قراءة جمالية في ثلاثة عروض عراقية

 

 منذ اواسط الثمانينيات والمسرح في العراق يتجاذبه اتجاهان رئيسان شكّلا المشهد المميز لهذا المسرح العريق، وبالرغم من افتراق هذين الاتجاهين في الغايات والوسائل، بل في كل شيء، فإنهما ظلاّ يمثلان بنية مهيمنة لأيّ مراقب.. وهذان الاتجاهان هما: المسرح الاستهلاكي والمسرح التجريبي.

المسرح الاستهلاكي

لقد ظهر المسرح الاستهلاكي ويسمّيه آخرون: (التجاري) بمثابة نوع من الترفيه لشعب يخوض حرباً دامية (الحرب العراقية الايرانية 1980 ـ 1988) وشيئاً فشيئاً صار هذا المسرح مصدراً لثراء سريع نزل على أصحابه من خلال الارتفاع المضطرد في نسب جمهوره مما دفع بالمسرحيين من ذوي المواهب المتواضعة والطامعين بالمال والنجومية الى تقديم مسرحيات متتالية لم يكن شعارها غير الاستسهال وتعجّل الوصول الى ذاك الهدف، وبانتقالنا الى عقد التسعينيات الدامي اصبحت الحاجة السايكولوجية والاجتماعية أكثر الحاحاً في طلب هذه المسرحيات الخالية من الفكر والابتكار والمليئة بالضحك على كل شيء والسخرية من أيّ شيء وسط خراب لا مثيل له طال النفوس قبل الرؤوس، وهكذا، وجد المسرح الاستهلاكي الأرض الخصبة التي ينمو بها وينتشر حتى وصل عدد المسارح التي تقدم هذا النموذج يومياً في بغداد وحدها حوالي 25 مسرحاً هي أقرب الى الكباريهات منها الى المسارح خاصة بدخول نجوم الغناء كممثلين في هذه (الحفلات) يقدمون وصلات غنائية بين مشهد (مسرحي) وآخر مثل (غزلان، سعدي الحلي، عبد فلك، المها...) ثم دخول الغجريات من خلال فواصل رقص طويلة داخل العرض الواحد... هذا كله، ساهم في تحويل المسرح من مسرح بالمفاهيم والأطر المعروفة الى مجرّد ملهى ليلي يستعير شكل المسرح قناعاً له!

المسرح التجريبي

 أمّا إتجاه المسرح التجريبي، فلقد كانت مظاهره أقدم من الثمانينيات بكثير، من خلال تجارب الرواد جاسم العبودي وإبراهيم جلال ومن تلاهم مثل سامي عبدالحميد وقاسم محمد وغيرهما... ولكن الثمانينيات كانت ميداناً فعلياً وكبيراً لازدهار المسرحية التجريبية خاصة بعد عودة العديد من الموفدين لدراسة المسرح خارج العراق مثل د. عوني كرومي ود. صلاح القصب ود. عقيل مهدي ود. فاضل خليل وآخرون تلاقحت خبراتهم مع مشهد مسرحي حيوي مثل عزيز خيون وناجي عبدالأمير وشفيق المهدي... هؤلاء وغيرهم، وبالاضافة الى من سبقهم ممن ظل يعمل في الثمانينيات، حملوا لواء التجريب في المسرح العراقي محاطين بحقول الغام عديدة ليس اقلّها سؤال القطيعة الذي بدأت بوادره بالوضوح بين العرض المسرحي وجمهوره، خاصة مع التطرف في التجريب الذي تقصّده بعضهم، على انّ التجريب المسرحي الذي ازدهر في أواسط الثمانينيات كان له مدلوله الرمزي الذي يتمثل في الارتداد الى الداخل ـ الذات مع سيادة نمط الثقافة الاستهلاكية التي كانت مطلوبة تماماً في أعوام الحرب. واذا كان العديد من النقاد والباحثين يؤاخذ مجربي المسرح العراقي بدعوى انهم قاطعوا المتلقي فإننا نذهب الى تأكيد ان هؤلاء قد فتحوا نافذة جديدة في التفكير عبر إعادة قراءات النص المسرحي وصولاً الى قراءة عرض هي أيضا لا نهائية، وبالتالي الاعتماد على تعدد قراءات العرض الواحد وذلك من أهم ما يريد المسرح الجديد تحقيقه... ولكن الأمر في النصف الثاني من العقد الأخير في قرن العراق الماضي كان مغايراً لتلك المقدمات، وهذا ما شكّل مفاجأة وصدمة في الأوساط الثقافية العراقية التي أبهجها نجاح التجربة في الثمانينيات حيث غادر بعض مجرّبي المسرح العراقي الى الخارج وأبرزهم قاسم محمد ود. عوني كرومي وناجي عبد الأمير وشفيق المهدي ود. عقيل مهدي وكريم رشيد... ومن بقي في العراق كان أمر تقديمه لمسرحية جديدة أشبه بالمعجزة! بسبب قساوة الظرف النفسي والاجتماعي والمادي، ولهذا قلّ نتاجهم. وبالرغم من ظهور اسماء جديدة مثل حيدر منعثر وغانم حميد وكاظم النصار وأحمد حسن موسى وعباس الحربي... والذين بدأوا منذ اوائل التسعينيات وقبلها (منعثر مثلاً) إلاّ أنهم لم يستطيعوا إعادة المشهد المسرحي في العراق الى حيويته التي كانت في الثمانينيات برغم محاولاتهم العديدة الجادة، وهكذا تسيّد المسرح الاستهلاكي هذا المشهد ـ وعلينا أن لا نخجل من ذلك ـ على انّ هذا التسيّد لم يكن ليلغي ابداً الالتماعات الذكية التي كان يطلقها التجريبيون بين آونة وأخرى.

