من
تجارب فن الممثل
رائد
محسن
علينا
أن نثبت بدءاً أن فن الممثل في العراق المعاصر قد عانى من اجحاف كبير بسبب من بروز
التيارات التجديدية الكبيرة في الاخراج المسرحي العراقي أبان العقود الثلاثة
الأخيرة، مما حصر حديث النقاد والمنظرين حول تلك المحاولات الرصينة في تطوير مناهج
الاخراج المسرحي. وفي الحقيقة فإن الممثل لم يكن الخاسر الوحيد هنا وإنما تبعه
أيضاً مصممو الاضاءة والديكور والأزياء والموسيقى، أو بعبارة أخرى فلقد استحوذ
المخرج المسرحي على حصة الأسد من الدرس والمناقشة فيما تراجعت عناصر العرض المسرحي
الأخرى من حيث الدراسة والفحص بصورة ملحوظة . ولقد شاع نوع من المتابعات الصحفية
يكرس هذا الاجحاف ، حيث يستطيع القارئ أن يذهب إلى ذيل أي مقال أو متابعة مسرحية
ليجد سطرين أو ثلاث سطور تتعلق بالممثل في العرض الفلاني . ولقد انتبه إلى هذه
الظاهرة الخطيرة غير ناقد ومتابع ولكن محاولاتهم ظلت وللأسف الشديد محاولات غير ذات
جدوى بسبب من هيمنة الأطر التقليدية في نقد الخطاب المسرحي ، ونقصد بالأطر
التقليدية تحديداً : الإطار الذي يتناول العرض من وجهة نظر تاريخية (الحديث المطول
عن النص المسرحي وسرد حوادث العرض) والإطار الذي يذهب مبااشرة لنقد آليات عمل
المخرج الكلية دون أن يكلف نفسه البحث في شبكة عناصر عمل المخرج التفصيلية.
لقد حظي الممثل العراقي في السنوات التأسيسية
الأولى بمكانة مرموقة، كما كان نصيبه من الدراسة والبحث وافياً، وهكذا فقد برز في
تلك السنوات الممثل ولم يبرز المخرج، ونحن نشير اليوم في كثير من متابعاتنا الى جيل
الممثلين الكبار: خليل شوقي، بدري حسون فريد، جعفر السعدي، يوسف العاني، سامي عبد
الحميد، عبد الواحد طه، يعقوب القرة غولي، زكية الزيدي، آزودوهي صاموئيل، ناهدة
الرماح، زينب،الخ .. بصورة متكررة، في الوقت الذي تغيب عن كتابات اليوم تلك
الإشارات الجمالية للمثل العراقي.
وعود على بدء فقد حاول عدد من المخرجين التركيز على
عمل الممثل، ومنهم: قاسم محمد، جواد الأسدي، عوني كرومي، فاضل خليل، ناجي عبد
الأمير، محسن العلي، عزيز خيون، حسين علي هارف وكاظم النصار وغيرهم، ولكن هذه
المحاولات بقيت بعيدة عن أن تنال حقها من النقد والتحليل بالرغم من أن تجارب هؤلاء
وغيرهم قد قدمت عدداً لا يستهان به من الممثلين الذين يمكن القول عن تجاربهم أنها
تجارب لافتة، ولعل الممثل رائد محسن هو واحد من الممثلين العرقيين الذين برزوا في
هذه النتاجات، وربما يكون الأبرز ..
