موضوعة الحرب في المسرح العراقي
منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى)
في العام 1980، بدأ يظهر نوع من الأدب و الفن الذي يستند إلى موضوعه الحرب (تعبئة
أو إدانة) و تعمق هذا الاشتغال اكثر فاكثر قبل واثناء وبعد حرب الخليج 1991 وذالك
لضرواة هذة الحرب بكل فصولها المعروفة وكشفها للكثير من الاوراق التي تداخلت قبلها،
وأصبح من المنطقي في ظل كبت الحريات الذي ساد بشكل كبير في التسعينات أن يتجة
الاشتغال على موضوعة الحرب في الثقافة العراقية إلى أشكال رمزية أو باطنية أو
تأويلية، وفي كل الاحوال، فإن إدانة أياً كان نوعها وشكلها، هو من اختصاص أهل
الثقافة الذين ما فتئوا يشجبون الحروب ورموزها.
الخصوصية العراقية:
وفي تجربة المسرح في العراق، فإن العروض المسرحية (التعبوية) لم تكن قادرة
فنياً على إثارة جدل فكري و جمالي بالقياس إلى العروض التي نسميها عروضاً جادة
ونظرت إلى موضوعة الحرب نظرة (عالمية) وانسانية، وهكذا، نجد عروض المسرح العراقي
منذ عام 1980 ولغاية 1998 تستند بشكل أو بآخر إلى هذة الموضوعة التي أصبحت أثيرة
عند المسرحيين العراقين لمساسها اليومي_ كما لا يخفى_ بحياة الناس وأهل المسرح
بضمنهم...
وتظهر موضوعة الحرب بأشكال مختلفة وتعبيرات عديدة في العروض المسرحية حتى
الاستهلاكية منها (التجارية) بالتلميح والاشارة، وفي عروض أخرى تكون موضوعة الحرب
أكثر وضوحاً لأن العرض المسرحي ينبني كلية عليها وعلى تأثيراتها وما تفرزة من مشاكل
ومآس لاحد لها ولا حصر، وشيئاً فشيئاً بدأت تختفي المسرحيات التعبوية من الحياة
المسرحية في العراق لتظهر في أوقات متباعدة وفي مناسبات خاصة وبإخراج إما رمزي
بوجهين (سطحي و عميق)، ونرى في الوجهين تضادين هائلين في العرض الواحد، وإما أن
يقدم هذه المسرحيات مسرحيون جدد يستغلون (دعم) الدولة لمثل هذة الاعمال من أجل أن
يظهروا إلى السطح، وطالما تخلوا عن هذة الطريقة في تقديم أنفسهم بمجرد بروز
أسمائهم، هذا الاشتغال ال (برغماتي) سببة بشكل أساس القمع الفكري وحرق الحريات في
ظل نظام لا يقبل برأي ثان، اضافة إلى ضعف الفرص الأخرى المتاحة أمام هؤلاء الجدد.
إن قراءة مستمرة لعروض المسرح في العراق في السنوات العشرين الماضية لا بد
أن تعلن عن نتيجة مهمة لصالح أهل المسرح في العراق الذين تخلوا عن أن يصبحوا مجرد
مطبلين في جوقة، وعملوا بدلاً عن ذلك كل ما بوسعهم لكي يقدموا تجارب جديدة في
العرض المسرحي المعاصر تدين ولاشك فكرة الحرب وتتهم برمزية واضحة مرتكبيها وهم
معروفون تماماً لأهل المسرح. لقد شاهدنا في بغداد عروضاً لاتسمي الأشياء بأسمائها
الصريحة، لأسباب باتت معروفة للجميع، وبدلاً عن ذالك تشير (من الاشارة الرمزية)
إليها كأن يسمى (الحاكم) (الكولونيل) أو (الحكيم) أو (الضابط) أو (الوالي) أو
(العريف) ولنلاحظ هنا ارتباط هذة التسميات بتسميات
مشابهة تظهر في الحروب!، ومن هذة
الاشارات الرموزية أيضا العمل على (مناخ العرض) كان يشي بجو (ديكتاتوري) أو (تسلطي)
أو (قمعي) أو (قهري) أو (دموي) أو (استبدادي) أو (تدميري) وغيرها.
