محرمات جنبلاط
يا سبحان الله ...
هذا رجل معارضة عربي يقول بالنص: لقد سقطت المحرمات.
وما هي هذه المحرمات التي سقطت؟ يوضح السيد وليد جنبلاط بأن المقصود هو الاستعانة بقوى الخارج الديمقراطية لفرض الديمقراطية في لبنان.
سقطت المحرمات بعد اغتيال السيد رفيق الحريري. أعلنها السيد جنبلاط صريحة واضحة لا لبس فيها وفي أكثر من منبر وموقع وحالة. قالها في بيته، ومن بين جموع المشيعين، ثم رددها في اجتماع المعارضة اللبنانية الأخير. ويا سبحان الله، كيف تتغير المواقف بين ليلة وضحاها. فالسيد جنبلاط لا يلمح وإنما يصرح بإمكانية الاستعانة بقوى الخارج الديمقراطية لإصلاح الحال اللبناني، ومن هي قوى الخارج الديمقراطية؟ هل هي سوريا؟ مصر؟ السودان أو جيبوتي؟
جنبلاط الذي كان يكيل التهم للولايات المتحدة تراه يجتمع بعيد اغتيال الحريري بالسيد مبعوث الولايات المتحدة لجنازة الحريري، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى وليم بيرنز ، ويكرر الجملة ذاتها، جملة الديمقراطية! أما المنبر الأبرز الذ أعلنها فيه السيد جنبلاط فكان: راديو سوا... وهل تتذكرون هذه الإذاعة وشقيقتها فضائية الحرة؟ إنهما أبرز ما يكره القوميون العرب من محطات الإعلام العربية، بل أكثر من محطة سي أن أن ذاتها ، لأن هاتين المحطتين تمثلان العملاء بأوضح الصور!
واليوم ثمة من يرد بقسوة على دعوات حزب الله للحوار، على اعتبار أن لا مكان لحوار بين يد تحمل البندقية ويد تحمل الوردة، وحزب الله اللبناني هذا، استطراداً، كان سباقاً في قضية طرح مبدأ الحوار الذي لا يلتزم به هو أصلاً، ألم يكرر السيد نصر الله مرات قبيل سقوط نظام صدام وتحرير العراق بدعم الولايات المتحدة الأمريكية دعوته بضرورة إبرام حوار مع المجرم صدام؟ ها هو اليوم، وبعد أن رسم الدم البشري صورته المخيفة على الشارع اللبناني يطالب بالحوار، الحوار مع من؟ ولأنه يريد أن يمارس دوره الثابت في حماية ظهر الأخ البعثي في دمشق لم يكن لدعوته هذه غير الرفض من قبل الجموع اللبنانية.
وحالة السيد نصر الله تختلف عن حالة السيد جنبلاط .
الأول ما زال يكرر ذات التناقضات في خطاب المقاومة، وهو خاطب مهزوز لم يعد له الكثير من المناصرين في لبنان التي من المفترض أنها دولة تعيش حالة سلم بعد تحرير الجنوب اللبناني.
أما الثاني فيستدير بقوة من موقع الرفض إلى موقع القبول(الاستعانة بقوى الخارج لفرض التغيير).
أن فزاعة حزب الله في لبنان تمثل عائقاً حقيقيا ً لبذر السلم الأهلي في لبنان، وهذا الرأي كثيراً ما تجده منثورا ً في مقالات الكتاب اللبنانيين، فيما فزاعة العداء لأمريكا تتهاوى يوما ً بعد يوم، وها هو السيد جنبلاط يشرع في تحطيمها. وإذا كانت دعوة السيد جنبلاط بسقوط المحرمات لا تشمل سقوط قناعات العداء لأمريكا ، كما نعتقد ونتمنى أن نكون على خطأ ، فإنها بالضرورة تشمل الاتصال بديمقراطية كبيرة أخرىهي فرنسا.... المحزن هنا أن سياسات فرنسا الخارجية لا تشبه إلا خطاب حزب الله ذاته!! فيما سياسات الولايات المتحدة الخارجية أكثر صرامة ووضوحا ً.
دعونا نرجع إلى الوراء قليلا ً ، فالتاريخ مشكلته في قوة الوثيقة، ونستذكر موقف السيد جنبلاط من قوى المعارضة الوطنية العراقية (سابقا ً)، حيث لم يخجل السيد جنبلاط من الظهور على شاشة الفضائية ذاتها ليقول بالنص: العملاء وحدهم من سمحوا للولايات المتحدة باحتلال العراق. ومن هم هؤلاء العملاء؟ إنهم قوى المعارضة التي وصلت إلى قناعة، يصل إليها السيد جنبلاط اليوم أيضاً، بسقوط المحرمات ، إذ لا حوار بين يد تحمل البندقية ويد تحمل الوردة!! المعارضة العراقية ظلت على مدى ثلاثة عقود، وبمختلف تياراتها وانتماءاتها العرقية والدينية والفكرية لا تؤمن بمبدأ العنف الذي كان يؤمن به النظام البعثي الصدامي( هل من شاهد على عنف هذا النظام أكبر من حشود الموتى في مقابره الجماعية ليقتنع دعاة الحوار، حزب الله نموذجا ً، باستحالة الحوار معه؟)، ولما وصلت إلى حافة العجز، التي يصلها اليوم السيد جنبلاط وهو بمواجهة ديكتاتورية لا تقارن بأي شكل من الأشكال بديكتاتورية النظام العراقي السابق، قررت أن المحرمات سقطت فتحالفت مع القوة الأكبر في العالم والأكثر قدرة على إحداث التغيير في أي بقعة من العالم، هذه القوة هي القوة: الإمبريالية، الولايات المتحدة الأمريكية، وهي القوة ذاتها التي وفرت للعراقيين ما عجزوا عن تحقيقه طيلة عقود وعقود ، ونعني بذلك الانتخابات الديمقراطية. وبهذه المناسبة فالسيد جنبلاط يصرح بوضوح أيضا ً قائلا ً : «من المفارقات العجيبة ان في العراق المحتل نزل المواطن واقترع على رغم الاحتلال. أما في لبنان فبمجرد أن قلنا لا للتمديد جربوا قتل مروان حمادة وبمجرد ان قلنا نعم لتطبيق الطائف اغتالوا الحريري. العراق تحت الحكم الاميركي اسلم من لبنان " والسؤال المنطقي هنا: لماذا تعجل جنبلاط في تصريحاته السابقة وهو يلعن قوى المعارضة العراقية ويتهمهم بالعمالة لمجرد أنهم وصلوا إلى القناعة قبله بسقوط المحرمات؟ هل كانت المعارضة العراقية لتصدق بوعود السيد نصر الله في إجراء حوار مع النظام الصدامي، وقد يكون حوارا ً برعاية الشقيق البعثي ذاته الذي يطلب السيد جنبلاط اليوم البراءة منه.
يبدو السيد وليد جنبلاط مثالا ً للعقلية التي تحكم العرب منذ عقود، عقلية لا تنطبق عليها سوى كلمات المس بيل : إن الكمات عند الشرقيين هي مجرد ألفاظ لا تعني عندهم شيئا ً، فقد يقولون اليوم شيئا ً وينقضونه غدا ً، وهم لا يتركون هذه العادة أبدا ً !
*****
نشر في موقع كيكا الثقافي