التجريب الحائر

المسرح الشعبي في العراق 

 

لم يشهد واحد من المصطلحات المسرحية المتداولة في العراق، والمنطقة، ما شهده مصطلح المسرح الشعبي من نقاش واحتدام طيلة النصف قرن الماضي. وبالطبع يبدو الاحتدام في التصدي لهذا المصطلح مقبولاً لجهة وجود ما يمكن تسميته بعينات من المسرحيات الشعبية بالرغم من أن دراسة هذه العينات ظلت بعيدة عن انجاز متن نظري يجتهد في صياغة الفضاء النظري للمسرح الشعبي إجمالا ً.

إن من نافلة القول التذكير بأن البدايات الأولى للمسرح، بشكله العصري، في العراق قد كانت شعبية في جوهرها وشكلها. والذهاب إلى السير التي كتبها الرواد عن بداياتهم المسرحية يفيد كثيراً في تعزيز هذه الفكرة حيث يشير الأساتذة: يوسف العاني، جعفر السعدي، سامي عبد الحميد وغيرهم، مرات عديدة للطابع الشعبي الذي رافق بداياتهم المسرحية، ولعل قصة الكراسي والتخوت التي تجلب من بيوت الممثلين للمدارس التي كانت تقدم فيها عروضهم صارت من القصص المألوفة بالنسبة للأجيال الجديدة في المسرح العراقي، وهذه القصة تنسجم وسيرة ما كان يقدم أصلاً من مسرحيات انتقادية ساخرة بمجملها مع بعض الاستثناءات التي كانت تصر على تقديم نماذج من المسرح العالمي. وبالطبع فلم يكن جمهور تلك المسرحيات غير أهالي هؤلاء الممثلين وأصدقائهم ما يعني أن الأفكار التي كانت تناقشها مسرحياتهم قريبة من مدارك جمهورها بشكل عام. وتعد جمعية(جبر الخواطر) التي أسسها الفنان يوسف العاني بمشاركة عدد من طلاب كلية الحقوق أواسط الأربعينيات من أبرز الاشتغالات الأولى على المسرحية الشعبية العراقية، تلك التي تجتهد في الاقتراب من هموم الناس ومشاكلهم اليومية في إطار مسرحي شعبي. يقول الفنان سامي عبد الحميد أن القصد من تشكيل هذه الجمعية كان(تقديم مسرحيات قصيرة داخل الكلية أو خارجها، لغرض تسلية باقي الطلبة والترفيه عنهم)(1).

وسيظهر مصطلح التسلية هذا مرة أخرى ولكن بصورة أكثر سطوعاً وتبريراً مع بدايات الحرب العراقية الإيرانية عندما سادت موجة المسرحيات الاستهلاكية(ويسميها آخرون خطأ ً التجارية)، وما تلاها عندما امتلأت صالات المسارح العراقية بهذا النموذج الذي روج له مخرجوه على أنه: "مسرح شعبي يدعو إلى التسلية ولا يخلو من النقد" .

قدم الفنان الراحل إبراهيم جلال أول عرض في المسرح الشعبي في العام 1953 ، وهو عرض (راس الشليلة) للفنان الكبير يوسف العاني، ثم لحقه بعرض آخر للعاني عام 1956 بعنوان (ست دراهم)، ثم(انه أمك يا شاكر) للعاني أيضاً عام 1959.(2).بعدها قدم جلال عروضا ً شعبية أخرى للكتاب طه سالم وعادل كاظم وقاسم محمد . وتعد مسرحية (البيك والسائق) المقدمة عام 1973 واحدة من أنضج تجاربه في المسرح الشعبي العراقي. ومن المكن القول هنا أن إبراهيم جلال يعد رائد المسرح الشعبي على مستوى الإخراج في العراق كما يعد الفنان يوسف العاني رائده في التأليف والتمثيل.

