ذاكرة في منفى

 

ليل بغداد،

عندما يشيّع العاشقون شبابيكهم،

أطرقت

وأنا أهم ّ للّحاق به،

من كوّة الحلم، أو الذاكرة.

ليل بغداد،

هل علي ّ تجاوزه، تجاوزني وأنا أعبر " جسر السنك" متجها ً إلى "مسرح الرشيد"؟

ولكن، لماذا يصرّ الرشيد على البقاء بعد هذه السياط التي أحالت الشعب إلى فوج مجانين؟

معي، أزهاري الشتائية المغرورة باحتراقي... معي ونحن نؤبّن ليل بغداد، معي ولكن، خدودنا تتغضّن، وليل المدن بارد ينخر في العظام، لا أمّهات ينتظرننا، ولا أخوات يشعلن المواقد!، أية مواقد؟! أقصد القلوب التي تجمّرت بفعل الصواريخ والمدافع بعيدة المدى!

هلو أيتها الحروب الشقيقة...

أسراب من العشاق يقدمون لك فروض التتويج لأنك ِ سحرتهم بالدم والفولاذ فأصبحوا حقل انفعال في عالم رث ّ.

والآن، ماذا يفعل النّاجون سوى التذكّر؟
محنة العاشق في حاضر الهذيان...

... وألمس الصمت في بغداد

ألمس تناسل القبور وازدحام " العلاوي"

هلو يا حروب الشباب

هلو يا حجابات اليتامى، الذين تنام أمهاتهم في الشوارع ويبيت آباؤهم في نقاط التفتيش...

بغداد الساعة

تصفق لقيادته الحكيمة، والأهل في " عمارة" القحط يشعلون الفوانيس علّني آتي ولو متأخرا ً... تذكرت فاطمة وهي تحمّمني، أيّان لها أن تعرف أن العالم حوض سباحة، ولكننا ، ولفرط سذاجتنا، هبطنا في أحواض الدم دون سواها؟

أنت ِ معي أيتها الأزهار الشتائية..

معي في موكب الذاكرة الذي ينطلق من "قنبر علي" ولا ينتهي في عاصمة النفي..

هل كان سعدي يوسف – قبل الحرب مثلا ً – يشتهي ذاكرة بغداد مثلي الآن؟ سعدي الذي يكتب عن القهوة والقذائف لا تخطئ أهدافها في بغداد؟!

لا أيتها المانحة، يا سدرة أيامنا، لا أستطيع مغادرتك لأقف خائفا ً أسفل ناطحات السحاب، القروي ّ الذي في ّ، يصدق أنها ستسقط على رأسه دونا ً عن رؤوس أبناء العوائل...

ما لنا يا صاحبي نشم ّ الفزع في العواصم البعيدة؟

ما لنا لا نقف على أقدامنا إلا وظهورنا مقوّسة؟

ما لنا نأكل الموز ولا نبلعه؟

ما لنا نخيط أيامنا المشتهاة بالخيط  الذي كمّمنا به أفواهنا وعيوننا ذات نهار مغبر؟

ما لنا يا صاحبي نبالغ في التنائي وتهزل قصائدنا؟

ما لنا نفر ّ من شجرة السدر العريقة التي تظلّل الصحراء؟

ما لنا نستحي من صواريخ كروز وهي تعبث بالمدن؟

ما لنا يا صاحبي ونحن نعيش....؟

يعيش الخراب...

يعيش البله ويا ... للجنون الماحق...

يعيش الوزراء والحاشية...

أمّا صبية حقول الرز والشلب، فلهم معسكراتهم التي يفغرون أفواههم فيها لمرآى كساح نجل الزعيم، عندما يجلس محنّطا ً في التلفزيون مراقبا ً الفتيات الأنيقات.

آه ٍ يا شرور العالم

يا بائعي الأعمار، بائعي الكلى في " الأعظمية"

هجرتم كمنجاتكم وأنتم تشيّدون قصوره

النهار يراوح في مكانه وفي اللليل تعج ّ السماء بالأدعية...

عشقت الذاكرة

حملتها في صندوق الحديد وطفت بها مناديا ً:

يا سامعين الصوت ... يا أيها البررة

هذا نشيجي... وأقصد نشيدي

سئمت من الانتظار،  والوقوف في الطوابير

سئمت من التلفزيون،  والصحف المقنّعة

سئمت من الجنود، يهرولون في الأنحاء

سئمت من الفرات، لونه لون الدم

سئمت من المقهى، إحتلّها المجانين

سئمت من الأصدقاء، لا حديث لهم غير الحقائب

سئمت من إخوتي، أدمنوا الشجار

سئمت من السكوت، فمي تيبس

سئمت من الخفارات، نسيت شكل بيتنا

سئمت من بيتنا، لا يدخله إلا البكاء

سئمت من الذاكرة، لا تجلب غير شوارع نظيفة وأولاد فرحين... لا تجلب غير مصابيح ملوّنة وسيارات تمشي بهدوء، لا تجلب إلا أمهات مانحات ووطن آمن

لهذا كله يا أخوتي

أقلت الذاكرة.

***

عمان في

نيسان 1999

نيسان 2000

 

صعاليك بغداد