((هذا خبز)).. والوجه الأسود للحصار

عبد الزهرة زكي *

 


كانت المرة الأولى، وهي الأخيرة أيضاً، التي شاركت فيها في أعمال مهرجان المربد في عام 1997.. حين اتصل بي هاتفياً الصديق الناقد طراد الكبيسي وطلب مني الإسهام بشهادة عن تجربتي في "الشعر والحصار" لأقرأها في الحلقة الدراسية التي تصاحب المربد الشعري عادة.
قال لي: ستكون الجلسة الأولى من الحلقة عن هذا الموضوع، وقد أرتأيت أن تكون الشهادة الشعرية في تلك الجلسة لك. لم يكن صعباً أن أصارح طراد، كان بيننا من الثقة ما يكفي لأن نتفاهم بوضوح في نحس تلك السنوات التي عادةً ما يذهب الناس فيها ضحايا ثقة في غير محلها.
قلت له: سأكتب عن تجربة كتابة قصيدتي "هذا خبز"! كنت أدرك حساسية تعامل هذه القصيدة مع موضوعة الحصار، فوجدت أن من المسؤولية الأخلاقية (في تلك الظروف) أن لا أتسبب في إحراج الصديق الناقد الذي كان يشرف على الحلقة الدراسية في ذلك العام. فاجأني جواب طراد حين قال لي: هذا ما أريده، وإلا كيف تكتب شهادة من دون الاعتماد على "هذا خبز"؟ مشيراً إلى أن القصيدة نشرت وكتب عنها الكثير، ولا مبرر للتحرج.
نعم، كنت قد نشرت القصيدة في جريدة الجمهورية، ولكني لم أكن أجد الجرأة على نشرها إلا بعد مرور ستة أشهر على كتابتها، حين زارني الصديق الشاعر عبد الخالق كيطان في الجريدة وأطلعته على مسودة القصيدة، شجعني وأجابني "أغمض عينيك وانشرها" حين قلت له: أخاف من نشرها.
أعرف تماماً أن السلطات الأمنية لم يكن لها أن تشغل نفسها بتحليل مؤدى ومضامين نص حديث لا يتعرض بشكل مباشر وصريح للسلطة، وإن كانت تلك السلطات ترتب (مواقف) تظل محفوظة إزاء أعمال أدبية مقلقة، بفعل عدم وضوحها بما يكفي حتى تطمئن على (سلامة) موقف الكتاب والشعراء. إن الأديب الموالي واضح، لكن (المريب) وحده من يحيط عمله بغلالة من عدم الوضوح، وإلا ما حاجة الموالي إلى عدم الوضوح، إن الطبيعة النفعية لكتابة الموالي تفرض نوعها ومواصفاتها على تلك الكتابة حتى تؤدي غرضها بشكل مباشر وتصل إلى هدفها بأيسر الطرق وأكثرها ربحية، لقد قال صدام مرة (نريد فناً لا يفسره لنا الآخرون)، ولكن حتى قبل قولته هذه كان قد أدرك من أراد أن يدرك فحوى الرسالة، فتوفر (أدب وفن) يكفيان لتأمين متطلباتها، ويكفيان أيضاً لأن يوضع الأدب (غير الواضح) في دائرة الارتياب. وفي الحقيقة، لم يكن هذا الأدب غير الواضح، هو ذاته موضع شبهة أو ارتياب. ذلك أن الكثير من هذا الأدب لا صلة له بالسياسة وأغراضها، ولكن مؤلفي هذا الأدب، مهما اختلفت أغراضهم وموضوعاتهم، هم جميعاً باتوا موضع قلق وشك دائمين. إن لا تكون واضحاً في ولائك يعني أنك تضمر شيئاً ما. السلطة المستبدة هي الأخرى مثلما السلطات الديمقراطية تؤمن بالشفافية، وذلك في معرض حاجتها إلى مواطنين شفافين.
كان مبعث خوفي من نشر "هذا خبز" هو موقف القصيدة التي تحمل السلطة وطغيانها مسؤولية اختفاء الخبز (الجوع). لقد كتبتها تحت ضغط حقيقة اختفاء الخبز عن عائلتي. في صباح يوم جمعة من عام 1996 كنت في البيت، حين سمعت جارة لنا عند الباب تطلب من زوجتي طحينا، وسمعت زوجتي تطلب منها أن تخفض صوتها حتى لا أعرف إننا أيضاً لا نملك طحيناً، ليس بمقدوري توفيره، أغلقت باب الغرفة وجلست اكتب بحدود عشر ساعات، أنجزت فيها كتابه "هذا خبز".