وعلى الرغم من البدايات الصعبة التي رافقت تجربة المسرح العراقي في النصف الأول من القرن الماضي، إلا أن جيل الرواد استطاع أن يفلت من ما يسمى بالكليشه أو الفورم الثابت للمسرحية الشعبية عندما قدم حقي الشبلي وإبراهيم جلال وبدري حسون فريد عدداً من النصوص العالمية في بغداد، ولكننا سنرى بعد سنوات أن ثمة من يريد تحويل تلك النصوص العالمية إلى نصوص عراقية(معرقة)، ومن ذلك ما يذكره الأستاذ سامي عبد الحميد عن قيام الدكتورة سانحة أمين زكي بترجمة بعض المسرحيات العالمية للهجة العراقية الدارجة فيما يتكفل مجموعة من الممثلين بتقديم تلك النصوص ضمن جمعية الهلال الأحمر، وقدمت بالفعل عدداً من الأعمال ومنها: الأسكندر المقدوني لروبرت بولت، وعلماء الطبيعة لدورنمات وبيغماليون لبرناردشو. وهي تجربة ستثير فيما بعد جبرا إبراهيم جبرا ليقوم بتعريق مسرحية صامؤيل بيكت الذائعة(في انتظار غودو)، وهي التجربة التي جاءت بعد تجربة مثيرة للجدل كان بطلها سامي عبد الحميد نفسه في (هاملت عربياً)، وكان عبد الحميد قد أخرج في العام 1966 مسرحية تنسي وليامز(الحيوانات الزجاجية) بعد أن قام القاص خضير عبد الأمير بكتابتها باللهجة العامية العراقية. ومن ذلك يبدو أن موضة تعريق المسرحيات العالمية كان يصب في سياق تقريبها من المتلقي العراقي، أو بعبارة أخرى تبسيطها وتحويلها من سياقها العالمي الأكاديمي إلى سياق عراقي شعبي، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار قلة مؤلفي المسرح العراقي أنذاك، وإذا ما انتقلنا للعقود اللاحقة من عمر التجربة المسرحية في العراق فسنجد أن المخرجين لم يعودوا بحاجة إلى تعريق النصوص التي يخرجونها فقد تراكم عدد كبير من النصوص العراقية الشعبية، بالإضافة إلى اختلاف آليات الفهم المسرحي نفسه.

وبالرغم من أن يوسف العاني قدم مسرحيات شعبية منذ بداية الخمسينيات، تقوم عقدها على الحواديت اليومية، إلا أن بعضاً ممن تلاه من المؤلفين، وخاصة عادل كاظم، ذهبوا في بداياتهم إلى التاريخ الرافديني القديم في صياغة رؤاهم المسرحية. ويبدو هذا الذهاب إلى الجذر الرافديني وكأنه محاولة لاستحضار الروح العراقية، الشعبية، من خلال المسرح، وربما كان للاستدعاء التاريخي هذا مبررات سياسية إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار أن السلطات كانت دائماً ما تنظر للمسرح باعتباره وسيلة تغيير خطيرة ما يدفعها لبثّ عيونها في صالات المسرح، وقد كانت حيلة الذهاب للتاريخ حيلة معقولة يلجأ إليها المسرحيون للخلاص من قسوة الرقيب وشرطي المؤسسة. لقد رأى إبراهيم جلال في التاريخ البابلي الذي طرحه عادل كاظم في مسرحية(الطوفان) انعكاسا ً (للكثير من المشاكل المعاصرة ومساءلة الواقع باعتباره مكانا ً لمناقشة الحاضر بل واستشراف المستقبل من خلال وسائل فنية ورؤى جديدة)(3)، ولم يكن عادل كاظم، الذي كتب فيما بعد عدداً من الأعمال التي تندرج ضمن المسرح الشعبي، مؤلفاً معنياً بمثولوجيا بلاد ما بين النهرين بقدر بحثه عن بؤر شعبية من تاريخ العراق القديم من الممكن إسقاطها على الواقع المعيش.

