علي
عيسى
ذاكرة المسرح العراقي الصورية
تبدو حاجة فن المسرح للفوتوغراف حاجة ضرورية بسبب
الغياب الواضح لأية إمكانية لأرشفة المسرح، فمن المعروف أن فن المسرح هو فن اللحظة
وفي ذلك ما يميزه عن السينما والدراما التلفزيونية والإذاعية، وغيرها من الفنون
المرئية، ولأن المسرح يمثل فناً لحظوياً تنطفئ بعد إسدال الستارة دائماً أضواؤه
وتصبح عملية إستعادة مشهد ما من عرض مسرحي مسألة مستحيلة، بل وغير ممكنة بالمرة فلا
مناص من اعتبار الفوتوغراف هو الفن الضروري المكمل للصياغات البصرية المسرحية.
ويذهب دارسو المسرح إلى إعتبار هذه الخصيصة القاسية، ونقصد لحظوية العرض المسرحي،
جوهر بقاء المسرح وسر حيويته عبر العصور، وهذا بالضبط ما يفسر الرغبة المحمومة
لابتكار وسائط خزن تحفظ الإرث المسرحي العالمي فكانت أول تلك الوسائط النص المكتوب
للعرض، على أن النصوص التي وصلتنا منذ بدايات المسرح وإلى اليوم تبقى مجرد لغة لا
صلة لها بالعروض التي إنطلقت من تلك النصوص بدليل قدرة هذه اللغة على التجسد
والتشخصن المسرحي بأكثر من شكل وقالب.
ثم جاء التصوير، الفوتوغرافي والسينمائي
والتلفزيوني ليطرح إشكالات جديدة بخصوص حفظ العروض المسرحية حيث تتحول العروض
المسرحية المنقولة صورياً إلى الأنواع المنقولة لها، أي تصبح فوتوغرافاً أو سينما
أو دراما تلفزيونية فتفقد خصيصتها المسرحية، خصيصة اللحظة.
لم يمنع ذلك من اعتبار فن التصوير الفوتوغرافي
الوسيلة الأبرز والأنجع لتوثيق اللحظة المسرحية العصية على الإمساك، خاصة وإن
الفوتوغراف كثيراً ما نظر إليه بإعتباره ليس فناً خلاقاً كما هو الحال في الفنون
الأخرى، من جهة ومن جهة ثانية فإنه يستطيع نقل أدق تفاصيل المشهد المسرحي بلقطة
واحدة أو لقطات متتابعة ما يجعل من إمكانية أرشفة العرض ممكنة دون الوقوع في فخ
الأجناس الفنية الأخرى، مثل التلفزيون بشكل خاص. إن محاولات تسجيل المسرحيات
للتلفزيون قد اقتضت وجود فنيين من نوع آخر غير النوع المسرحي، مثل المصورين
والأستديوهات وأيضاً المخرج التلفزيوني، فيصح القول عن العرض المسجل للتلفزيون أنه
نسخة مسرحية معدة للتلفزيون. والأمر مع الفوتوغراف أسهل من ذلك بكثير، وهكذا أصبح
لهذا الفن رواده القادرون على اختيار اللحظات المسرحية الأبرز من زمن العرض المسرحي
للدخول في ألبوم التاريخ دون سواها ما يعني مؤهلات هؤلاء المسرحية بالإضافة إلى
مؤهلاتهم الفوتوغرافية، ولعل من أبرز هؤلاء عراقياً يقف الفنان علي عيسى.
والفنان المصور الفوتوغرافي علي عيسى وثق بكاميرته
للمسرح العراقي منذ أكثر من ربع قرن من الزمان حتى صار يمثل الذاكرة الفوتوغرافية
الأبرز لهذا المسرح، خاصة وأنه رافق أبرز التجارب والأسماء المسرحية العراقية منذ
إبراهيم جلال وليس انتهاءاً بآخر التجارب الشابة ما أهله للحصول على العديد
من الجوائز محلياً وعربياً ودولياً، أبرزها الجائزة الأولى في
المهرجان
الدولي للصورة الفنية في عمان والجائزة الثالثة في المهرجان العربي
للصورة الفنية
في دمشق فضلاً عن عدد كبير من الجوائز والشهادات التقديرية من
مؤسسات إعلامية عربية وعراقية مختلفة.
