيد دور تشارلز الاعمى، وضع فوكس جفنين اصطناعيين وكان يمضي ساعات في الظلام لكي يرى العالم في عيني شخص اعمى.
ليس من السهولة تقمص صفات شخصية راي المضطربة، ولكن جيمي فعلها حتى في طريقة التدخين والإعوجاج بالمشي و مغازلة النساء والضرب على مفاتيح البيانو، إن مشاهد الفيلم ليخرج بانطباع مفاده أن جيمي يمثل في الحقيقة شخصيته هو تدعمه في ذلك مهاراته في العزف والغناء بالإضافة إلى سطوع الحضور وبراعته في الأداء.
والفيلم يمثل عودة محمودة إلى أفلام الموسيقى والغناء، وبالطبع فإن حبكة سينمائية مبنية بالأساس على سيرة مطرب قد تقود الفيلم إلى النجاح ولكن ما وفر حظوظا ً أخرى لنجاح هذا الفيلم كانت في شخصية راي نفسه، فبالإضافة لكونه أعمى، وهذه وحدها كافية لانتاج عدد كبير من المشاهد الدرامية المحبوكة، فإن راي كان يمتاز على الدوام بحياة غير طبيعية حتى وهو في أوج مجده. أما بطل الفيلم فقد تماهى كثيرا ً وشخصية راي ولا غرابة أن يشير النقاد إلى الطريقة الكاريزمية التي وفق فوكس في تقديمها إلى الجمهور. وخلال زمن الفيلم سنصادف الكثير من المشاهد المشغولة بعناية فائقة، مثل مشاهد ولادات بعض أغاني راي، وكذلك إدخاله للجوقة في أغنياته ثم ذلك الحوار السرّي بين المغني والملحن من جهة وإحدى منشدات جوقته من جهة ثانية، حوار ينتج فيما بعد أغان تمثل تيارات في الموسيقى العالمية وهو بالكاد حوار في الوجدان والأحاسيس بين عيني المنشدة وصوتها وبين بصيرة راي وحدسه. ويتألق فوكس كثيرا ً وهو يتقمص اضطرابات راي النفسية وانسحاقه تحت وقع الكوابيس اللعينة عن موت أخيه بالرغم من أنه لا دخل له بتلك الميتة المأساوية فتراه يعتمد على ما يمكن أن يمنحه ميمياء الوجه بعد أن غاب اي اثر للعينين. ومعروف أن اللقطة القريبة في السينما إنما تؤثر فيها كثيرا ً زاوية نظر الممثل أو بالأحرى اشتغاله بعينيه، ولكن فوكس كان مجبرا ً على وضع جفنين اصطناعيين ليوحي بعمى الشخصية التي لعبها إضافة إلى ارتداءه نظارات سوداء سميكة في أغلب مشاهد الفيلم. ويبدو الأداء المتقن لأغنيات راي من قبل فوكس وكأنها أغنياته هو، نشعر بذلك من خلال رهافة الأداء والعشق الواضح بين أصابع الممثل ومفاتيح آلة البيانو، كما نلحظ ذلك جلياً في التعبير الخارجي للمثل وهو يغني في حفل عام.
إن فيلم راي قدم لنا أسطورة الغناء المعاصر راي تشارلز من جهة ومن جهة ثانية ذلك الممثل البارع الذي يجيد منحنا الابتسامة كما يجبرنا على الصمت والانفعال وربما البكاء في لحظات معينة، وبعد هذا وذاك يصح أن نطرح سؤال من الذي جسّد شخصية من في هذا الفيلم؟
وقبل حصوله على الأوسكار كان جيمي فوكس قد حصد أبرز جوائز الموسم وهي: جائزة نقابة
ممثلي السينما الأمريكية "Guild Award
لأحسن ممثل، في فيلم "راي" Ray
فيما حصل على جائزة أفضل ممثل مناصفة
والممثل ليناردو دي كباريو في إعلان نتائج حفل الدورة الثانية والستين لجوائز غولدن
غلوب، ومعروف أن جوائز غولدن غلوب
تحتل الدرجة الثانية في الأهمية بعد جائزة الأوسكار
وتعتبر إضاءة مسبقة على ما سيكون
الحال عليه مع جوائز الأوسكار. كان جيمي قد ترشح على جائزة أفضل ممثل عن دوره في
راي، و نال أيضا
ترشيحات لأفضل ممثل مساعد عن أدائه في
فيلم Collateral
وأفضل ممثل في السلسلة
التلفزيونية
Redemption.. وفوكس هو أول ممثل يرشح لثلاث ترشيحات معا في نفس العام.
كما حصل جيمي فوكس على جائزة الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون التي
تعد أساسية قبل حفل الأوسكار، وقد غاب فوكس عن حفل الأكاديمية هذا ، ثم توج ذلك كله
بالجائزة الكبرى، جائزة الأوسكار.
وعند تسلمه التمثال الذهبي ظهر فوكس متأثراً جداً واغرورقت عيناه بالدموع وتذكر
جدته التي قال انها كانت معلمته الاولى في فن التمثيل. وأضاف "ما زالت تكلمني
وتعطيني النصح، تخاطبني في الحلم ولن أتأخر قبل ان اذهب لأنام لأن لدينا الكثير
لنقوله هذه الليلة".
أما راي تشارلز فقد حصد أهم جوائز مهرجان غرامي الموسيقي
السنوي السابع والأربعين عندما نال جائزتين عن أبرز الفئات بالرغم من وفاته العام
الماضي وطغى حضور المغني ولاعب البيانو على الحفل، حيث قام في بداية الحفل، كل من
الممثل جيمي فوكس برفقة المغنية أليشيا كيز بأداء إحدى اغنياته.
بقي أن نشير إلى أن فيلم Ray هو من إخراج تايلور هاكفورد Taylor Hackford. وانتاج 2004 ولعب أدوار البطولة فيه بالإضافة إلى جيمي فوكس كل من كيري واشنطن وريجينا كنغ.
**************