 الجنة تفتح أبوابها

في مسرحية (الجنة تفتح أبوابها) يواصل الكاتب العراقي فلاح شاكر مشروعاً مسرحياً كتب فيه (قصة حب معاصرة) اخرجها الفنان الراحل هاني هاني و(مئة عام من المحبة) و(أعالي الحب) وأخرجهما الفنان د. فاضل خليل ومسرحية أخرى لم تأخذ طريقها الى الانجاز لتكتمل بذلك خماسية (الحب والحرب) التي تولّع بها شاكر. وقد عرضت المسرحيات المنجزة خارج العراق بالاضافة الى عرضها على خشبة مسرح الرشيد ـ بغداد، وحازت هذه المسرحيات اعجاباً شديداً. كان فلاح شاكر قبل هذه الخماسية قد انشغل بمشروع الالفيات حيث قدم مسرحيات: (الف قتيل وقتيل، الف رحلة ورحلة، الف حلم وحلم، الف امنية وامنية، وليلة من الف ليلة وليلة) وهي مسرحيات تمثل خماسية ايضا، ولكن بين الخماسيتين فوارق عديدة واضحة. واذا حصرنا الحديث عن مسرحية (الجنة...) فان فصلها عن خماسيتها (الحب والحرب) سيضرّها كثيرا، لأنّ علينا فحص آلية النص المسرحي في خماسية (الحب والحرب) قبل الدخول الى فضاء واحد من النصوص، ونقصد بالآلية المهيمنات الشكلانية والفكرية للنص. ينشغل فلاح شاكر في هذه النصوص على دفق اللغة ـ الحوار تحديداً ـ اكثر من انشغاله بعناصر النص الاخرى: الشخصية، الزمان، المكان، الحدث...، فاللغة هي التي تهيمن على كثافة ورق النص مشكّلة بذلك قصيدة تراجيدية تصلح للقراءة ـ في تقديري ـ أكثر من صلاحيتها للمسرح، ذلك ان المسرح، او (المسرحة، التمسرح) شيء اخر مختلف تماما عن ما يكتب فلاح،  المسرح يتطلب حضور عناصره كلّها دفعة واحدة، وفيه تذوب اللغة ـ الحوار، او بلغة اكثر حيادية، تصبح عنصراً واحداً من مجموعة العناصر، وتهيمن على لغة فلاح شاكر مضمونياً ايديولوجيا واحدة وثابتة وهي (أثر الحرب على المواطن العراقي) حتى ان الكثير من جمل النص تقع أحياناً في (شعاراتية) لا تخفى، وتتعلق موضوعة الخماسية بثنائية (الغياب ـ الحضور) عبر معادلة الأسير العائد، او الحبيب المتخاذل، وان كانت المعادلة الاولى هي الاكثر حضورا هنا كما في مسرحية (مئة عام من المحبة) و(الجنة تفتح...) فيما حضر الحبيب المتخاذل في المسرحيتين الاخريتين، ولكن مع سيادة الخطاب ذاته، وهو خطاب (أثر الحرب على المواطن العراقي)، ولكن ما مشكلة هذا الخطاب في الفحص النقدي؟