ورائد محسن كان درس فن التمثيل في أكاديمية الفنون
الجميلة، قسم المسرح في بغداد أيام كانت الأكاديمية تضم خيرة الأساتذة، ولا غرابة
أن تشهد تلك السنوات (مطلع الثمانينيات) موجة حالمة ومؤثرة أيضاً من التجارب على
مستوى فن الممثل أو فن الإخراج على حد سواء.. وطيلة وجود رائد محسن في الأكاديمية
استطاع أن يلفت الانتباه إلى تجربته مما دفع بعدد من المخرجين إلى إسناد أدوار
رئيسية له، ومنهم المخرج صلاح القصب والمخرج عقيل مهدي يوسف والمخرج فاضل خليل
وغيرهم، كما شارك رائد في أعمال بعض زملائه الطلبة.. كانت تلك السنوات تضج بنجوم
التمثيل، ما يعني صعوبة بروز نجم جديد، ولكن رائد شق لنفسه طريقاً أهله ليكون فيما
بعد واحداً من أبرز نجوم المسرح العراقي.
طيلة أكثر من عشرين عاماً عمل رائد محسن مع عدد
كبير جداً من المخرجين العراقيين، ومما يحسب له دائماً اختياراته الصائبة للأدوار
التي يلعبها كما إنه لم يشترك أبداً في تيار المسرحيات التهريجية، ولا يعني ذلك أنه
كان من ممثلي (الوجه العبوس)، فلقد قدم رائد محسن عدداً من الأدوار الكوميدية
النظيفة في مسيرته أيضاَ، ولكنها تبقى أدوار في مسرحيات بعيدة تماماً عن الاسفاف.
وفي هذه السنوات الطويلة كانت ثمة محطات بارزة في مسيرته، وخاصة تلك التي عمل فيها
مسرحيات مونودرامية، (أنا لمن وضد من) للمخرج قاسم محمد تعد واحدة من أبرز تلك
التجارب التي وضعته في مصاف كبار الممثلين، ومن المعروف أن الفنان قاسم محمد كان من
رواد المخرجين العراقيين الذين يركزون على عمل الممثل، ويكاد الأمر ينطبق على
تجربته مع الفنانين عزيز خيون وعواطف نعيم في مسرحية (لمن الزهور) التي قدمها في
عرض ثان كان العرض الأول من نصيب الفنان حيدر منعثر الذي انسحب انذاك من ميدان
الممثل لصالح ميدان المخرج ولكنه عاد في أواخر التسعينيات لميدان المخرج، ولكن
الجماهيري هذه المرة.
من البداهة القول في سياق فن الممثل أن جسد الممثل
يلعب دوراً حاسما، بالاضافة إلى الصوت والحضور والثقافة، في خلق الممثل الساحر،
وتمثل تلك الشروط القاعدة الذهبية للمثل وهو يتصدى لتمثيل الأدوار المختلفة، قد
نضيف ملاحظة هنا أو شرطاً هناك، ولكن القواعد الأساسية لفن الممثل لا تتعدى ما
ذكرناه، ومناسبة هذا القول أن رائد محسن قد امتلك مبكراً هذه القواعد بالرغم من أن
بنيته الجسدية، المائلة للقصر، كانت تدفع للاعتقاد بأن صاحبها قادر على لعب أدوار
معينة دون سواها، وبالطبع فهو اعتقاد خاطئ تماماً، فلطاما أشعرنا ممثل طويل القامة
بأنه قصيرها على المسرح والعكس صحيح أيضاً، وهذه هي متعة التمثيل وسحر المسرح، ولأن
رائد محسن كان يعي بشكل جيد شروط الممثل الصحيح فلقد استطاع التغلب على هذه النقطة
عندما قدم أدواراً مختلفة (من حيث النوعية) لا يمكن فيها أن تقتنص ملاحظة الجسد
هذه، وذلك لأن اللعبة المسرحية استطاعت أن تبني كياناً جديداً للمثل على الخشبة،
وداخل فضاء العرض..
