إشكالية الحصار والمسرح في العراق

 

 منذ فرض العقوبات الدولية، أو ما يعرف بالحصار الإقتصادي، على العراق إثر غزو نظامه لدولة الكويت في العام 1990، والمؤسسة الإعلامية تعلق الكثير من مظاهر الفساد أو تردي الوضع الثقافي على شماعة الحصار، بالرغم من أن الكثير من تلك المظاهر تعود جذورها إلى سنوات قبل فرض العقوبات...

ففي المسرح مثلاً اعتادت تلك المؤسسة الحديث باستمرار عن أثر الحصار في تردي الظاهرة المسرحية، أو رغبة المسرحيين العراقيين بكسر الحصار المفروض على بلدهم، وقد أقيمت في السنوات التي أعقبت الغزو العديد من التظاهرات الثقافية والفنية والنداوت المخصصة لبحث مثل هذا الشعار، ولقد أسهمت شخصياً في أكثر من ندوة مسرحية حملت يافطة (المسرح والحصار) وقد نشرت أغلب تلك المداخلات في صحف عراقية وعربية..

وفي الحقيقة فإن أثر الحصار على المسرح في العراق لم يكن قليلاً أبداً، ولكننا نعتقد أن تردي الظاهرة المسرحية في العراق لا تعود أسبابه إلى الحصار فقط.

وإذ تعلن أكبر المؤسسات الحكومية الراعية للمسرح في العراق (دائرة السينما والمسرح) باستمرار أنها مقبلة على خطة تسهم في (كسر الحصار المفروض على المسرح العراقي) فإنها في الحقيقة لم تستطع أبداً أن تفي بوعودها على المستوى الفني الإبداعي إلا في حالات استثنائية نادرة، وعادة ما تعلو مثل تلك الأصوات مع صدور قرارات تقضي باستبدال مدير عام للدائرة بمدير آخر (كما حصل في الشهور الخمسة الأخيرة، حيث استبدل أولاً الشاعر فاروق سلوم بالفنان فاضل خليل، ليطاح بهذا الأخير بعد مضي أقل من ثلاث أشهر على تسنمه مهام منصبه مديراً عاماً للدائرة ويوضع في مكانه الشاعر لؤي حقي !!!!) وبالطبع فقد شهدت هذه الشهور الأخيرة موجة كبيرة من التصريحات الرنانة حول (كسر الحصار ألخ ..) وما إليه من وضع خطط وتصميم برامج وانتاجات مسرحية......

وهذه الحال تذكر بالحال التي رافقت تأسيس لجنة المسرح العراقي (1997 ، 1998)  تلك اللجنة التي شكلت بقرار من رئاسة الجمهورية (من أجل انقاذ المسرح في العراق) وضمت في تشكيلها الأول مجموعة من المتناقضات التي سرعان ماأودت بحياة اللجنة لصالح لجنة أخرى لم تستطع، كسابقتها ، من أنقاذ هذا المسرح.... وبالطبع فسوف يخرج علينا أحد أعضائها ليقول: السبب هو الحصار! ..

إن أبرز آثار الحصار على المسرح تتلخص في تقديرنا بهجرة عدد كبير من أهل الحرفة والاختصاص إلى خارج الوطن لأسباب مختلفة، واستشراء ظاهرة المسرح الاستهلاكي (التجاري) المدعومة رسمياً، كما انتشرت ظاهرة بكائيات الحصار المدعومة رسمياً هي الأخرى ...

أما علل المسرح العراقي الأخرى، والتي ألقت بظلالها الكئيبة على واقع المسرح الآن فهي أقدم من عام 1990 ، ومن ذلك مثلاً: عدم الاهتمام بأهم مرفق أكاديمي مختص بالمسرح، ونعني معاهد واكاديمية الفنون الجميلة، حيث اقتصر القبول في هذه المرافق الفنية المهمة على من انتمى إلى حزب البعث الحاكم (وأذكر أنني، مثلاً، قد جرى تبعيثي عندما قدمت أوراقي للأكاديمية كشرط أساسي لقبولي فيها)، وكذلك انقسام المسرح في العراق بين تيارين ضخمين: الأول هو تيار المسرحية الاستهلاكية والتي انطلقت في بداية الثمانينيات بتحريض ورعاية حكومية (الفرقة القومية للتمثيل وفرقة المسرح العسكري) لأهداف معلومة تخص التوتر الذي ساد ابناء المجتمع بسبب حرب غير معلومة الأهداف ولا النتائج (الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988) .... وتيار المسرحية التجريبية الذي ولد ونما داخل جدران الأكاديميات الفنية والفرق غير المدعومة، وهو تيار، في تقديرنا،  مثل رد فعل طليعي لقسوة الحرب، خاصة إذا ما شخص المتابع في مسرحيات تلك الفترة نوعاً من الاحتجاج المضمر والإشارات بالغة الدلالة لما يجري للوطن.. على أن أبرز الفخاخ التي وقع فيها مسرحيو هذا التيار ابتعادهم التدريجي عن المتلقي مما دفع بمنتجي التيار الأول للإستفراد به وتوجيهه بالوجهة التي أتت نتائجها اليوم حيث لا يحضر العروض التجريبية إلا  بضع مئات من المتفرجين في أحسن الأحوال ولمرة أو مرتين في العام الواحد فيما يتدافع لحضور المسرحيات الإستهلاكية يومياً الآلاف من المشاهدين مع ملاحظة أن الدخول لمسرحيات التيار الأول مجاني فيما يدفع المشاهد لحضور المسرحيات الإستهلاكية مبالغ كبيرة بعملة العراق اليوم.