تكرار التجربة ينطلق، ضمن هذا الخطاب، من صوت واحد طيلة زمن العرض، انه صوت المؤلف المليء بالعاطفية ـ الغنائية تحديدا، وهو صوت ـ أيضاً ـ مليء باللغة الساردة التي تصل احياناً حد التشخيص المحايث لارض الواقع، بمعنى اخر، فهي لغة لا تتحرر من حدود الواقعة اليومية كما يفترض ان تنطلق الى فضاء عالمي ـ انساني ضمن ما يمكن ان نطلق عليه بـ (النمذجة)، انها تقع اسيرة في واقعها الاصلي، المجرى العلاماتي لها يظل مجرى (مألوفا)، مقروءاً قراءة قبلية لا تفاجئ متلقيها او تثير فيه ما كان يجهله مثلا، ولهذا، فان تكرار التجربة في مسرحية اخرى يفقد هذه اللغة خاصية تواصلها مع المتلقي ذلك ان التكرار غالبا ما يؤدي الى الرتابة والرتابة ضد الانهماك بالتلقي، وما يساهم في تكريس هذا الفهم من تصدى لإخراج مسرحيات فلاح شاكر ومن مثل ادوارها، اذ يشترط المؤلف على مخرجيه وممثليه عدم التلاعب بالنص واعتباره مقدسا، فظهرت العروض الاربعة تابعة تبعية ذليلة لسلطة المؤلف ولم تستطع ابدا انتاج سلطات جديدة للاخراج والتمثيل والتقنيات... ولكن لماذا هذه الاستسلامية للنص؟!، ان المخرج المعاصر هو بالضرورة جرّاح ماهر، يعمل مبضعه على جسد النص مشرّحا ومحلّلا ومؤولاً وباعثاً الحياة في الأعضاء، ما حصل مع نصوص فلاح شاكر ان المخرجين الذين اخرجوها قد أوغلوا في التجاور معها، بل التبعية لها، انطلاقا من هيمنة الخطاب الانفعالي الغنائي للنص ولم تشذّ مسرحية (الجنة تفتح ابوابها) عن هذه التوصيفة... مخرج العرض الفنان محسن العلي مخرج نابه كان له اشتغال ماهر في المسرحية الكوميدية الجماهيرية الناجحة وغير المنحازة لاغراءات المسرح الاستهلاكي، وقد كانت مسرحيته (الباب العالي 97) واحدة من ألذّ المسرحيات التراجيكوميدية وقد امتازت بجرأة جميلة في خطابها الايديولوجي فيما احتفت بنباهة واضحة في شكلها الفني، ولكن المخرج ذاته ينقاد فيفعل كسابقيه ممّن عملوا على مسرحيات فلاح شاكر منطلقين من فرضيات النص، وكذلك يفعل أبطال العرض شذى سالم، محمود ابو العباس ورائد محسن، وكذلك الفنان جواد الشكرجي عندما لعب الشخصية بدلا من (ابو العباس) ، وعلى الرغم من ان هؤلاء الممثلين الاربعة هم من اميز ممثلي المسرح في العراق، الا ان لغة النص قد جرّتهم جرّا مرة أخرى! ساعدهم في ذلك سلبية الاخراج في التعامل معه ثم اللعبة الخطيرة التي يعاني الممثل العربي عموما منها وهي لعبة: التماهي مع الجمهور!

