ثقافة ما بعد الطغيان
الثقافة العراقية تستعد لعصر الحرية

قال مذيع واحدة من الفضائيات العربية الناشطة وهو يعلق على تقرير مصور من مراسل القناة في العراق كان ينقل بعض الصور لمدينة نائية في جنوب العراق، هي ناحية المشرح في العمارة، إن حقيقة نظام صدام حسين بدأت بالظهور للعلن حيث الصورة وشهادات المواطنين تكشف أن هذه المدينة لم تصلها الكهرباء ولا الماء منذ العام 1991، وينتقل المذيع نفسه ليعلق على الصور التي ظهرت للعالم حول الطابع الحياتي لمدينة عراقية أخرى هي قرية العوجة وما فيها من عمران وبناء لا يقارن بتلك المدينة الجنوبية النائية… يشدد المذيع في تلك اللحظات على (تكشف حقيقة نظام صدام) بعد أن كان المذيع ذاته قبل أيام من سقوط النظام يبح صوته حول ما أسماه ضرورة المقاومة، بالطبع دفاعاً عن البطل القومي!..
مشهد تكشف الحقائق هذا سينتقل إلى مناطق أخرى كثيرة، بعضها كان دخوله محرماً في العراق، والبعض الآخر كان ينتقل للآخر بصورة مشوهة للغاية..
إن الثقافة التي كانت تؤسس في العراق طيلة عقود لا يمكن النظر إليها إلا بكونها ثقافة تخلف(بدءاً، لابد من القول بأننا نتكلم هنا عن مشهد كامل لا عن استثناءات) هذه الثقافة التي يقودها على الأرجح أميون ونشائون صغار لا يجيدون غير ارتداء بزاتهم العسكرية النظيفة وعلى صدورهم تلهث من اللمعان صورة القائد الأوحد.. وبالطبع فإنني أتحدث عن مرحلة عريضة كنت مشاركاً في تأثيثها بشكل أو بآخر، ولهذا الموضوع سأعود في مناسبة أخرى.
في الشعر مثلاً، لم يكن يعلو صوت أبداً غير صوت شاعر الدم أياً كانت مواهبه ومرجعياته وثقافته، وقد أجادت المؤسسات الإعلامية الرسمية في إبراز ذلك الشعر وتصديره، حتى كنا نقرأ في مجلات ثقافية كبيرة في الوطن العربي عن شاعر الفراتين(حميد سعيد) وآخر عمالقة عمود الشعر(عبد الرزاق عبد الواحد) ولم يكن الجواهري قد مات حينها!!، ناهيك عن الألقاب المجانية التي أشاعت ثقافة الرداءة مثل: شاعر القادسية، شاعر أم المعارك، شاعر القوات المسلحة ألخ، وبالطبع فقد كانت تلك فرصة سانحة لكي يتدخل بسرعة قصوى أصحاب المواهب الكبرى في فنون الكسب على الخط حتى صرنا نقرأ مجموعة شعرية عنوانها: قصائد في حب القائد، على سبيل المثال، ولم تكن المؤسسة بجاهلة عن ذلك إذ أنها استغلت الفرصة لتطبع على الدوام مجاميع تحشد فيها العشرات من الشعراء تحت مسميات (قصائد في المعركة) أو (في حب القائد) أو (في أم المعارك)وهكذا.. وبالطبع فثقافة التخلف هذه لا تقف عند ضفة ثقافية دون سواها، حيث تجد القصة والرواية والنقد الأدبي وقد أبتلى بالداء نفسه، ومن اللافت هنا إن كل من أراد التحايل على تلك الثقافة كان يشتغل على مناطق (غير مفهومة وغامضة) حدث ذلك مع موجة التجريب الهائلة في الشعر العراقي (الثماينيات وما بعدها) وفي النقد عندما اشتغل مجموعة من النقاد الجدد على النظريات الأدبية الحديثة(لطالما سخر من هؤلاء بعض الكسبة ووصفوا تجاربهم بالمشوهة والمستنسخة وما إلى ذلك) وكذا الأمر في السرد عندما ذهب الجادون مديات نائية جداً عن الجاذبية الأرضية، كما في تجارب عبد الستار البيضاني
وحميد المختار وشوقي كريم حسن وكاظم الجماسي وطه حامد الشبيب وضياء سالم والعديد من قصاصي الثمانينيات( الأسماء الواردة هنا مجرد عينات)..