ومن مظاهر تردي المسرح في العراق قبل الحصار الانفاق الضخم على الفعاليات الفنية التعبوية وذات المنحى الإعلامي (ومن ينسى الاحتفالات الباذخة في بابل والمربد، أو في أيام المحافظات العراقية، أو في الانتاج السينمائي الذي يمجد الحرب وقادتها) في الوقت الذي عاش فيه المسرح في ظنك وقلة حيلة بسبب ضيق التخصيصات المالية، وإذا ما تم التخصيص له فلا فكرة أجدى من فكرة المهرجان!، هكذا أقيم مهرجان بغداد للمسرح لثلاث دورات ومهرجان الأمة المسرحي لمرة واحدة ، وفي المهرجانين ذهبت التخصيصات المالية الكبيرة إلى الفرق الوافدة وضيوف المهرجان ، فيما أنتجت المسرحيات العراقية المشاركة في هذين المهرجانين بأقل الكلف (تحت شعار كل شيء من أجل النصر، هذا الشعار الذي كان مرفوعاً قبل أن يرفع شعار: كسراً للحصار الجائر!!) .

أما هجرة العقول المسرحية، فإنها سبقت الحصار بسنوات، بالرغم من كثافتها مع تقادم سني الحصار، حيث كان المسرح في العراق قد فقد منذ أواسط السبعينيات نخبة من أبرز رجاله، ويكفي هنا التذكير بتجربة الفنان جواد الأسدي اللافتة باعتباره نموذجاً للمسرحي العراقي المطرود من وطنه منذ السبعينات .

هذه هي بعض مقدمات تدهور الظاهرة المسرحية في العراق والتي بلغت اليوم أبشع صورها : سيادة كاملة للمسرح التهريجي أوالمسرح البكائي، وما بينهما يكاد يختنق المسرح..

لقد دشنت المؤسسة العراقية عقد التسعينيات بالكثير من الإجراءات التي أريد لها إدامة الوضع على ما هو عليه، ومن ذلك مثلاً تم تأسيس (إذاعة وتلفزيون الشباب) وهي أكبر مؤسسة إعلامية في العراق، حتى أكبر من مؤسسة السلطة نفسها !!!، وقد قامت هذه المؤسسة بالقضاء شيئاً فشيئاً على ما تبقى من فن في جعبة أهله المحرومين، فكان أن خربت الأغنية العراقية ، وروجت للنموذج الرديء في المسرح عبر سلسلة من الاعلانات مدفوعة الثمن التي كانت تقدم على مدار الساعة وجاء مشرطها على الدراما التلفزيونية العراقية حيث تتقصد القناة بعرض ربع ساعة في أحسن الأحوال من أي حلقة لمسلسل تلفزيوني عراقي يصل زمنها إلى خمسة وأربعين دقيقة، كما لعب عدد كبير من الطارئين دوراً بارزاً في هذا التردي، حيث استطاع مجموعة من (الفكاهيين) ارتياد أكبر مسارح العاصمة بالاعتماد على مواهبهم في إثارة الغرائز الدونية وإلقاء النكات الفجة مما يجلب أكبر عدد من المتفرجين المقموعين في شتى الاتجاهات، ودخل القطاع الخاص مشاركاً، أو منتجاً لهذا النوع من المسرحيات فألغيت شاشات العرض السينمائي البيضاء ومد بدلاً عنها لسان غير أنيق من الخشب لتتحول عدد من مباني السينما الشهيرة المهجورة من جمهورها أصلاً إلى مسارح بلفتة عين، وألغيت الملاهي الليلية التي كانت تضج بها بغداد فلم يجد روادها السابقون خيراً من مسرح اليوم الذي يحفل بالرقص الخليع والغناء الشعبي والنكات الفجة لتعويض ملاهيهم المغلقة حتى وإن كانت المسارح لا تقدم للمشاهدين الخمر !! .... وفي الحقيقة فإن أي منصف لن يقول أن ذلك جرى بسبب الحصار!!، وما دخل الحصار والعقوبات الدولية في تأسيس إذاعة وتلفزيون الشباب المملوكة لنجل الرئيس العراقي مثلاً؟... لقد بانت آثار الحصار على المسرح في العراق، بالإضافة إلى ما أشرنا إليه في أول الورقة، في نقص التقنيات المتطورة لصناعة المسرحية، ولكن... حتى هذه التقنيات لم تكن لتجد من يوجهها أو يهتم بأمرها في ظل هجرة محمومة شملت أبرز مخرجي وتقنيي المسرح في العراق!!!، وفي ظل دعم الدولة غير المحدود للنموذجين السائدين: المسرح الاستهلاكي لإلهاء الناس داخل العراق، والمسرح البكائي لكسب مزيد من التضامن خارج العراق!!!!! .. .. وما بينهما كان واضحاً التقصد في تجويع المئات من أهل الحرفة الذين لا يجيدون غيرها وأرتضوا البقاء في الوطن في ظل ظروف صعبة، بل ومأساوية.

هكذا نصل إلى القول بأن لتردي الظاهرة المسرحية في العراق أسباب كثيرة، يشكل الحصار أحدها ولكنه بالتأكيد ليس السبب الرئيس فيها.

 **************

عقد البنفسج