وبعد عدد كبير من العروض خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، خاصة ما أنتجته الفرق الأهلية التي تشكلت ضمن تلك الفترة وعروض معهد الفنون الجميلة، كان لابد لعرض ما من أن يشكل نقلة في الفهم المتداول للمسرحية الشعبية في العراق، وقد تمثل ذلك في عرض سيظل محفوراً في الذاكرة الجمعية هو عرض:(النخلة والجيران 1969).

كان قاسم محمد قد عاد للتو من دراسته للمسرح خارج العراق، وقد جلب في حقيبة سفره مشروعا ً أعده والروائي الكبير غائب طعمة فرمان عن رواية لهذا الأخير بالعنوان نفسه وأرادها قاسم محمد أن تكون باكورة نشاطه الجديد في المسرح العراقي. هكذا حشد للعمل عدد من أبرز الوجوه في مسرح ذلك الزمان بالإضافة إلى عدد من الوجوه الشابة فقدم العرض من على خشبة مسرح بغداد ليكون فيما بعد ما يمكن تسميته باللبنة العلمية الأولى في المسرح الشعبي العراقي المتأثر بالواقعية الاشتراكية القادمة من المعسكر الشرقي أنذاك، بعد أن كانت العروض الشعبية العراقية متأثرة إلى حد ما بالميلودراميات التي كانت شائعة في قصص الحب الرومانسي والنضال ضد الاستعمار وما إليه. ومن اللافت هنا تحول نموذج (النخلة والجيران) في السبعينيات إلى نموذج معياري لما يجب أن يكون عليه العرض الشعبي، والأمر لا يخلو من دلالات، خاصة مع موجة المدّ الاشتراكي التي سادت البلد وخفوت المشروع القومي في الآن ذاته.

وليس مصادفة أن يبدأ مشوار الفرقة القومية للتمثيل في عرض مسرحي شعبي هو(وحيدة) تأليف موسى الشابندر وإعداد حقي الشبلي وإخراج محمد القيسي، فلقد كانت ثمة حاجة ملحة للمسرحية الشعبية، وقد قدم العرض من قاعة المسرح القومي بكرادة مريم في العام 1968. أما فترة السبعينيات وما تلاها، فقد قدمت الفرقة القومية للتمثيل وحدها عدداً لا بأس به من المسرحيات الشعبية، ونحن نعتمد هنا الثبت الذي كتبه الراحل أحمد فياض المفرجي (4)، ولكن ما يلاحظ في عروض هذه الفترة الشعبية أنها خرجت من مرحلة البدايات الخجولة والمتأثرة بالنموذج المصري الشائع لصالح عروض أكثر خصوصية وانفتاحاً على التيارات الشكلية والتمثيلية الوافدة للبلد مع عودة عدد من المسرحيين الذين درسوا المسرح في دول العالم المختلفة.

وبمرور أكثر من نصف قرن على هذه التجارب الرائدة فإن السجال حول المسرح الشعبي في العراق ما زال يأخذ حصته المناسبة في أوساط المسرحيين، خاصة بعد أن تعرض مفهوم المسرحية الشعبية لارتداد مخجل سببه الكثير من المسرحيات الاستهلاكية(التجارية) التي كانت ترفع شعار المسرح الشعبي وما هي بعروض شعبية. وبالرغم من أن المسرح العراقي شهد في هذ السنوات أيضاً عدداً مهماً من عروض المسرح الشعبي الحق، ولكن السجال الذي نتحدث عنه لم يتطور ليصل إلى بلورة موقف نظري يعين الباحث والناقد ورجل المسرح والمتابع على السواء في فهم ظاهرة المسرحية الشعبية في العراق.

