من أجل حملة دولية لمكتبة الفنون
الجميلة في بغداد
لعل من أقسى اللحظات التي أعقبت الفرح العظيم بسقوط طاغية العصر في بغداد ونظامه الديكتاتوري كان في عمليات الحرق والنهب المنظم التي تعرضت لها مؤسسات عراقية ثقافية عريقة مثل مديرية الإذاعة والتلفزيون ودائرة السينما والمسرح والمتحف الوطني وغيرها كثير. وإذا كانت الأضواء قد سلطت على تلك الجرائم وآثاراها السلبية على عراقنا الجريح فإن الكثير من اللجان والجهود قد انبثقت لإعادة الحياة إلى أبرز المفاصل الحضارية والثقافية العراقية التي تعرضت للنهب والحرق باستثناء بعض المواقع التي عدت غير ذات أهمية! ما يفسر إهمالها وعدم التحدث عنها.
ومن أبرز المراكز الحضارية التي همشت عملية إعادة إعمارها كانت مكتبة أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد.
إن مكتبة الأكاديمية تمثل إمتدادا ً طبيعيا ً ومعرفيا ً لمكتبة مجمع الآداب وكلياته المتفرعة العديدة، وقد سبق لعمادة الآداب أن نظمت عددا ً من الفعاليات الثقافية لرفد المكتبة المنهوبة فيها بالكتب جديدها وقديمها، ومن ذلك مثلا ً المعرض الكبير الذي أقيم في العاصمة الأردنية عمان العام الجاري، ولكن مكتبة الأكاديمية ظلت، وللأسف الشديد بعيدة عن مثل تلك الفعاليات.
إن قيمة مكتبة الأكاديمية تتأتى من عوامل عديدة لعل أبرزها ما صرح به أحد تدريسييها للكاتب خالد جمعة بالقول: أن هذه المكتبة التي أحرقت بعد يوم من تغيير النظام في 9/4/2003 كانت أهم مكتبة فنية في العراق على الإطلاق، ففي هذه المكتبة كانت كتب عديدة من اختيارات رواد الفن العراقي المعاصر ، تلك الكتب جلبوها معهم عندما كانوا خارج العراق، أن تلك الكتب التي أحرقت كان قسم كبير منها من اختيار فرج عبو، حافظ الدروبي، أبراهيم جلال ، فائق حسن، جعفر علي، جعفر السعدي.. وغيرهم، فتصور فداحة الخسارة التي لحقت ليست بالكلية فقط بل بالعراق ككل. ( إيلاف الألكترونية بتاريخ 21/6/2005) ولا داعي هنا للتذكير بالجهود الرصينة التي بذلها هؤلاء الرواد في ميادين تخصصاتهم الفنية ما يعني إخلاصهم العظيم في مسألة تأسيس المكتبة.
وشأنها شأن بقية المكتبات العراقية فإن مكتبة الأكاديمية تحفظ الآف الذكريات للطلبة الذين درسوا في الأكاديمية أو للمدرسين فيها، وهؤلاء يحفظون لمكتبتهم عناوينها الساحرة في المسرح والرسم والنحت والموسيقى والسينما والإعلام ناهيك عن المؤلفات الأدبية المختلفة، والتي كانت زادهم في حب المعرفة الجمالية.
كانت مكتبة الأكاديمية بالنسبة لنا، نحن طلابها في زمان مضى، تمثل فرصة سانحة للغوص في عالم جمالي أثيري تحيط به عيون وأجساد طالبات أنيقات متعطرات وطلاب لا هم لهم غير الإفادة من مناهل الإبداع والعلم، وعلى المستوى الشخصي فإنني أنجزت في هذه المكتبة الكثير من القراءات والكتابات خلال أربعة أعوام دراسية أمضيتها في الأكاديمية، وهو أمر يشاركني فيه العديد من الطلبة والتدريسيين. كما كانت المكتبة في الكثير من الأحايين المكان الأرجح لإقامة ظهيرات أدبية وثقافية فيها جمعتنا بعدد من المبدعين العراقيين. في مكتبة الأكاديمية كان يرقد بسلام رواد الفن العراقي والعربي والعالمي ممن درسهم طلبة الدراسات العليا وقدموا أطريح تخرجهم عن سيرهم وفنونهم.
إن إعادة الحياة لهذا المرفق الحضاري الحيوي ليست على الإطلاق من باب الترف في عراق اليوم بل تمثل ضرورة وطنية ملحة، وهكذا تبدو حاجة مكتبة الأكاديمية لحملة دولية منظمة من أجل إعادة الإعتبار إليها حاجة مستعجلة جدا ً أعتقد أمامها أن لا أشرف من دعوة طلابها ومدرسيها على السواء للتبرع بما تجود به مكتباتهم الشخصية لها كخطوة أولى على أن تتبعها خطوات تشمل تبرعات المثقفين العراقيين ومكاتبة الأكاديميات الفنية المتخصصة في العالم العربي وخارجه لرفدها بالمصادر الفنية الأساسية والحديثة أيضا ً. كما أن تدخل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الثقافة والمؤسسات الإعلامية والصحفية في العراق يعد أكثر من ضروري لنجدة مكتبتنا الجميلة. وهي دعوة موصولة لأصدقاءنا العاملين في المؤسسات الثقافية العالمية لأخذ دورهم بمد يد العون لها، كما ندعو الأصدقاء المهتمين بشأن المكتبة من المقيمين خارج العراق للتفكير جديا ً بالوسائل الناجحة لإيصال ما يتوفر من مؤلفات فنية لديهم إليها.
وفي السياق ذاته فإننا ندعو إلى تنظيم مهرجانات عراقية ضخمة للكتاب متجاوزين الحجج التي ترفع أمام مثل تلك المشاريع عن مشكلة الأمن وما إليه. فتنظيم مهرجان للكتاب تحتضنه جامعة الكوفة أو جامعة الموصل أو البصرة أو السليمانية وأربيل ليس بالصعوبة التي من الممكن أن يواجهها مثل هذا المهرجان إذا ما أنعقد في بغداد بالظروف المعروفة والحجج إياها. وأعتقد جازما ً أن تلك الجامعات سترحب أيما ترحيب بمثل هذه المهرجانات، وما سيرافقها من حضور جماهيري كبير بالإضافة إلى الضيوف الذين سيلبون دعوة عراقية مثل هذه. إن الحياة الثقافية في العرق بوضعها الحالي ليست بحاجة ماسة لإقامة أمسية شعرية يحضرها بعض المهتمين بالشعر أو ندوة عابرة عن المسرح أو ما شابه من فعاليات بالرغم من أهميتها الأكيدة، ولكن ثمة ما هو أهم منها في مثل هذه الظروف التي أعقبت سقوط الديكتاتورية، ومن ذلك تنظيم مظاهرات ومهرجانات عراقية ضخمة للكتاب، مستثمرين السقوط النهائي لظاهرة الرقيب القاتلة للإبداع والتي كثيرا ً ما حرمت المهتمين من منابع الإبداع الإنساني.
****
نشر في إيلاف الألكتروني بتاريخ 23/6/2005، وأعيد نشره في بعض مواقع النت في العام ذاته. كما نشر في جريدة بغداد في العدد المرقم 1114 بتاريخ 6 تموز 2005.