أعذار المكوث هنا*
إلى: عبد الحميد الصائح
" يا أبن آدم. لقد ماتت التي كنت أكرمك من أجلها"
حديث قدسي
قلنا:
نفرّ من أمّهاتنا
وفي ظهيرة مالحة
نفتح قمصان عيشقاتنا
نبحث عن وشم
بُركة ماذا تسحق أقدامنا
وأيّ بَركة في غرف بلا أمّهات؟
قلنا:
نفرّ من المدرسة إلى المقهى
وهناك
هيّأنا أوراقاً بيضاً
وسجائر لا تنفد
واحتمالات حالكة
كانت التخوت العتيقة صبانا
وكان صبانا نحيلاً
رأسه في العيادة
وجسده يبكي في البار
قلنا:
الحياة تخرج من فانوسك
وشراشفنا مرتّبة كعادتها
تطرّزينها بالدمع كل مساء
أو عند الباب تغزلين غيابنا
- من يحمل جثتي؟
في الجوار
قطيع النادبات يودّع بعضه
- تلفّتُّ
قلتَ لي: لن يحمل جثتكِ سواي.
أينك الآن؟
جائعٌ؟! ربما!!
مفزوع على سريري العتيق
ومن خلل الباب
أتفحص جموع المطرودين
بشعورهم الكثة ولحاهم القذرة
هذا المساء أعرفه تماماً
فيه يمتئ الفندق بأطنان من اللحم الفاسد
- هل أدخرتن أعماركن لمساء شاحب مثل هذا؟
مباح مثل أرملة
أصفف أوراقي، قمصاني، صور أصدقائي...
أجلس في الشرفة المطلّة على نصف قرن من الهياج
أحدس اللحظة
كل شيء هادئ الآن
إلا أن جنود الحراسة
يمنعون الطقوس
الأسود رمزنا التاريخي
يستبدله الشارع بصبيان جائعين
لماذا كنّا نفرّ إذن من المدارس،
والشارع يتحول إلى مقهى؟
مقهى في ثكنة؟
بعيدات عنّا...
نلمس نومنا البطيء
مستودع لرجال عاطلين
يخرجون في صباح بارد
يشيّدون قصوراً أسطورية
ويعودون ليلاً يؤبّنون ذكورتهم
مستودع لنساء عاطلات
يودّعن الرجال في صباح بارد
وفي الليل
ينتحبن أمام ظهورهم الكسيحة
هكذا
تقطع المرأة أوصالها
ويحتشد الأب الأكبر بالمعجزات
أيها المجنون
ها أنت وحدك تصرخ حافياً
علب فارغة، لصوص سذج، حماقات متكررة...
أمّه الطيبة
أوثقته على شباكك
ولكنه يخرج حافياً كل ليلة
يعلّق على الأبواب ذكرياته الحزينة
أرى في النهار القائظ
حمّالين بعظام بارزة
يحلبون أيامهم
أرى أيضاً
المرأة ذات التاريخ الحافل
تتوسل المارّة
أحدثك عن (الحيدرخانة)**
عن ظلام يدسّ أنفه في المعصية
حشود من المهاجرين
حشود من الجنود والطلبة
يستدركون أعمارهم على فراش منقوع بالعرق
ماذا أسمّي هذا الانهماك بالقسوة؟
أيام طويلة مرّت
والتوبة لا تتحقق
كلما أدرك العاقل حكمة الأب
رمته الأم بجوع متكرر
لا طيور في السماء
تشبه لا رجال في الحقول
وحدهم المجانين يوقدون شموعهم على الشطّ.
***
آيار/ محرم 1997 بغداد
*أعذار المكوث هنا: جملة مركبة من عنوانين لمجموعتين شعريتين للشاعر عبد الحميد الصائح هما: عذر الغائب، والمكوث هناك.
** الحيدرخانة: حي شعبي من أحياء بغداد.