 تعد ظاهرة المسرحية الاستهلاكية(التجارية) واحدة من أبرز الظواهر التي رافقت المسرح في العراق انطلاقاً من ثمانينيات القرن الماضي، ولا يخفى أن ظهور المسرحية الاستهلاكية عراقياً كان يمثل بطريقة أو بأخرى نتيجة من نتائج الحرب التي أنطلقت مع الجارة إيران في تلك السنوات. كان صعود المسرح الاستهلاكي مرتبطاً، إذن، بشكل وثيق والحالة التي كانت العائلة العراقية تعانيها وهي تودع أبناءها واحداً تلو الآخر إلى جبهات الموت، فيما تغص العاصمة بزواروفود التضامن العربية وجيش من المنتفعين والوصولين والانتهازيين الذين لم تشملهم عطايا الحرب بل شملتهم مكرماتها العديدة.

هذا الجمهور كان هو أول من دشن تلك الصالات التي ضجت بعروض لا تعتمد غير الاضحاك، وليس من الغريب بعدها أن يحضر زعيم الحرب نفسه واحداً من عروض تلك الفترة، حتى ولو حسب العرض أنذاك على تيار المسرحية الجادة، ونعني بالعرض (حكايات العطش والأرض والناس) لقاسم محمد مؤلفاً ومخرجاً. قدم العرض في قاعة مسرح الرشيد منذ 23/12/1981 وتواصل حتى العام 1982.. وعرضت المسرحية فيما بعد في(مستشفى الرشيد العسكري ببغداد)، كما عرضت في عدد من العواصم العربية وحصلت على جوائز عدة في الموسم المسرحي العراقي 1982 كما نال بطلها الفنان محسن العزاوي على جائزة أفضل ممثل.. دليل مسرحية(حكايات العطش والأرض والناس) كان يقدمها على أنها: (احتفال مسرحي شعبي) ويضيف الدليل بالقول أن العرض يمثل (حالات حياة مدينة على الحدود). وهكذا يبدو جليا ً الربط بين الاحتفال الشعبي، الذي كثيراً ما دعا إليه قاسم محمد، وتيار المسرحية التعبوية الذي بدأ نجمه بالصعود جنباً إلى جنب وتيار المسرحية الاستهلاكية ولكن المسرحيين العراقيين سرعان ما انسحبوا من الأول تماماً، ربما لسطحيته وفقدانه للجمهور.

ولكن هل كانت مسرحية قاسم محمد هذه بحق تمثل احتفالاً مسرحياً شعبياً أم أنها كانت محاولة مبكرة لمغازلة السلطة وآيديولوجيتها، تلك المغازلة التي ستشتد بقوة في سنوات لاحقة من عمر السلطة نفسها والمسرح العراقي أيضاً؟

يعود قاسم محمد بعد سنوات ليقدم عرضا ً لافتا ً هو "رسالة الطير" ضمن منطق الاحتفالية أيضا ً ويلحقه بعرضين كتبهما الشاعر يوسف الصائغ هما: العودة والباب، ليحقق من خلال هذه الأعمال نجاحا ً بارزا ً في صناعة عرض مسرحي يتصالح وفهم متميز للمسرحية الشعبية.

وبالرغم من العدد الكبير من المسرحيات الرصينة التي قدمت في ثمانينيات القرن الماضي فإن حشد الجمهور الضخم الذي كان يتدافع للحصول على مقعده في عروض المسرح الاستهلاكي قد شجع فنانين بارزين على تقديم مسرحيات مشابهة، فقدمت الفرقة القومية للتمثيل ابتداءا ً من منتصف الثمانينيات عددا ً من المخرجين في عروض استهلاكية باسم المسرحية الشعبية، ومنها: ناس وناس لفخري العقيدي والمحطة لفتحي زين العابدين وحال الدنيا لمقداد مسلم ويا حوتة يا منحوتة لسليم الجزائري وأحلام العصافير لفتحي زين العابدين أيضا ً.. والملاحظ أن هؤلاء المخرجين قد استمروا في تقديم عروض المسرح الاستهلاكي في عقد التسعينيات وما بعده مضافا ً إليهم عدد آخر هذه المرة من المخرجين مثل: محسن العزاوي ورياض شهيد وغيرهما.. وبالطبع فإن الجميع يهتف بالمسرحية الشعبية الكوميدية الاستعراضية الغنائية الراقصة ألخ من اصطلاحات هذه اليافطة الكريهة.