في جو صارخ في صدقه ومعاناته وألمه، لم يكن لهذه القصيدة أن توارب وأن تخاتل. ولكن أمر الكتابة شيء، فيما النشر شيء آخر، لذلك ترددت في نشرها حتى حلت غواية عبد الخالق كيطان.
بعد يومين من نشر "هذا خبز" جاءتني في الجريدة قصة قصيرة للصديق الكاتب حسب الله يحيى مرفقة برسالة تحية تقول: إن من يجد الجرأة لنشر "هذا خبز" مطالب بنشر هذه القصة. ثم تتالت أعمال عدد من الشعراء والكتاب التي كانت تحتج وتتذمر وتصرح كان يكفي لهذا خبز ولتلك الأعمال أن تصرخ وتتذكر لتصبح محل انزعاج السلطات، تلك الأعمال نشرت في "الجمهورية" وأماكن أخرى. ولم يتوقف هذا النشر إلا بعد أشهر حين صدرت (توجيهات) صريحة بالامتناع عن نشر الأعمال الأدبية التي تتناول "الجانب الأسود" من الحصار. لقد منعت جلسة نقدية عن مجموعة الشاعر الراحل رعد عبد القادر "دع البلبل يتعجب" قبل ساعات من موعد إقامتها في اتحاد الأدباء بناء على "تحذير" يقول إن هذه المجموعة مكرسة للحديث عن "الوجه الأسود" من الحصار!
لم اكتب ورقة الشهادة اللازمة لجلسة افتتاح حلقة المربد الدراسية إلا قبل يومين من موعد الجلسة. لقد كان الحديث عن الحصار يضع المثقف المتحدث أمام مشكلات كثيرة، منها مثلاً إنك لا تستطيع أن تعبر عن حقيقة تؤمن بها تذهب إلى المسؤولية المشتركة بين الأمريكان ونظام صدام حسين إزاء حجم ما تعرض له العراقيون. لقد فرض الأمريكان ومعهم المجتمع الدولي حصاراً قاسياً نال من الشعب واستخدمه صدام بابشع أشكال الاستخدام ضد الشعب، مثلما سوقه إعلامياً وسياسياً وسوق معه معاناة الملايين لمصلحة أهداف السلطة في الاستمرار والبقاء.. هذه القناعة لم يكن ممكناً التعبير عنها بفعل ازدواج المسؤولية (أمريكا + صدام). إن قول إنصاف الحقائق هي في معظم الأحيان تشويه للحقائق أكثر فظاظة وزيفاً من الصمت على الحقيقة.
الشعر يساعد على قول ما لم تستطع قوله.. وكتابة شهادة هي عمل آخر غير الشعر، لذلك قررت عدم الكتابة عن تجربة كتابة "هذا خبز"، وأنجزت ورقة بعنوان "الجسد يتحرر"، تحدثت فيها عن الشعر في مواجهة الحصار بوصف هذا الحصار أزمة وجودية، بقي الشعراء يرزحون تحت وطأتها عبر وجودهم في التاريخ، وبقيت عامل توليد شعري هي في اندر حالات الكتابة الشعرية وأعظمها.. هذه الورقة بدت مزعجة أيضاً من حيث إنها لم تقدم شيئاً يستحق لهدف إعلامي تتحراه السلطات في مثل هذه الحالات.
ولكن أسعفتني الأقدار حين تفاديت الكتابة عن تجربة "هذا خبز" ففي الجلسة نفسها، قرأ الصديق الناقد محمد الجزائري ورقة نقدية عن محور الجلسة "الشعر والحصار"، وانطلق فيها من قصيدة "هذا خبز". لقد فاجأني الجزائري وفاجأ الحضور حين استهل حديثه عن القصيدة بالقول إن هذه القصيدة تدعو إلى تفجير صراع الطبقات وإعلان الثورة وإسقاط سلطة الأميرة. كانت ورقة محمد الجزائري صادمة وصارخة وصريحة في التعبير عن جرأة كاتبها، قبل أن يهاجر بأيام.
كانت العادة تقتضي تسجيل وبث جميع وقائع المربد عبر التلفزيون، لكن وزير الثقافة حين غادر قاعة فندق المنصور ميليا بعد انفضاض الجلسة لم يخف حنقه وانزعاجه وأمر بعدم بث وقائع جلسة افتتاح الحلقة الدراسية التي كرست لـ"الجانب الأسود" من الحصار!

*******

*شاعر عراقي مقيم في بغداد

الصفحة الرئيسة