المقدمة
كتبت هذه المقالات في فترات مختلفة بين العامين
1998 عام خروجي من العراق وإقامتي في العاصمة الأردنية عمان، وعام 2005 عام انتهائي
منه حيث أقيم حالياً في ولاية جنوب أستراليا.
وقد حرصت أن لا أضمن الكتاب أية مقالة كنت كتبتها
أو نشرتها داخل العراق بسبب من كثرة تلك المقالات وتخصصها في نقد العروض المسرحية
بشكل خاص، كما أنني حرصت في هذا الكتاب على جمع ما كتبته حصراً بخصوص الظاهرة
المسرحية العراقية خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي مستعينا ً في إنجاز مهمتي
تلك بمعين الذاكرة وما شاهدته من عروض عراقية في العاصمة الأردنية عمان طيلة أكثر
من ثلاث سنوات ثم ما كان يصلني من قصاصات الصحف العراقية حيث أقيم.
وقد يتساءل القارئ عن مقالات تعنى بظاهرة متحركة،
هي الظاهرة المسرحية، في الوقت الذي يقيم فيه كاتبها على مبعدة آلاف الأميال من هذه
الظاهرة، وهو سؤال وجيه للغاية، وقد يكون ذلك أحد الأسباب التي جعلتني أخصص أغلب
صفحات الكتاب لمقالات نظرية تتحدث بشكل خاص عن مشاهداتي وانطباعاتي للمسرح العراقي
خلال الأعوام التي كنت فيها أعمل بشكل يومي (صحافة، تلفزيون، إذاعة ومهرجانات) داخل
العراق، متوقفاً عند أبرز المعالم والتيارات والشخصيات والتجارب المسرحية خلال تلك
الفترة، وهي فترة اجتمعت فيها أنواع من الحصارات القاسية لا تبدأ من الحصار الدولي
ولا تنتهي بحصار النظام الحاكم لمواطنيه.
وخلال فترة إقامتي خارج بلدي كنت على الدوام
مشغولاً بثقافة الوطن الذي أنتسب إليه، هكذا كنت أكتب مراجعات مستمرة عن أوضاعه
الثقافية، ومنها مسرحه وما كان يعانيه من مشاكل، فكانت مقالات مثل "ملامح أولية
للتجريب في المسرح العراقي"، و"موضوعة الحرب مسرحياً"، و"مقالة مسرح التسعينيات"،
و"إشكالية الحصار والمسرح"، و"قراءة تجربة محترف بغداد المسرحي"، و"التساؤل عن
انتحار الرائد المسرحي عبد الواحد طه"، تمثل اشتغالات تتقصى تلك الهموم بوجوه
مختلفة، وبالطبع لم يغب عن بالي بعد المسافات التي تفصل بيني وبين الظاهرة، فكنت
أجتهد في استدعاء الذاكرة ومعها عدد لا حصر له من العروض المسرحية التي شاهدتها في
مسارح: الوطني، الرشيد، منتدى المسرح، المنصور، مسرح بغداد، والعديد من مسارح الفرق
الأهلية ناهيك عن عروض المهرجانات التي شاهدتها للفترة بين العامين 1988 و 1998 ،
لاسيما أنني كنت عضواً في لجان تلك المهرجانات، مثل لجان: فحص النصوص، المشاهدة،
النقد والتحكيم. واستدعاء الذاكرة في النقد، وخاصة النقد المسرحي، ليست بالعملية
السهلة ولا هي بالعلمية، وبالرغم من ذلك لم يكن بوسعي وأنا أتصدى للظاهرة المسرحية
العراقية غير طريق استدعاء الذاكرة، وهو الأمر الذي جعلني أغفل تجارب وأسماء ما كان
لي أن أغفلها لو كنت كتبت مقالاتي هذه في بلدي وبين وثائقه وشخوصه الحية.
يبدو موضوع التجريب في المسرح العراقي في هذا
الكتاب موضوعاً مركزياً، وبالرغم من انحيازي المسبق للتجريب في الفنون والآداب بشكل
قبلي، إلا أنني حرصت على أن تكون مقالات الكتاب تمثل بشكل أو بآخر رؤية بانورامية
لمجمل المشهد المسرحي العراقي في سنوات التسعينيات العجاف من القرن الماضي مستدركاً
بأن هذه المقالات تعاني من قصور واضح في ملاحقة الظاهرة نفسها في مدن عراقية أخرى
غير العاصمة بغداد، كما إن المقالات لم تتقصد التنظير في التجريب المسرحي بشكل عام
وإنما إسقاطات بعض النظريات على المشهد المسرحي العراقي.
ولأنني أتحدث بشكل خاص عن ظواهر مسرحية، كان مروري
على علامات طارئة في المشهد المسرحي العراقي يمثل ضرورة لمثل هذا الكتاب
الذي يطمح لأن يكون وثيقة، ومن ذلك، توقفي عند ظواهر: المونودراما، البانتومايم،
مناحات الحصار وبعض أفكار المسرحية العراقية المعاصرة، وما إلى ذلك مما أتوقع أنه
سيجد الكثير من ردود الأفعال المتناقضة بصدده.
ولأن فن الممثل في العراق ظل على الدوام ثانوياً في
قراءات ونقود الكتاب والنقاد العراقيين، والعرب أيضاً، فقد خصصت عدداً من المقالات
لدراسة نماذج من فن الممثل العراقي عبر تجارب ستة ممثلين عراقيين من مختلف الأجيال
التمثيلية في العراق. ووجدت من الضروري وأنا أبحث في مرحلة معينة من عمر المسرح
العراقي أن أتوقف عند المشهد المأساوي لانتحار الرائد المسرحي عبد الواحد طه
ودلالات ذلك الانتحار.
مقالات في المسرح العراقي المحاصر يمثل محاولة لجمع
ما شغلت به لسنوات طويلة خلت، وهو يمثل جزءاً من ذاكرة منفية ثمة أجزاء كثيرة غيرها
تنتظر الفرصة للظهور، ومن ذلك الحوارات المعمقة التي أنجزتها مع نخبة من المسرحيين
العراقيين ونشرت في صحف عربية عديدة وعدد كبير جداً من المقالات التي لم يتضمنها
هذا الكتاب الذي آمل أن يكون مفيداً لجمهور محبي المسرح في العراق وكذلك المشتغلين
فيه على حد سواء.
علي أن
أشير أخيراً إلى أن مقالات الكتاب قد نشرت في صحف عربية كثيرة منها: الشرق الأوسط
اللندنية، والزمان، البيان الإماراتية، المؤتمر
،مجلة
المسلة ومطبوعة أوراق ثقافية، كما نشر بعضها في موقع إيلاف على شبكة الأنترنت وموقع
مسرحيون ومواقع أخرى.
عقد البنفسج، مجموعة مقالات في تحية مسرحنا
العراقي.
******
عقد
البنفسج