العودة إلى البلاد
سأعود إلى بلادي
عندما تبيضّ اللحى وتتغضن الوجوه
لأنني أقرر الأشياء الخطأ في التوقيت الخطـأ
سأعود بعد أن ينتهي كل شيء
الشوارع وهي تتحول إلى مقابر
والعشب الذي يبحث عن صبيان وصبايا
شجيرات اليوكالبتوس وقد زالت وحلت محلها جدران شاهقة من الكونكريت
سأعود لكي أشهد أغنية الخراب التي كنت أتأملها وحيداً كل يوم
الفندق الذي شيد شبابي
والشرفات التي كانت تمثل مباريات في الجمال العراقي
سأعود بعد أن أشبع من التأسي
فأزور سيدي موسى بن جعفر
حيث سأبحث هناك عن رسالة من صديق
أو نذر من حبيب
سأعود إلى بلادي
لكي أتحرى الشيوخ الذين كانوا يهبون الناس سيارات مفخخة وأجساداً ملغومة
سأعود لكي أقطع شارع الرشيد كعادتي
انطلاقاً من الباب المعظم وصولاً إلى البتاويين
سأمر على الكثير من الأماكن
وفي كل مكان سأقرأ يافطة نعي
أو ربما سأجد يافطة واحدة تمتد على طول الشارع
عراقيون كانوا هنا وصيرتهم الأهوال ذكرى
سأعبر إلى الصالحية
حيث لا مفر من الدموع وأنا أقرأ أسماء القتلى على جداران البنايات المحطمة
ومن تلك الجدران سوف أطير إلى جدارية فائق حسن
وسأصعق بالتأكيد لغياب الحمامات منها
فأفر مخذولاً إلى نصب جواد سليم حيث لا تكفي الارتجافة هنا
سأعود إلى بلادي بعد أن أعجز عن ذرف الدموع
بعد فوات الأوان دائماً
وبعد أن أشارف على الرحيل
سأعود لكي أزور مقهى في البتاويين،
"أتريث مأخوذاً بثياب البهلول على الشرفات
وعتمة روح القديسين" *
حشد من الشعراء كان هنا
حشد من النحاتين والرسامين فأين تبخروا؟
أجلس وحدي في المقهى وعيني على الشرفة العالية
فلا زند تحرك ولا منديل
سأعود إلى بلادي في آخر العمر
ومثل الغرباء
أتعثر في شعري الأبيض الطويل
فيما أتوقع أن تلحق بي العصافير بلا جدوى
سأرحل إلى بلادي لأنني أريد قبراً هناك
ومجلس عزاء
فهذي البلاد لا تجيد سوى العزاء
وحتى العزاء
سيكون خالياً بلا مودعين
أو قراء ذكر أو حتى شموع
***
شتاء أديلايد 2005
* مفتتح قصيدة لفوزي كريم بعنوان "صحبة بطرس"