حياتي أقواس من ظلال الحروب
لماذا تنزوي وحدك في خانة المواقف؟
تشرب في الليل طاسات خمرتك
فيما الجميع يفكر في المصير الفردي
يدوّنون في أراشيفهم قصة البقاء
لا أحد – أيها الساذج – يفكر بالتاريخ
من الذي سيسأل ذات يوم عن كذا وكذا
تحتسي عزلة حواسك وتؤرشف رصاصك
الجميع نيام.. وأنت تستلذُّ بالمناحات التي تصنعها يداك
له زوجة.. له أم.. له أطفال وعيال.. له مصلحة
كلهم أولاد الأذى ذاته، فماذا عنك؟
كلهم يندبون أهاليهم، فلماذا وحدك تتشفى بالنار؟
من يتذكر الصارخ على عتبة المقصلة؟
ولماذا تكثر الجراء على حواف العراق؟
كان بيدي أن أستقيم مثل شيخ أو سيدة ترعى صغارها
أنزوي أنا الآخر في حفرتي مقرفصاً بعيداً عن بؤر التوتر
كأن أعيش نسّاجاً لأفراح مبتذلة
أو صاحب خبرة في صنع فخاريات شخصية
أفتح باب منزلي لاثنين من الأصدقاء
لا يتعاطيان سوى الخمرة ولا يتحدثان في السياسة خوفاً من رأس غاطس في الفجيعة
هل كنت حقاً سأنام مبكراً كما يوهمني الراسخون في الرذيلة ؟
أغامر بي .. بحبيبتي .. واخوتي البعيدين
فأنا وحدي الآن من يفرش عذريته لتاريخ مزعوم
أخرج من دوامة شك وأدخل أخرى
أبحث في هذا الليل الغريب عن المبررات
أصفن كثيراً في حشود القتلى
ماذا أسمّي ظاهرة على هيئة شيخ يرتدي زياً أبيض يتناسب ولحيته،
يبرز إلى الناس ولسانه يذرف تحريضاً؟!
ماذا أسمّيه غير أن أقول: يا له من مهيب؟!
لماذا إذن تجفل أحلامي أو على الأرجح تتهاوى؟!
أخلع السنوات من معصمي واحدة تلو الأخرى
في كل يوم أرتدي ما يناسبني وأغفل عن نصائح الحكماء
يا لهم من حكماء يوقظون الشهوة للحياة
فيما أوقظ، وثلّة من العاقّين، شهوة الانتحار
مددت يدي إلى نخلة في "العمارة" وكانت ترقص من الذبح
مددت يدي إلى حفنة من الأصدقاء وكانوا قتلى
مددت يدي إلى مراهقة تبيع أنوثتها في النهار على الرصيف
مددت يدي إلى وزير لا يرى غير حكمة سيده خوفاً على بناته العذراوات
مددت يدي إلى موروثي في الندب فوجدته أسيراً هو الآخر
ياه … كيف لي أن أُبقي فكرتي في غمدها؟!
قدماي تحلمان بأرض منبسطة وجمهور عادل
إنني أغبط كهان البقاء على الحياد
أغبطهم على طاقة التحمّل وحُسن المسايرة وبصيرة المنفعة
ولكنني لست منهم في ماراثون البكاء والعويل
رأسي يدلني إلى ما أخفقوا في الوصول إليه
مغفل وعدمي يبحث في الأراشيف عن صورته
يعود إلى الشارع كي يصرخ مذعوراً
حياته الشارع إذ يصبح الصمت منفى
تعالي إليّ يا حليفتي في الوجد والانفعال
هنا حشد من المنتفعين والكسبة على الحساب
يبحثون في المزابل عن قوتهم ويبحث آخرون عن قوت غيرهم
شاهدت المزابل بعيني، فكيف أنسى؟!
في الصباح الباكر تزدحم بنوارس معذبة، ومفجوعة أيضاً
شاهدت الأمهات يوصدن الأبواب من شدة الجوع
وشاهدت المقاصل المرتجلة والشباب العدميين
شاهدت كثيراً من الكروش تطرق الأبواب ذات شتاء بحثاً عن أضحية
كيف لي إذن – يا صديقي – أن أسامح عيني؟!
هل أفقأ عيني؟!
ولو فعلت،
ماذا عن روحي؟!
قيثارة تزفُّ إلى السماء نشيجاً لا ينقطع
والناس بلا مأوى ما ظلت القرابين متواصلة
لا أقول: هيت لك …
حياتي أقواس من ظلال الحروب والجوع
وفي الطريق إليها لا يرافقني غير ناي سومري
***
عمان في 14/11/2001