 مسافر زاده الخيال

ينشط الفنان عزيز خيون في تعامله مع الموضوعة المحلية، او لأقل بصورة اوضح معالجته الجمالية للمسرح الشعبي، ولكن تجاربه العديدة في هذا الاطار وأبرزها (لو، مطر يمّه، تقاسيم على نغم النوى ولمن الزهور) لم تسلم من فخاخ عديدة كان خيون هو ذاته من نصبها لنفسه!، اما أبرز هذه الفخاخ ـ في تقديري ـ فهو ذلك المتعلق بالحركة العنيفة المسندة فكريا على الخشبة، حركة تتكئ على (التعزيات) و(تاريخ الندب العراقي) ليصل الامر في مشاهد خاصة الى قمة بكائية سلبية، واذا كان خيون قد لفت الانتباه مرتين: مرة باعتماده الاثر المحلي الذي يمثّل وجع الناس، ومرة ثانية في محاولاته المختبرية لتصعيد هذا الاثر دراميا، فانه من جانب اخر ينتصر دائما للمثل في داخله ويتكشف ذلك في تعامله الصارم، وربما القاسي، مع ممثليه، ولهذا تحفل عروضه المسرحية بانضباط عال لفن الممثل وحضوره على الخشبة. وفي آخر عروضه (مسافر زاده الخيال) يتحرر خيون ـ فجأة ـ من الكثير من تنظيراته، فهو يقصي مثلا الحوار باللهجة العامية لصالح اللغة العربية الفصحى، ثم انه يتكأ على موضوعة مستوردة وليست محلية (النص مأخوذ عن قصة عنبر رقم 6 لتشيكوف)، ويعتني هذه المرة بتأسيس مشهد بصري جمالي محكم البناء ويعتمد على مخيلة فيها شيء من الاسترخاء والتأمل!. موضوعة المسرحية التي أعدتها الفنانة عواطف نعيم تتعلق بمستشفى للمجانين تسرق ادويته من قبل ادارته، ويحاول طبيب نزيه يصل الى المستشفى تعديل الوضع ولكنه يصطدم بشبكة من ذوي المصالح التي تقضي عليه وتحول دون تمكنه من انجاز مهمته الانسانية. واذا كان عزيز خيون المولع بالمحلية ـ كما اشرنا ـ قد قدّم في (مسافر زاده الخيال) نصا غير محلي فانه قد اشتغل عليه الاشتغال المطلوب تماما، عندما حوّل الفجيعة العراقية المعاصرة الى فجيعة كونية من خلال استقدام رموز انسانية وصياغتها في مجرى دلالي ينهل من ارض الواقع العراقي، هذه الشفافية في الصياغة الفكرية والمشهدية هي سرّ نجاح العرض بالرغم من مبدأ التكرار الذي ساد بعض مشاهد العرض، وقد نجح عزيز خيون ايضا في صنع مشهد جمالي صوري متحرك معتمداً في ذلك على اداء تمثيلي متقن لابطال العرض: رائد محسن، ميمون الخالدي، فيصل جواد، عواطف نعيم، عزيز عبد الصاحب، عماد وتوت، الاء حسين ومحمد هاشم. انتجت التشكيلات البصرية للعرض انطلاقا من جسد الممثل اللاعب خاصة في اداء رائد وميمون وليس من خلال الاتكاء على الكتل الديكورية حيث استعاض الاخراج عنها بالقليل من القطع الاكسسوارية والمفردات الديكورية المتحركة كما اسهمت اضاءة الفنان محمد فوزي في الصياغة البصرية للعرض والانشاء السينوغرافي له...

هل يدشّن عزيز خيون بعرض (مسافر زاده الخيال) مرحلة جديدة في مسيرته الاخراجية؟!، العرض يحيلنا الى هذه الفكرة، خاصة التعامل والتعاطي مع الواقعة العراقية المعاصرة بلغة خالية من الهتاف والنحيب لصالح طرح الاسئلة، فأحوج ما نحتاجه اليوم هو السؤال وليس مصول المورفين!.. عزيز خيون يقترب خطوات كبيرة من مكمن الجرح، يقف امامنا، متسائلاً ومحفزاً، وهذا جوهر من راقب المسافر، انها ولاشك صياغة متقنة لعلاقة تواصلية متميزة.

