كان رعد عبد القادر قد بدأ للتو تلقين البلبل أغنيته عندما فاجأه ملثمون بالمسدسات.. تعجب البلبل وما تعجب رعد. كل ما فعله أنه أدار رأسه يميناً وشمالاً.. هاله أنه وجد نفسه وحيداً جداً.. لا طيور من حوله ولا بشر. رفع عينيه إلى السماء في محاولة منه للتأمل.. هل كان أجداده الصوفيون المصلوبون على أسوار بغداد قد رسموا له مصيره؟ كانت بالطبع مقبرة الغزالي بعيدة عنه.. وكانت السيارت قد اختفت بدورها عن شوارع المدينة التي سلمت جسدها للملثمين.. تذكر رعد نياته، قطوف خاصة، ثم تذكر أشياء بعيدة كالتي شهدها أيام الحرب.. استذكر أميرات الشعر اللاتي رقصن له فيما كان يذوب في كمنجات الأوبرا.. وراء الملثمين يقف جواد سليم.. غرفة رعد مليئة بالمخطوطات الثمينة.. كان منزله يقع قبالة حي المنكوبين.. لم يكن من شاهد على القتل غير مدمن صمت... رفعوا رأس رعد على فوهة بندقية.. رفعوه عالياً . وفي تلك اللحظة من الصمت مر بلبله وسلواه.. حام البلبل كثيراً حول المشهد ولكنه كان ينحب هذه المرة.. البلبل ذاته الذي لقنه رعد الغناء وكان قد شرع فعلاً في نسخ مخطوطته عن أعاجيب المخلوقات!..
*********************
أديلايد في أيلول 2004.
إشارات النص :
رعد عبد القادر: شاعر عراقي مجدد توفي قبيل أن يرى حشود الملثمين تجتاح العراق، وجملة(دع البلبل...) وتكملتها يتعجب.. تمثل عنوان أحد مجاميعه الشعرية المتأخرة، وفي هذا النص إشارات إلى مجموعة أخرى له بعنوان (أوبرا الأميرة الضائعة)، وإشارة إلى مجلة (قطوف) التي كان من المؤمل أن يصدر عددها الأول قبيل موت الشاعر، وإلى جواد سليم صاحب جدارية الحرية الشهيرة في قلب بغداد وإلى حي المنكوبين الذي هو أحد الأحياء الفقيرة في بغداد، وكان منزل رعد عبد القادر يقع في حي قريب من حي المنكوبين هذا.
****