من
تجارب فن الممثل
ناجي
كاشي
كان
ناجي كاشي يحضر رسالته في الماجستير، فنون المسرح، عندما كنت طالباً في المرحلة
الأولى في قسم الفنون المسرحية بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد.. اختاره المخرج
الدكتور عادل كريم ليلعب دور أوديب الملك الذائع فيما كنت ومجموعة من الطلبة نلعب
دور الجوقة ضمن مستلزمات الدراسة.. كان هذا اللقاء هو أول معرفتي بناجي كاشي الذي
لعب الدور بالتناوب وزميله الفنان علي حسون المهنا الذي كان يحضر لرسالته هو الآخر.
أول ما يلفت الانتباه في أداء كاشي هو صوته وقوة
جرسه التي تدخل الأذن بلا استئذان.. في تلك الأيام كان أستاذ مادة الصوت والإلقاء
الفنان الكبير بدري حسون فريد يكرر على مسامعنا كل يوم تقريباً أن الممثل الفاشل هو
الذي يعتمد على المايكرفون في المسرح، فالصوت، عند فريد، يكاد يكان العامل الحاسم
في نجاح تجربة أي ممثل... ولقد أجاد ناجي كاشي في إلقاء حوار سوفوكلس الشعري في
أوديب إجادة أهلته للدخول بقوة إلى عالم الصف الأول من ممثلي العراق، وبالطبع لم
يكن ناجي قبلها أسماً ثانوياً في المسرح العراقي ولكن فرصة أوديب كانت فرصة مختلفة
تماماً دعت المخرج الراحل الكبير إبراهيم جلال إلى أن يكتب، على غير عادته، نداءاً
في الصحف العراقية لمشاهدة العرض ما عد إنجازاً لأبطاله ومخرجه المختص بكلاسيكيات
المسرح العالمي.
خرج ناجي كاشي بعد هذه التجربة إلى تجارب أخرى منها
مسرحية (اللعبة) للمخرج الدكتور فاضل خليل وبمشاركة نخبة من نجوم المسرح العراقي:
الراحل عبد الجبار كاظم وعبد الخالق المختار وكريم رشيد .. ثم (الأشجار واغتيال
مرزوق) مع الفنانين المهاجرين : كريم جمعة وماجد درندش وصولاً إلى آخر مسرحياته
ممثلاً في مسرحية (خمسة أصوات) التي أعدها الفنان عبد الوهاب عبد الرحمن عن رواية
الراحل غائب طعمة فرمان بالأسم ذاته وأخرجها الفنان محمود أبو العباس وبمشاركة
الفنانين عبد الخالق المختار وحقي الشوك وغيرهم.
وخلال العقد التسعيني الذي أتحدث عنه هنا، كان ناجي
كاشي قد انتقل مرات للسكن ما بين مدينته السماوة وبغداد.. في السماوة التي كان يعمل
فيها مدرساً وجد حضوره الأقوى في عالم الإخراج المسرحي، هكذا شهدت العاصمة بعضاً من
مسرحياته أثناء انعقاد مهرجاناتها السنوية فشاهد الجمهور غرابة تلك الأعمال القادمة
من مدينة السماوة: (من أجل أنكيدو)، كانت أول تلك الأعمال، ثم (مدينة العقاب)
و(مقبرة الروبوت)، وقد قلنا غرابتها لأن المخرج فيها كان يعتمد حقاً على الغرابة
لهذا نراه يعود إلى بغداد أواخر العقد التسعيني ليقدم رسالته في الدكتوراه عن
الغرائبية في المسرح.
في المواصفات الجسدية لناجي كاشي يمكننا القول أن
جسده متوسط الطول ما يؤهله للعب مختلف الأدوار، فيما تزيد نبرة صوته القوية من شدة
حضوره على الخشبة، في الأدوار الكلاسيكية على وجه الخصوص، أما ميله للغرابة مخرجاً
فيؤكد أمكانية أن يكون ممثلاً استعراضياً لو توفرت له فرص ذلك. يبدو ناجي كاشي شديد
الميل إلى التفسير النفسي للشخصية دون إيغال، فهو يعرف أن التفسير النفسي قد يسقط
صاحبه في براثن التقمص التقليدي، ولهذا يلجأ كاشي إلى المزاوجة بين التفسير النفسي
وما تمنحه إمكانيات الممثل التقنية من فرصة للعب المسرحي.