في ضفاف الثقافة الأخرى كان داء التخلف يزداد اقتراباً واستحكاماً: الفنون التشكيلية لا شغل لها إلا وجه القائد الأوحد وانجازاته العديدة، المسرح من جهته كان محاصراً بطريقة رائعة جداً: إما المسرح التهريجي وإما المسرح الجاد بشكله القاتم(مسرح مناحات الحصار)، السينما كرست بالكامل لتمجيد القائد وفي الإذاعة والتلفزيون يشتغل بعض المغامرين على مسؤولياتهم الخاصة في برامج وأعمال تلفزيونية وإذاعية تريد الإفلات من دوامة الرداءة الكاسحة.
هذا المشهد المأساوي كان يمثل واقعاً يتحرك في ضوءه من يريد الاشتغال في حقل الثقافة، مشهد لا يعبأ بشيء مثل الخديعة والخوف، أما الفارين من عتمة هذا المشهد فكانوا يعيشون الحياة الثقافية بطريقة مختلفة حقاً، مجموعة من النوادي المؤقتة التي تتشكل بسرعة رهيبة لتنهار بنفس تلك السرعة:(جماعة تحت المنبر، جماعة المنتدى الثقافي في كلية الآداب، جماعة الصليخ، جماعة الناصرية، جماعة العمارة، جماعة الموصل، جماعة الاسكندرية، منتدى المسرح، قاعة حوار، جماعة المركز الثقافي البريطاني(قبل العام 1990) جماعة السينما الجديدة، لجنة نقاد المسرح، جماعة مهرجان حقي الشبلي في معهد الفنون الجميلة، جماعة المسرح الجامعي، جماعة الأكاديميين الجدد، جماعة دارسي الآثار والمخطوطات، جماعة الاستنساخ الضوئي، جماعة الدراميين الشباب،ألخ).. هذه الجماعات، وبعضها لم تكن منظمة، كانت بحاجة دائمة إلى الدعم، وبالطبع فإن الدعم الرسمي غير متوفر لها على الإطلاق مقابل نكران تام لجهودهم من قبل تيارات الثقافة العراقية المعارضة خارج الوطن، ناهيك عن العيون التي تلصص عليها هنا وهناك، كل تلك كانت الأسباب المباشرة لسرعة انهيار مشاريعها الثقافية الطليعية التكتلية ، ولا نقول الفردية التي كانت تستمر بوتائر متصاعدة دائماً.
ثقافة الطغيان هي التي جعلت من عبد الأمير معلة ونجمان ياسين ورعد بندر وهاني وهيب رؤساء الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في عقدين من الزمان بالرغم من الأمية التي يمتاز بها هؤلاء الأربعة
ووجود من هو أكفأ منهم لقيادة صرح الاتحاد العريق، وهي ذات الثقافة التي أنجبت رؤساء تحرير لصحف يومية على شاكلة صلاح المختار(صار سفيراً للنظام في الهند، وقد صرح بعد سقوط الطاغية بأنه سيقاوم من مكانه!!!)… وعلى عزف موسيقى البطون الفارغة كانت تنصب الخيام الضخمة لموائد السلطان التي يحضرها البعض من المحسوبين على الثقافة العربية في مرابد يراد لها مبايعة الدم على حساب الوردة، وفي مواسم مختلفة للنزيف العراقي..
اليوم وقد نفض العراق عن أردانه سلطة القهر والظلم يتطلع مثقفوه إلى مرحلة جديدة تسترجع فيها الثقافة صوتها الإنساني النبيل وتعدديتها الحضارية..
وإننا لعلى ثقة كاملة بأن التشويهات الخطيرة التي أصابت جسد الثقافة العراقية طيلة عقود لن تقف أما دورة النهوض التي آن أوانها، فالعراقيون استطاعوا أن يوصلوا صوت الحرية من داخل أقبية الجلادين القاسية وهاهم اليوم يعيشون بالفعل حريتهم التي غدرها نظام صدام.
إن تكشف الحقائق الذي أشار إليه المذيع العربي في أول القول هو الذي سيستفيق الكثيرون على وقعه، فالذي كان يصدر من بغداد خلال أكثر من ثلاثين سنة هو نص الخراب، أو بالأحرى نص التخلف، هذا النص الذي طبل له كثيرون باعتباره وجهاً من وجوه (البطل القومي) ونتاجاً مباشراً لسلطته المطلقة، واليوم  يصحو هذا البعض على موسيقى جديدة، هي ولا شك موسيقى العراق وثقافته التي تحررت من قيودها المختلفة.
***


مقالات في الشأن الثقافي