وبحكم مزاولته لعمله الفني طيلة هذه الفترة الطويلة
وما حفظته عدسته من الآف الصور التي تمثل مشاهد لأغلب النتاج المسرحي العراقي منذ
منتصف السبعينيات وإلى اليوم فلقد اعتاد علي عيسى في كل موسم مسرحي على إقامة معرض
شخصي يمثل حصاد العام فوتوغرافياً حيث وصلت تلك المعارض لحوالي 35 معرضاً، ولكنه
كسر هذا التقليد العام الحالي عندما قدم معرضه الجديد في صالة المسرح الوطني
متضمناً لقطات نادرة لعروض الفرقة الوطنية(القومية) للتمثيل منذ العام 1970 ولغاية
2005، ولقطات أخرى لأبرز رموز هذه الفرقة العريقة. وجدير بالذكر هنا أن علي عيسى
كان يقيم معارض فوتواغرافية خاصة تتناسب ونوعية المهرجانات المسرحية التي ترافقها
تلك المعارض أو تركز الضوء الفوتوغرافي على تجارب الرواد أو أجيال معينة أو ما
إليه.
إن
أبرز ميزات العقل الفوتوغرافي لعلي عيسى يكمن في تعامله المسرحي الدرامي مع العروض
تبعاً لمخرجيها، لا الممثلين الذين يلعبون أدوارها كما هو معتاد في عمل المصور
الفوتوغرافي التقليدي. وقد دأب المصورون على ما يمكن تسميته بمجاملة نجوم المسرح من
الممثلين بشكل خاص فيقومون بتصويرهم وهم يؤدون أدوارهم على الخشبات ما يداعب
نرجسيتهم دون حساب للمغزى الجمالي والفني للمشهد موضوع اللقطة، وهذا ما ابتعد عنه
علي عيسى مسافة معقولة لصالح انتاج لقطة فوتوغرافية يمكن أن تكون جزءاً من العرض
المسرحي وفي أحيان كثيرة تكون هذه اللقطة بمثابة مركز العرض وشفرته الدلالية. ومن
المعلوم هنا أن لكل مخرج مسرحي منهاجه في خلق العرض، وتتراوح تلك المناهج حسب الفهم
الجمالي لكل مخرج للعملية المسرحية وصناعة العرض، وهذا ما يجعل عرضاً يخرجه الفنان
القدير إبراهيم جلال يختلف كلياً عن آخر للفنان بدري حسون فريد على سبيل المثال لا
الحصر، وبالطبع فإن فروقات صناعة العرض المسرحي بين عرض وآخر لا يكتشفها، بل لا
يبحث عنها إلا أهل الإختصاص والنقاد وأيضاً: علي عيسى.
تجبر الكثير من حركات الممثلين البهلوانية، أو
المبالغة في التقمص المصورين الفوتوغرافيين على توجيه عدساتهم إليهم، وإظهار تعابير
الوجه والجسد بصورة مفصلة فيما تنأى هذه العدسات عن إشراك حركة الممثل في الجو
التشكيلي للمشهد موضوع اللقطة، وبالتالي لا يصمد مثل هذا النوع من اللقطات أما
المطلب الملح للصورة باعتباره بياناً وثائقياً وجمالياً عن سيرة عرض ما. ربما تكون
هذه اللقطات مفيدة بحدود، خاصة لجهة إظهار مهارات الممثل موضوع الصورة ولكنها لا
تخدم تفاصيل العرض بمجمله. ويتجاوز الفنان علي عيسى هذه المعضلة بتوجيه عدسته على
الدوام إلى المنظر المسرحي الذي يشكل الممثل جزءاً لا يتجزأ منه في الوقت الذي يكرس
مساحة الستوديو للقطات خاصة بالوجوه المسرحية العراقية وأبرز صناع فن المسرح.