أما تجربة الفنان محسن العلي في تشكيل فرقة المسرح العسكري فكانت تمثل انطلاقة بارزة في المزاوجة بين تيارين: التيار التعبوي والتيار الاستهلاكي. قدم العلي عدداً من العروض الناجحة جماهيرياً ولكن قيمتها الفكرية والجمالية ظلت محل أخذ ورد على الدوام، ونحن اليوم ننظر إلى تلك العروض، وخاصة(حسين ارخيص، ويونس السبعاوي) وغيرها بعين لا تسقط متطلبات واقع تلك المرحلة وضغوطها، وبالرغم من أن تلك الأعمال أرادت، أو أراد منتجوها أن تكون عروضاً في المسرح الشعبي، إلا أن الثابت هو أنها لم تستطع البتة أن تشكل بذوراً صالحة لمسرح شعبي أصيل، خاصة وإنها تمثل عروضاً مناسباتية تريد أن تنسجم، كما أشرنا قبل قليل، مع متطلبات المرحلة حتى ولو كان هذا الانسجام على حساب القيم العليا لفن المسرح، وحتى لو ضحينا في الطريق بأهم متطلبات المسرحية الشعبية وهو الصدق.

بعد سنوات نجد محسن العلي قد استدار وفرقته لعروضهم التعبوية المتناسبة وعنوان تلك الفرقة لصالح العروض الاستهلاكية، أو الجماهيرية على تسميته، ومنها: (المحطة، وباب وخمس بيبان) وغيرهما، ولمّا لم يجد بداً في تلك الاستدارة قرر أن يوقف نشاط فرقة المسرح العسكري ليشكل فرقة أخرى تتناسب تماماً وعنوان مرحلة ما بعد الحرب هذه المرّة، وقد أطلق عليها تسمية فرقة النجاح، النجاح للمسرحيات الشعبية الجماهيرية الغنائية الراقصة ألخ من تلك القائمة.

على أن ذلك لا يمنعنا من القول بأن محسن العلي كان أبرز من أخلص في المسرحية الشعبية في العقدين الأخيرين، وبالرغم من الكثير من الاخفاقات التي رافقت تجربته تلك فإن ما يحسب له اجتهاده ومحاولاته المستمرة.. ولعل مسرحيات(سيدتي الجميلة، الإسكافي، ثم الباب العالي) تمثل محاولات نظيفة وجادة في هذا السياق. إن ميزة مسرحيات العلي الشعبية في تقديرنا، ونقصد نماذجها الناجحة، كان في قدرتها على سحب جمهور عريض لصالحها بالرغم من خلوها من الاسفاف الذي يجلب الجمهور العريض عادة. لقد عمل العلي بذكاء على اختيار موضوعات حساسة وتحشيد نجوم كوميديين وعدد من نجوم الشاشة أيضا ً من أجل خلق عرض مسرحي شعبي فيه مقومات الفرجة الممتعة للمتفرجين.

وإذ تنامى تيار المسرحية الاستهلاكية، ممثلاً عن المسرح الشعبي، كما كان يزعم منتجوه، فإن المحاولات الجادة لاعادة الاعتبار للمسرح الشعبي ظلت مجرد محاولات يتيمة وغير ذات أثر. كان المعلم سامي عبد الحميد واحداً من أبرز المحاولين، خاصة بعد رحيل الفنان الكبير إبراهيم جلال وانكفاء فرقة المسرح الفني الحديث وفرقة المسرح الشعبي وعدد من الفرق الشعبية الأهلية الأخرى.