إن تجربة الممثل المخرج تجربة ليست بالجديدة في
المسرح العراقي، أما أهم ما يمكن أن تؤدي إليه من نتائج سلبية فهو عندما يصر المخرج
على لعب أدوار البطولة في المسرحيات التي يمثلها، وقد أفلت ناجي كاشي من هذا
المأزق، وبالرغم من أنه من الفنانين المقلين إجمالاً على مستوى التمثيل والإخراج
فإن انشغاله الدائم بالدراسة الأكاديمية، الذي أعاقه كثيراً عن البروز، يظل مفيداً
لتطوير أدواته الفنية ومن جانب آخر يزيد من تحصينه ضد علل وأمراض المسرح العراقي .
إن إيمان ناجي كاشي بالغرابة التي يدعو إليها،
رسالته للدكتوراه خاصة، يصلح أن يكون منهجاً في الأداء المسرحي وكذلك في الإخراج،
وبالطبع فإن كاشي مطالب اليوم أكثر من أي يوم مضى، خاصة بعد أن أنهى دراسته
الأكاديمية وغابت سلطات الرقيب المجنونة عن عراق اليوم، مطالب بمواصلة مشروعه
التمثيلي والإخراجي بقوة، ومن مكانه في مدينة السماوة يستطيع هذا الفنان الملتزم أن
ينجز، كما فعلها من قبل، أعمالاً تلغي وإلى الأبد فكرة (مسرح المحافظات) لصالح فكرة
المسرح العراقي.. تماماً كما يحاول مجموعة من الشباب المثقف ذلك (حالة ياسر عبد
الصاحب البراك في مدينة الناصرية نموذجاً) ..
وتبدو خبرة كاشي المتأتية من الدرس الأكاديمي وعمله
إلى جانب خيرة مخرجي المسرح العراقي كافية تماماً للشروع بانجاز أعمال مسرحية جديدة
تخرجه من العزلة التي يعيش فيها وتقدم لمسرحنا العراقي تجربة جديدة في فهم عمل
الممثل والمخرج على الحد السواء.
إن العديد من تجارب التمثيل في المسرح العراقي
اليوم قد ذبحت لأسباب عديدة أبرزها غياب الحضور القوي للمسرح بمواجهة الحضور الأقوى
للدراما التلفزيونية ما دفع الكثير من الممثلين، مدفوعين بالرغبة في العمل والحصول
على أجور مناسبة، إلى هذا العملاق التلفزيوني، وبالطبع فقد أكل التلفزيون كثيراً من
جرف الإبداع المسرحي في العراق.. يدفعنا ذلك للوقوف وقفة متأنية في دراسة هذه
الظاهرة التي إذا ما استمرت كما حال السنوات العشر المضية فسنجد أنفسنا وقد خسرنا
مشروعنا التجريبي في فن الممثل المسرحي. تصح الإشارة هنا إلى أن ناجي كاشي، وعدد
محود من الممثلين العراقيين، قد وضعوا مسافة معقولة بينهم وبين التلفزيون، فهم إما
من قليلي الحضور أصلاً في الدراما التلفزيونية أو أنهم حافظوا على لياقتهم الجسدية
والفكرية المسرحية بعيداً عن آفة التآكل التي تبلي بها الدراما التلفزيونية ممثلي
المسرح. وفي هذه النقطة بالذات تبدو الدولة ومؤسساتها الفنية مدعوة فعلاً لرعاية
التجارب التمثيلية المسرحية الجادة وحمايتها من الإنقراض أمام المد التلفزيوني،
وأعتقد أن دعم المجاميع المسرحية المختلفة داخل العراق مادياً وإعلامياً يجب أن
يكون هدفاً للجميع للقيام بهذه المهمة النبيلة .
إن حالة الفنان ناجي كاشي تصلح تماماً لأن تكون
مثالاً في هذا السياق، فهو أسس مجموعة مسرحية في مدينة السماوة حاولت جهدها أن
تتواصل، ولكن عقبات (الظروف) كانت على الدوام أقوى من تلك المحاولة. ولأن ناجي كاشي
لم يكن طارئاً في مشهد المسرح العراقي لذا يصبح لزاماً عليه أن يظل وفياً لما تعلمه
وآمن به، وهو الفنان الذي استطاع أن يعبر محنة التسعينيات الصعبة بنجاح يحسده عليه
أقرانه، ونعتقد أن عودته للمسرح العراقي يمثل انحيازاً لكل تلك القيم والمثل التي
قرأها وتعلمها وآمن بها.
**************************
عقد البنفسج