وتشكل عملية البحث عن مشهد محوري أو إرتكازي في
العرض المسرحي عملية معقدة للغاية بالنسبة للمصور الفوتوغرافي، ذلك أن عليه متابعة
سلسلة من العروض المختلفة لمسرحية الواحدة حتى يقرر أي المشاهد في هذه المسرحية هو
الأكثر قدرة على التعبير عن مضامينه ورؤى مخرجه الجمالية والفكرية، وبعد التعيين
تأتي لحظة الترقب انتظاراً لإصطياد اللقطة موضوع البحث شريطة أن تجيء في أقوى لحظات
التعبير التمثليلي والصوري عامة، فقد يفشل الممثل في لحظة معينة أو قد يرتكب فنيو
المسرح أخطاء فادحة تلحق ضرراً بصياغة اللقطة المختارة ما يعني فشل العدسة بالتالي
في اقتناص اللقطة موضوع البحث. يبدأ المصور الحاذق عادة بمراقبة التمرينات المسرحية
ثم يواظب على مشاهدة العرض المسرحي مرات ومرات وفي كل مرة تكون كاميرته إلى جواره
حتى إذا حانت لحظة الإصطياد يكون المصور جاهزاً لإنتاج لقطة البحث بيسر وسهولة،
ولربما فاجئت هذه اللقطة حتى المخرج والممثلين، وفي هذه الحالة يكون المصور قد
استطاع أن يكون جزءاً من فريق العرض المسرحي وليس جزءاً فائضاً أو تكميلياً منه،
ناهيك عن كون اللقطة الآن قد صارت جزءاً لا يتجزأ من كيان العرض بالرغم من مشكلة
الآنية التي تحدثنا عنها سابقاً.
كثيراً ما استطاع علي عيسى أن يكون ذلك المصور
المشارك، فهو دائم التواجد في صالات التمرينات كما في صالات العروض، ومن المؤكد هنا
أن عروضاً من طراز معين تبدو في كثير من الأحيان معيناً له في صياغة لقطات إبداعية
دون عروض أخرى، وذلك لا ينفي بحال الحاجة للصورة الفوتوغرافية في العروض الأخيرة.
وإذ يبحث النقاد ورجال الصحافة على الداوم عن لقطات
مسرحية تدعم آراؤهم وأفكارهم ومقالاتهم عن المسرح فإنهم يختارون بالتحديد تلك
اللقطات التي تبوح، أو تلك التي تستطيع أن تكون رديفاً فكرياً للغة المقال المنشور،
وعلى المستوى الشخصي فقد كنت على الدوام حريصاً على أن تتضمن مقالاتي التي أكتبها
وأنشرها حول المسرح العراقي صوراً بعدسة الفنان علي عيسى لأنها كانت تضيف لما أكتب
دليلاً جمالياً على ما أحاول مناقشته في مقالاتي.
إن وجود ذاكرة صورية حية لمسرحنا العراقي يحققها
الفنان علي عيسى تتطلب أن توضع تحت تصرفه إمكانيات تقنية مناسبة لإدامة عمله
وإخراجه من مستوى النيات الطيبة إلى مستوى عمل المؤسسات الصحفية والفنية، وأحسب أن
تأسيس دائرة بصرية مرتبطة بالجهة الرسمية الأولى عن فن المسرح في العراق لا يعد
مطلباً ثانوياً، خاصة مع ثورة الاتصالات التكنولجية التي غزت العالم. إن دائرة مثل
هذه الدائرة التي ندعو إليها ستوفر للجمهور والدارسين على حد سواء فرصة مراجعة
تاريخ المسرح في العراق باستمرار مع أبرز محطاته، ومن المؤكد أن مثل هذه الدائرة
المقترحة ستستقطب ملحقات أخرى للظاهرة المسرحية مثل وجود مكتبة للفيديو وأرشيف
مسرحي متكامل وتسجيلات صوتية ومؤثرات سمعية وما إليه.
*********