وسامي عبد الحيد مخرج إشكالي، وهو يعترف بأنه، وعوني كرومي، لا يثبتان عند منهج اشتغال بعينه، ولأنه كذلك كانت تجاربه تتأرجح بين النجاح والاخفاق على الدوام. لم ينج عبد الحميد في مرحلة الثمانينيات من مشكلة المسرحية العتبوية، واللافت أنه يعترف في كتابه(تجربتي في المسرح) بأنه أخفق في عرض تعبوي حمل عنوان(فصيلة على طريق المجد). يقول سامي عبد الحميد: (صدق من قال إن من لا يعمل لا يخطئ. ولأنني ارتبطت بالمسرح وأصبح العمل فيه جزءاً من حياتي. ولأن المسرح امتلك عقلي وجسمي، لم أستطع الفكاك منه، حتى عندما تحدث اخفاقة لم أكن أتوقعها، أو حتى عندما يتردى حال المسرح ، فيدخل عالمه الجهلة والمشعوذون والمتسلقون الذين يصعدون درجات سلّمه في غفلة، أو بدفع ساذج من الآخرين(...) وحدث الشيء نفسه عندما قمت عام 1982 باعداد نص يتعرض لأحداث محلية خلال الحرب العراقية- الإيرانية اقتبسته عن نص مسرحية(فصيل على طريق الموت) لمؤلف إسباني يتحدث عن فصيل من الجنود عزلوا في المنطقة الحرام أثناء الحرب وينشب صراع بين شخوص المسرحية حول مصيرهم. أسميت النص الجديد(فصيلة على طريق المجد) تركز الفعل فيه على بطولة المقاتل العراقي. وكان سبب الاخفاق واضحاً لافتقار العرض إلى الصدق في تصوير الأحداث وفي إدارة الشخصيات، حيث لم يعش المخرج ولا أحد من الممثلين الواقع مثلما هو في حقيقته، وليس من التصور. وهنا تأكد لي المبدأ القائل أن الإبداع الفني لا يتحقق إذا كان مفروضاً من الخارج ولم يكن نابعاً من الحس الداخلي للفنان، فقد فرضت عليّ إدارة الفرقة أنذاك شروطاً وحدوداً للعرض ينبغي عدم تخطيها، ومنها عدم الاشارة إلى الصراع بين الشخصيات من أجل البقاء. وبدلاً من ذلك التضحية والفداء. وعدم الإشارة إلى أي عنصر من عناصر الضعف في نفوس المقاتيلن مما هو بعيد عن الحقيقة.)(5)

تعمدنا هنا أن نورد نص حديث سامي عبد الحميد كاملا ً لنثبت كثير من النقاط، ومنها: إن سامي عبد الحميد يعترف بإخفاقه في عرض مسرحي بعينه، ثم اعترافه بأنه رضخ لشروط الرقيب وما كان عليه أن يرضخ وهو معلم الأجيال في العراق، وقبلها موافقته على إخراج عرض مسرحي تعبوي أريد له أن (يركز على بطولة الجندي العراقي) وأيضا ً نجد في نص عبد الحميد إشارة لموضوعة الصدق الفني...ألخ.

