ارتكبت جريمة/ هذيان
إلى صلاح القصب: راعي مخيلة العذاب
صوت صفير حشرات الليل، مفزعة كأنها قادمة من بطون التاريخ التراجيدي، دخان قاتم يأخذ بالأنفاس،
جثث متروكة تلهو بما تبقى من ملابسها رياح متوسطة
السرعة، لم يحن الظلام بعد، إنه بعض ظلام الدخان …
تتدحرج ببطء خوذة بين تلك الجثث ..
تعال أيها الصبي
يا أبن سلالات مريرة
احك قصتك
وسأدونها بدوري
تفرش عباءتها ، تضع عمامتها جانباً .. يجلسان ..
في نيتي أن أرجم الطير والزواحف
في نيتي أن لا أصدق كتب الكهان التي درستها
كنت أنحب
تتدحرج أمامي كرات الحلم
لم يشفع لي تاريخ الندب
ولا مجلس الحكماء الذي علمني الجلادة
بغتة
تنزاح أمامي حجب السماوات
يخرج حراس الفجور من مخابئهم البعيدة
ويوغلون في قتلنا
_ كنتَ صغيراً على ذلك؟
لم أكمل عقدي الأول ..
_ وماذا بعد؟
أخذوا مجموعة منا إلى حيث الموت
هناك
طلب منا أن ننشد ممجدين للحرب
كانت القذائف تسّاقط من حولنا
قائد القوات
جلس متوسطاً ضباطه
خلفه المئات من الجنود
كانوا من ضعيفي البنية
شواربهم مفتولة مع ذلك
ولما عدنا من حفلة الموت تلك
كان الدم قد زين ملابسنا المرقطة
عشنا في المستشفيات سنيناً طويلة
جرحى
قتلى
ومتبرعين بالدم كي نديم المعركة
يعلو الصفير … ومن بعيد يبدو ضوء ساقط
… يلتفتان بهدوء نحو الضوء،
ثم يعودان إلى وضعهما الأول بلا مبالاة .
طرق على باب المنزل
مرة
ومرتين
لم يفتح
كانت الأم ترد بصوت واضح:
اذهب وفتش عن طعامك.
في الجانب الآخر
زوجة محارب عتيد تبيع الخضار
نساء متلفعات بالأسود
هنا وهناك
يتاجرن بالوجوه الشاحبة
الأم تقرفص عند عتبة باب الدار، تنظر في
الاتجاهات بلا تعيين ..
يلزمني عدة محارب آشوري
أذهب إلى حافة الواقع
كي أنساه
قابلني جوق من الشعراء
يحملون الدفوف
خلفهم رتل جنود كسالى
جياع .. جياع ..جياع
صوت يتردد بالرغم من قرع الدفوف
وآهات الجنود الحيرى
_ من أين يأتي الصوت ؟
_ إنه قادم من الذاكرة ..
تضع المرأة عمامتها على رأسها من جديد ، تهم بالنهوض.
والجثث ؟
_ لا تريد أن تكمل لي ؟
_ ولكن …
_ تخاف ؟
_ لم لا … أنا والخوف توأمان … هذا تعبير من تلك التعابير الإنشائية التي قرأتها مراراً ،
أبي قال ذلك
أمي
أخوتي وأخواتي
كل من كان في الحي قال ذلك
حتى معلم التاريخ همس به ذات مرة .
أتوق لقول كلام آخر
ولكن … ما باليد حيلة
هذا الكلام هو الصواب
إنه بالضبط ما رأيته ، تعلمته وعشته.
أربعة جنود يركضون وراء شخص يبدو أنه هارب منهم،
يفتحون النار من بنادقهم تجاهه …
لا يستدير إليهم،
كما أنه لا يسقط بنيرانهم، يستمر الركض .
في احتفال الموت رأيت
رأيت ما لا يرى
علقوا ثلاثة أوتاد وسط الشارع
ثم جاءوا بثلاث رجال عصبت عيونهم
حشد من ذوي الكروش يهتفون
الأبله ، كان أخوه أحد الثلاثة
وعندما بدا صوت الرصاص بالانهمار في الآذان
خر صاحبنا
سقط ملدوغاً
أخذوه إلى المشفى
عاد أخوه داخل كيس نايلون
ودفع هو ثمن الرصاصات التي استقرت في جسده النحيل
جربت أن لا أزاحم أحداً
في الباص
في السوق، المدرسة …
ولكنهم منحوني رتبهم كلها
فررت منهم
الفرار سمة هو الآخر
وهي واقفة، تخرج كيس تبغ من جيبها، تلف سجارة .
هل تدخنين؟
_ تمانع ؟
_ كلا .. ولكن الدخان من حولنا؟
_ يعجل في اللحاق بهم ..
حضرت إلى هنا بينما كانوا في الطريق
في واقع الأمر
كانوا قد سبقوني
كانت بينهم نسوة يشبهنني
وأطفال أيضاً
القذائف لا تفرق
هل كنت معهم أنت الآخر؟
_ لا .. أنا كنت في مكان بعيد جداً
كنت أواظب على القراءة
جزء من هذا الدخان
سببه حريق المكتبة
دخلت على المكتبة وكانت تتعرض للنهب
حاولت أن أوقف الجموع فلم أفلح
حاولت أن أنقذ ما يمكنني من كتب
ولم أفلح أيضاً
أخيراً
دخل الملثمون، وحرقوها .
الحوادث متشابهة ..
هنا وهناك تتشابه الحوادث
كان أبي يخشى علي من البنادق
حماني
نعم، لقد حماني
ولكنه فقد ابنه الأكبر
جاءوه به على عربة نتنة
يجرها حمار
_ هل أفلحت الحيوانات بالنجاة؟
_ أبداً، ولكنه حظ أخي .
تتمشى وهي تفكر، تلتقط مغزلاً من الأرض .
حكاية مملة؟
_ للغاية..
_ سأنام قليلاً..
_ أقدر ذلك، جئت من مكان بعيد
يحاول التمدد على الأرض، يلتقط شيئاً لكي يجعله
وسادة، شيء مدبب كاللغم، تصرخ به:
حذارِ ..
_ ما الأمر؟
_ انتبه جيداً ولا تتحرك..
ستصل موجة جديدة منهم
وهذا فألهم
أنت تحمل عنوانهم بين يديك..
****
أديلايد في 2/4/2003