ومن أوضح الإبدالات التي يجريها المسرحيون العراقيون في مسرحياتهم المناهضة
للحرب نجد الاستناد إلى نصوص عالمية فيها المناخات ذاتها، وهي كثيرة جداً وعصية على
الحصر، ولا بأس من أن نشير إلى بعضها:
(ماكبث، عطيل، الملك لير، ريتشارد الثالث)
لشكسبير (طبعاً مع ملاحظة أضفاء التأويل المناسب لواقع الحال) وأيضا مسرحيات عديدة
لتشيخوف ويوجين بونسكو وأوجين أونيل وصاموئيل بيكت وهارلود بنتر وألبير كامو
وأدوارد ألبي وجان جينيه وسوفوكلس واسخيلوس وأسماء عديدة أخرى، وكثيراً ما لقيت بعض
نصوص هؤلاء الكتاب
إذا ما أراد مخرج ما تقديمها، المنع، كما يحصل عادة مع نص
(كاليجولا) لألبير كامو... لقد صار الاشتغال على النص المسرحي العالمي طريقة مثلى لا
إلى التجريب في المسرح وحسب، ولكن للإحتيال على المؤسسة بالاستناد إلى مرجع أجنبي
لدفع أي تهمة من الممكن توجيهها إلى المسرحي.
ومن اشتغالات المسرحي العراقي الأخرى على موضوعة الحرب نلاحظ بروز اتجاه
جديد، خاصة في عقد التسعينيات، يعمل على الإعداد المسرحي عن قصيدة أو مسرحية أو
رواية أو المزاوجة بالإعداد عن أكثر من جنس أدبي لصالح انتاج نص مسرحي يخدم الرؤية
الفكرية والإخراجية لمعد النص، وهنا أيضاً نلاحظ إن هذه الإعدادات قد تمت بالاستناد
إلى نصوص عديدة تشكل النصوص المناهضة للحرب والقمع والاستبداد أبرزها، وقد وضعت
النصوص المعدة،
إضافة إلى النصوص العالمية المعروفة، وضعت المؤلف المسرحي العراقي
في قفص الاتهام من قبل
المخرج المسرحي الذي كثيراً ما كان يشك بقدرة هذا المؤلف على
مواكبة الأحداث الجسام التي يمر بها العراق بإختلاف أنواعها ومسبباتها، وبالبطع فإن
ذلك لم يكن ليمنع من ظهور مجموعة من مؤلفي المسرح، جلهم من الشباب، برغم قلة عددهم،
ونعتقد أن قليلاً من الدعم الحقيقي سيدفع بهم خطوات لمنافسة النص العالمي واحتلال
مكانة جيدة في حركة المسرح العراقي عموماً.
تجربة شخصية في الإعداد:
لقد عملت شخصياً تجربة يتيمة في الإعداد للمسرح وكانت عن رواية الألماني
هاينرش بل المعنونة (ولم يقل كلمة)، وقدمت المسرحية بعنوان جديد في بغداد مطلع
التسعينيات، وأثارت حينها جدلاً حول ضرورات الإعداد، وأيضاً بخصوص
موضوعة النص بين المرجع التاريخي والمكاني وبين موضوعة النص الآن، وكانت إجاباتي
حول هذين السؤالين تنطلق من اعتبار إبداعي فيما يتعلق بضرورات الإعداد، إذ ظل النص
المسرحي العراقي، في تقديري، يراوح في مكانه ولم يستطع أن ينتج حاضنات فكرية
وجمالية للحياة المعاصرة وبدلاً عن ذلك فرّ هذا النص المؤلف إلى التهويمات اللغوية
أو الحبكات الفلسفية ليبتعد شيئاً فشيئاً عن طموحات لا المخرجين المسرحيين فقط بل
وحتى جمهور المسرح. وبخصوص موضوعة النص المعد، فقد أتاحت لي رواية (ولم يقل كلمة)
قراءة في رؤية ذكية لواقع ما بعد الحرب عبر سيرة حياة بطلي الرواية :(كيت
وفريد)، اللذان تدفع بهما الأهوال والظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة إلى
الإفتراق القسري عن بعضهما البعض بالرغم من الصلات الروحية والوجدانية التي تجمع
بينهما على مر سنوات طويلة، لنجد كيت تعيش مع أطفالها في مدينة أخرى بعيدة نسبياً
عن المدينة التي يعيش ويعمل فيها فريد. كل ذلك من أجل أن يعمل فريد ويوفر المال
لزوجته وأولاده. والمفارقة التراجيدية تكمن في ذلك اللقاء الشهري الذي يجمع بين
الزوجين في مدينة ثالثة تقع بين المدينتين اللتين
يقيمان فيها كلاً على حدة من أجل ممارسة
الحب ودفع بعض المال للزوجة والأولاد، ولكنهما لا يفلحان حتى في ذلك في لقاءهما
الأخير، والذي يجري في غرفة رثة بفندق رخيص، لقد أحالتهما حياة ما بعد الحرب
والتشريد الذي يعانيانه وسوء
وعدمية الحياة معيشياً واقتصادياً، أحالهما ذلك كله
إلى شبحين لا يجيدان غير الثرثرة.