على إن عبد الحميد الذي يتأرجح بين المناهج الإخراجية على الدوام، كما يتأرجح بين الأساليب المسرحية أيضا ً يفرد سنوات من مشوراه المسرحي لثلاثة عروض في المسرح الشعبي تعد وبلا شك مسرحيات تجتهد في تقديم رؤية متقدمة في هذا السياق، وهذه العروض هي: إلى إشعار آخر، الكفالة وساعي البريد. واللافت في هذه التجارب تسمية عبد الحميد لها إذ أنه يسميها بثلاثية التجريب(6)، وهو إذ يقر ّ بإن فكرة العروض الثلاثة قد انطلقت من هموم شعبية إلا أنه لا يسمي تلك العروض بالعروض الشعبية، المرة الوحيدة التي يذكر فيها شيئاً عن شعبية تلك العروض كانت في إستنتاجاته التي خلص إليها بعد تقديم مسرحية(إلى إشعار آخر) حيث يقول: ضرورة الضرب على أوتار الحس الشعبي واللاوعي الجمعي للمشاهدين حيث نكشف لهم الهموم بعمق وكثير من السخرية والمرارة وتقديم المشاكل التي يواجهها الفرد في هذا العصر بشكل يثير الدهشة والانفعال.

ونحن نعتقد أن سامي عبد الحميد يخفق في شيئين هنا: الأول في عدم تسميته صراحة لمسرحياته الثلاثة تلك بالمسرحيات الشعبية، وثانياً في استنتاجه المشار إليه أعلاه، فهو استنتاج من الممكن أن ينطبق كثيرا ً على عروض المسرح الاستهلاكي ما دامت تلتقط الهموم وتضرب على اللاوعي الجمعي وتقدم مشاكل الفرد ألخ.

إن ثلاثية عبد الحميد تلك كانت تمثل رصانة مفتقدة في فهم المسرحية الشعبية، ونعتقد أن حنكة عبد الحميد الإخراجية وخبرته الطويلة قد تلاقحت وعدد من الشباب المسرحي(المؤلف عبد الكريم السوداني والممثلين: مظفر الطيب وحقي الشوك واحسان الخالدي) من المتحمسين لانتاج تيار المسرحية الشعبية في العراق خاصة وإنهم من الشباب الأكاديمي غير المنبهر بالأضواء المحيطة بمن اختطف المسرحية الشعبية العراقية. وإذ كان فضاء التمرين يمثل مختبرا ً للتجريب المستمر فإن درجة عالية من الناجح ستصيب العمل.

وما دمنا بصدد الحديث عن فضاء التمرين تحضرنا هنا تجربة أخرى من تجارب المسرح الشعبي في العراق وهي تجربة الفنان عزيز خيون، تلك التجربة التي تجتهد كثيرا ً في التركيز على فضاء التمرين بالرغم من أن المخرج فيها لا يأتي مطلقا ً لقاعة التمرينات بدون خطة مسبقة.

قدم عزيز خيون ومجموعته عدداً من الأعمال منها : مرحبا ً أيتها الطمأنينة، ألف رحلة ورحلة، مطر يمة، لو، تقاسيم على نغم النوى، مسافر زاده الخيال وغيرها. وعزيز خيون إذ يعلن في مناسبات عديدة انحيازه للمسرحية الشعبية فإنه لا يدخر جهدا ً في العمل على انتاج عرض شعبي لا يسقط في فخ العادية، وهو يركز في عمله على عنصرين أساسين هما عمل الممثل وخلق الصورة المسرحية التي توازي ذلك الاشتغال. أما النصوص التي يختارها فكثيرا ً ما تكون لمؤلفين محليين (جليل القيسي وعواطف نعيم)، أو أنها معدة عن قصص عراقية، وفي كل الأحوال فإن النصوص التي يختارها تحمل هموما ً محلية وشعبية صرف فيما تكون معالجاته الإخراجية لها منسجمة تماما ً وخاصية الإيماءة السريعة التي يستطيع متفرج عادي التقاطها.

أما الدكتور فاضل خليل، وهو أبن (النخلة والجيران) فقد كانت عودته من الدراسة العليا خارج العراق إيذاناً بتقديم عدد من الأعمال المختلفة، بين الرصانة الأكاديمية المتحققة في عرض(اللعبة) والمسرحية الشعبية في (الشريعة) ووصولا ً إلى تجربته في (انسوا هيروسترات) والتجريب بالممثل. ولكننا نعتقد أن فاضل خليل يعد واحدا ًمن أبرز مخرجي المسرح العراقي المؤهلين فعلا ً للخوض في غمار المسرحية الشعبية بل والتنظير لها، وذلك لعدة أسباب أهمها أنه قد اشترك فعلا ً في تمثيل عدد كبير جدا ً من الأعمال الشعبية ناهيك عن مشاركاته مع عمالقة التمثيل العراقي.