 عرس الدم

ينتمي الشاعر والمخرج المسرحي العراقي كاظم النصار الى جيل معذّب في الثقافة العراقية المعاصرة، جيل وجد نفسه فجأة في أتون حربين كبيرتين خرج منهما بذاكرة شبه مشوّهة ان لم تكن مشوّهة تماما. النصار المهووس بالجمال قدم قبل عرض (عرس الدم) عروضا عديدة أثارت ردود فعل ممتازة جعلته على رأس قائمة مجربي المسرح العراقي في التسعينيات ـ النصف الثاني على وجه الدقة ـ وقد انتج في ظروف صعبة للغاية عروضه (حياة مدجنة، عائلة توت، امام الباب، جزرة وسطية، بستان الكرز، والسحب ترنو اليّ) وفي أعماله هذه حاول جاهداً الاشتغال على مفهوم حياة ما بعد الحرب فكريا وجماليا، يصهر الموضوعة في مختبره لينتج عنها شكلا فنيا غير متوقع، معتمداً على براعة شعرية في الاختزال والتكثيف ثم في الانشاء البصري الموظف دلاليا. و(عرس الدم) نص لوركا الشهير، يستقدمه النصار بحيوية من مجراه الدلالي الاصلي ويضعه في مجرى اخر نشم من خلاله جرائم العصر كلها من إبادة للنوع وتفشي نزعة انتهاك الشرف وهدر الحريات ليصل العالم الى أن يطفو على بحر من الدم!، ولمنح هذه الفكرة المزيد من الشدّ والتوتر الدرامي يلجأ النصار الى حيلة فكرية ـ اجرائية ـ لا تخلو من تسلية!، وذلك عندما يؤسس عرضه منطلقاً من صياغة بوليسية للحدث: ثمة جريمة هتك عرض على ضحيتها الانتقام بعد البحث عن مسببّها!!. وفي مهارات العرض ينتج الاخراج خشبة مسرح نظيفة ومليئة بالاقتصاد وتكريس العلامة البصرية المنفتحة على التأويل ويمازج في تقنيات الاداء التمثيلي بين خبرتين واسلوبين في الاشتغال: الاول يمثّله اثنان من أبرز الممثلين المحترفين في المسرح العراقي وهما الفنانان القديران سامي قفطان وسمر محمد، والثاني يمثله الفنانون الشباب سعد محسن والاء حسين ومهند هادي، ومن الواضح في العرض رجحان كفة الاسلوب الثاني في التقديم الذي اعتمد خفة الحركة ورشاقتها وسرعتها ثم الاستعراض بالجسد والصوت وتقديم مهارات في الرقص الايمائي، مقابل الاسلوب الاول الذي اعتمد النمطية في التقمص والالقاء والحركة، وفي ذلك دلالة واضحة عن واقع المسرح العراقي الان، والمسرح التجريبي منه على وجه الخصوص حيث يستقطب طاقات شابة مفكّرة في الوقت الذي يتنازل فيه ممثلون كبار عن تاريخهم الطويل مفضّلين مسرح الضفة الاخرى، وفي أحسن الاحوال، كما حدث في (عرس الدم) ، فان الممثلين الكبار يعملون بنواياهم الحسنة لا أكثر!... سعد والاء ومهند بذلوا جهدا جمالياً لا يغفل في اللعب المسرحي من خلال مهارات لا تخلو من ابتكار وتقدّم مستثمرين ميل الاخراج في اللعب على الشكل وتطويعه لصالح انتاج بنية مشهدية جمالية مؤثرة دلالياً حيث وضع الاخراج ثلاث كتل صغيرة في أجزاء المسرح وعمل على التعامل معها دلالياً بما يعرف اصطلاحاً بـ (التحول) مع تقادم دقائق العرض. كاظم النصار يقذف بمتلقيه في أتون معركتين: معركة تريد التواصل مع المتن الحكائي، وأخرى تريد التواصل مع المنظومة الدلالية للعرض وفي هذا سرّ نجاح العرض.

***************

 عقد البنفسج