يكثر رائد محسن من الاعتماد على الشعور الداخلي،
وكذلك ما يسميه ستانسلافسكي (و السحرية)، وليس صعباً أبداً ان ترى الممثل هنا
(متقمصاً) في غالب الأحوال لدوره، بمعنى أن (الاستعراض) بالجسد يصبح أمراً ثانوياً
في شغل الممثل هنا لصالح تغليب الجو النفسي والإنفعالي داخل المسرحية، ولا يعني
إقصاء الاستعراض بالجسد في هذه الفقرة الميل إلى الحركة الآلية، أبداً، فالممثل في
البناء النفسي للتقمص أنما يقدم حالات مستلة من الواقع بعد أن يضفي عليها مسحة
الفن، وتبدو المهمة صعبة للغاية حين يلامس الممثل ما هو مكرور واعتيادي في هذا
الواقع فتراه يذهب بعيداً في التقمص والمحاكاة فيصير تابعاً للواقع وهو ما ليس
مرغوباً به في المسرح، ولم يسلم رائد من هذا الفخ، شأنه شأن الكثير من الممثلين
العراقيين، خاصة أولئك الذين لعبوا شخصيات مكتوبة لتثير مشاعر مكبوتة لدى
المتفرجين! .
كانت مسرحية (الانسان الطيب) لعوني كرومي، والتي
اشترك فيها حشد من الممثلين المميزين في المسرح العراقي، هي نقطة الانطلاق الكبيرة
والمؤثرة في مسيرة رائد محسن، وقد عرض كرومي مسرحيته تلك في أواخر عقد الثمانينيات
من على خشبة المسرح الوطني في بغداد، تتالت بعدها الأدوار المؤثرة لرائد ومنها دوره
في مسرحية (مطر يمة) مع عزيز خيون، ودوره في مسرحية (كأس) مع شفيق المهدي ودوره في
مسرحية (ملك زمانه) مع حيدر منعثر.. هذه النماذج الثلاث تصلح أن تكون المدخل لدراسة
فن الممثل في رائد محسن وذلك لأنها عروض تختلف في كل شيء..
في (مطر يمة) مثّل رائد دور الإقطاعي الجلف وقاسي
القلب، وفي(كأس) كان رائد يمثل أحد خيوط الجريمة التي تحيط بهاملت، وفي (ملك
زمانة) كان يمثل دوراً كوميدياً من أنضج أدواره، وهو دور الجلاد في مملكة (الشحاذين
والجنون والهرطقة).. وبين أن يكون اقطاعياَ فضاَ في واقع تراجيدي وأن يكون عقلاً
لحياكة مؤامرات القصر الملكي، وبين أن يكون أخيراً الجلاد بائس الحظ في مملكة
الغفلة، تختلف آليات الممثل وتتفرع لتنجب قراءات جمالية متعددة، وهو بالضبط ما يسعى
فن التمثيل إلى تركيزه، فمن رهافة الأداء الكلاسيكي إلى جماليات الممثل الكوميدي
ومن جلافة الشخصية الإقطاعية إلى خفة الدم في مملكة الهرطقة تنوعات أدائية كان رائد
محسن يسعى جاهداً لرسم خطوطها في أذهان المتلقين بما يمنحهم فرصة لقراءة سيرة ممثل
يلعب على المسرح بخفة طائر رشيق.
ولأن
رائد محسن ممثل أخلص للمسرح فقد كان شبه غائب عن موجة المسلسلات التلفزيونية التي
اجتاحت العراق في عقد التسعينيات الماضي، ونعتقد أن رائد محسن قد توفرت له فرص
العمل مع كبار مخرجي المسرح العراقي وأكثرهم دراية بشروط فن الممثل، كما توفر له أن
يمثل جنباً إلى جنب مع عدد مهم من الممثلين،
ما يعني
أنه حصن نفسه جيداً ضد الموجات الاستهلاكية في الدراما التلفزيونية، وهو ما
يعني أيضاً اكتسابه لمهارات تمثيلية متراكمة كانت تضيف لرصيده الشخصي باستمرار،
خاصة وإنه، كما ذكرنا من قبل، لم ينزلق لهاوية الممثل (القراقوز) في المسرح
الاستهلاكي تلك التي ابتعلت في موجتها العاتية أسماء وأسماء.
****************