ويبدو الدكتور عوني كرومي مخرجا ً كبيرا ً في عرض(الإنسان الطيب)، ولكنه لم يقدم بعد هذا العرض الشعبي شيئا ً يستحق الذكر. لقد كانت محاولة الانسان الطيب بما حشد لها من فكر إخراجي وعدد من كبار الممثلين أن تكون نقطة تحول في فهم المسرحية الشعبية كان من المتوقع أن يلحقها صاحب(ترنيمة الكرسي الهزاز) بنماذج أخرى ولكنه فضّل اجترار أعماله الناجحة كما حصل عندما قدم (قصائد مسرحية) عام 1990 وعندما قدم الترنيمة في العاصمة الأردنية عمان عام 2000 بممثلين جدد وفضاء إخراجي جديد في محاولة غير موفقة لإسقاط مضامين معينة على قضايا لا تناسبها.

ولأن عوني كرومي يعد أبرز من درس مسرح برشت في العراق بعد الراحل إبراهيم جلال فإن الكثير من النقاد كان يعتقد بأنه سيقود لواء المسرحية الشعبية العراقية المتطورة فهما ً ومضمونا ً ولكن الذي حصل هو أن كرومي غادر العراق أواسط التسعينيات إلى برلين وهناك لم ينتج شيئا ً يضيف لمسيرته.

إن تجارب المسرحية الشعبية العراقية في العقود الثلاثة الأخيرة مثلت بحق ما يمكن عده الإشارات الأولى في فهم المسرحية الشعبية، ولقد عمل مخرجون من طراز: إبراهيم جلال، سامي عبد الحميد، فاضل خليل، محسن العلي، عوني كرومي، عزيز خيون على انضاج فهم جمالي يتناسب والبيئة العراقية التي خرجت منها عروضهم العديدة. ومع ذلك تبدو حتى جهود هذه الكوكبة بمثابة تجريب حائر في المسرحية الشعبية العراقية، وهو حائر لأنه لم يؤسس تيارا ً فكريا ً يمكن العودة إليه وتفحصه وتفحص آثاره. إننا بحاجة ماسة لوضع ستراتيجيات خطاب كلياني للمسرحية الشعبية في العراق، بحاجة ماسة لتشكيل مؤسسة بحث معنية بالمسرح الشعبي بشكل خاص وتخليص نموذجها من الاطناب التهريجي الملهاوي، وكذلك من البلاغات القديمة للخطب الرنانة التي لا تشبع من جوع ولا تغني من فقر. وبالطبع لن يتحقق ذلك ما لم ترافقه مراجعة شاملة وجادة لما قدم تحت يافطة المسرحية الشعبية في العراق طيلة عقود.

**********

الهوامش:

سامي عبد الحميد، تجربتي في المسرح، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000، الطبعة الأولى، ص 9.

أحمد فياض المفرجي، إبراهيم جلال في التوثيق والإبداع، منشورات نقابة الفنانين/المركز العام في بغداد 1991 .

 فاضل السوداني، الجدل والقضية الاجتماعية في فكر ابراهيم جلال، مجلة المدى، دمشق، العدد السادس في 1994، ص100.

أحمد فياض المفرجي، الفرقة القومية للتمثيل، صفحات موجزة، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1989.

 سامي عبد الحميد، مصدر سابق، ص 115 وما بعدها.

 سامي عبد الحميد، مصدر سابق، ص 124 وما بعدها.

 **************************

عقد البنفسج