حرب خلاص

 في ربيع مثل هذا الربيع، وبينما كان المغني الشاب الوسيم يوقع أوتوغرافات الفتيات الناشطات بالمراهقة... كانت بثوبها الوحيد تلوّح لك أن: خلّصني. ولأنك مفتعل تماما ً أدرت وجهك لتكمل سماع الأغنية. ثمة الكثير من المبررات لهذا الوجود القاسي، أما بالنسبة لها، فكان الخلاص في أن تؤجّل مهاراتك في التحشيد ريثما نكبر قليلا ً ثم لترم بنا في البحر. أنا مثلا ً... أملك رصيدا ً غاية في التواضع" صعاليك بغداد ... ألخ" ومن أجل هذا فكرت بأن لا أنتحر الآن، ولكن ماذا تفعل سميرة التي خرجت من حرب قبل سنتين لتعود إلى حرب بدأت مع الولادة؟ ولأن الطرف الآخر في النزاع هو الاشتباك الأقوى لها مع الحياة أصبحت الحياة برجا ً من زجاج فتكاثر الحصى. لماذا أبدو مثل خائن؟ لماذا كلما مشيت أشعر بالإنحسار؟ عندما يحاصر الأول الطرف الآخر في النزاع ويجبرها هذا الأخير على الاستغاثة... ولكن... لا فائدة. إلق ِ بنفسك في الظلام. هكذا يريد الأول. ليلتمع التمركز دائما ً ولنمض ِ فرادى أو جموعا ً إلى الهاوية.

***

في فندق عدنان الحديث أرى أطيافكم يا من رحلتم، أيها الأصدقاء البررة ويا حشود الكلمة ويا.... سميرة. كلهم أحياء إلا أنت ِ. فزعة على رصيف أو باكية على فراش بعشاء!! خلصني يا علي. أدركني يا موسى بن جعفر. لأنها طاهرة مثل أم. ولأنها جميلة مثل أسطورة. ولأنها لا تفهم في الاقتصاد أو السياسة. ولأنها أنثى بين الكواسر. إعتقلها الشارع بتحريض من عدوين، أنت ومن حبلت بها. هل البكاء يكفي؟ هل الألم الذي جعلني مثل عامود تالف يفرّغ من وحشتي وانهياري؟

***

في ربيع مثل هذا البريع، وبينما كان المغني الشاب الوسيم يوقع أوتوغرافات الفتيات الناشطات بالمراهقة بلت عليك. ثم بلت عليك حتى استعنت بآلاف المثانات التي تركتها في الصحراء منذ سنين خلت. ماذا فعلنا من أجل كل هذا الدمار؟ ألأننا أبرياء أرقت علينا سم ّ البداوة؟ ألأننا أطفال بدشاديش مرقّعة بالحنين بصقتنا إلى موت بطيء ؟ ألأننا طريّون حتى في انفعالاتنا سفّهت قصائدنا ومسخت أغنياتنا؟ أخرج يا سيدي أخرج . أخرج.. فما عدت قادرا ً على التحديق في وجهك الذي يملأ الأنفاس. سنخرج بعدك مشوهين من هذه الحرب، ولكنها حرب خلاص.

***

بغداد 1995

صعاليك بغداد