في إعدادي لهذه الرواية للمسرح قمت بنقل المتن الحكائي الأساس للرواية وحذف
كل ما ليس له صلة به، ثم قمت بصياغة ذلك الحدث صياغة درامية مناسبة لشروط فن العرض
المسرحي، وإنشاء فضاء مكاني واحد هو المكان الذي تجري
فيه
أحداث العرض، وكان هذا
الفضاء المكاني عبارة عن الغرفة الرثة التي جمعت الحبيبين في لقاءهما الأخير ضمن
زمن الرواية، كما شددت على نقل الحوارات التي تحصل بين البطلين
بالحرف من متن الرواية
إلى متن النص المسرحي المعد مع محاولة جاهدة لشحن تلك الحوارات بالطاقة الدرامية
التي يتطلبها فن المسرح. كنت متأثراً في إعدادي لهذه الرواية بجملة لا أدري أين
قرأتها تعرف الإعداد باختصار شديد على أنه : تحويل جنس إلى جنس أدبي آخر، وهذا ما
كنت فعلته في المسرحية التي عرضت بعنوان (حياة مدجنة) وقام بإخراجها ولعب بطولتها
الفنان كاظم النصار.
كنت في هذا النص أتقصد إثارة سؤال أعتقده مهماً في المرحلة التي تلي الحرب،
والسؤال هو: ماذا تخلف الحرب؟ وبغض النظر عن النجاح أو الفشل الذي حصدته التجربة،
فإن القضية المهمة في هذا المشروع كانت تكمن في إثارته لأسئلة من هذا النوع، وهي
أسئلة ربما تكون محرجة، بل هي كذلك في مجتمع كان يعاني من انغلاق تام وقسوة في كل
شيء وهو المجتمع الذي خرج من حربين طاحنتين ويعيش في مرحلة سلام لا تمت بصلة للسلام
بشيء سوى كونها تمهيداً لحرب ثالثة.
ثلاثة محاور لمسرح الحرب:
نخلص مما تقدم أن المسرح العراقي الذي اشتغل على موضوعة الحرب كان يعمل
انطلاقاً من واحد من أحد ثلاثة محاور رئيسة هي:
أولاً: الاتجاه المباشر والذي يستفيد من المسرح السياسي والآيديولوجي ومسرح
بيتر فايس الوثائقي وكذلك عروض مسرح الشارع والمقهى، وهذه التجارب مجتمعة تعتمد
أولاً وبشكل اساس على ما تستطيعه من إثارة للمشاعر الرافضة والمدينة لفكرة الحرب
وما تتخلله من ويلات ودمار ومآس أو تجنح إلى التعبئة واستنهاض الهمم من أجل
المشاركة في الحرب بأي شكل من الأشكال.
ثانياً: الاتجاه غير المباشر، وهو اتجاه يجعل من موضوعة الحرب، رفضاً أو
قبولاً، مادته الرئيسة، ولكنه يعالجها بأشكال بعيدة عن الخطابية والشفوية المباشرية
والجاهزية الفجة لينتج نظام عرض يحتوي في بنيته النهائية على أنساق جمالية دلالية
إضافة إلى أنساقه الفكرية المتعلقة بفكرة الحرب.
ثالثاً: الاتجاه الجمالي الاستراتيجي، وهو اتجاه يجعل من الفن مادته الأولى،
فهو خطاب في خطاب، ينفتح على الآخر من خلال حرص استراتيجي على الابتكار والخلق ،
وهو خطاب قادر على انتاج حاضنات درامية تحتوي أزمة الفرد وغربته في زمن الحرب ضمن
آليات اشتغال لا تتقصد ثيمة الحرب لذاتها ، وإنما تجيء في سياق رؤية درامية حول
الانسان المعاصر ومشاكله الوجودية من جوع وظلم واضطهاد وقهر وعبودية ضمن رؤية
جمالية لا تبالي كثيراً بشروط المحلية
.لغرض
صد اي تهمة ممكنة في ظل مجتمع مقهور ومأسور.
تأثيرات الحرب مستمرة:
وبانقضاء أكثر من ثمانية أعوام (بالنسبة لتاريخ كتابة هذا المقال) على
نهاية حرب الخليج الثانية فإننا ما زلنا نلمس ذلك التأثير المباشر لموضوعة الحرب
على بنية المسرحية العراقية، وكما أشرنا سابقاً، بأشكال وتمظهرات مختلفة، ولعل ما
يدفع بالمسرحيين إلى هذا الموقف حالة اللاحرب واللاسلم التي يعيشها الشعب العراقي
منذ انتهاء العمليات العسكرية في حرب تحرير الكويت في العالم 1991 ، وهكذا تكاد لا
تخلو مسرحية عراقية بعد هذا التاريخ بشكل خاص من سؤال يتعلق بحياة ما بعد الحرب أو
الحرب نفسها. ومن المؤكد أن موضوعة الحرب في المسرح العراقي ستظل هي الشغل الشاغل
للمسرحيين العراقيين لسنوات طويلة قادمة.
***