ملاحظات أخرى في الشعر والحياة

 أكاذيب قديمة

أستعيد في هذه الورقة بعضا ً من الأفكار التي كنا نعتنقها ونعتقدها أفكارا ً مقدسة ندافع عنها بقوة تصل حد العنف، فيما أكتشف اليوم، وأنا أعيش بعيدا ً عن مركز إشعاع تلك الأفكار، سخفها وكذبها وخداعها.

لقد كانت الأفكار تنبت في رؤوسنا بالضبط كما بدأ الشعر ينبت في وجوهنا على هيئة لحى وشوارب، وإذ كنا نسعد بالشعر الجديد باعتباره علامات رجولتنا القادمة فإن الأفكار التي كنا نرددها كانت تمثل في الآن ذاته ذهابا ً بقوة وسرعة للرجولة الحقة، المتمثلة بالشاعر والفنان والمبدع الذي لا يشبه إطلاقا ً العوام في حركاتهم اليومية داخل ما نترفع عنه وكان يسمى بالحياة.

ومن المؤكد أننا، وأتحدث بصيغة النحن معتقدا ً أن الجيل الذي أنتمي إليه وهو جيل الحروب بامتياز يشبهني وأشبهه في الكثير من الملامح والخواص، والأفكار أيضا ً، أقول إننا كنا نستقي أفكارنا من أنهر شتى كان نهر الثقافة العراقية أبرزها. وأقصد بالثقافة العراقية ما تراكم خلال العقود الخمسة الأخيرة من سلوكيات ونتاجات في مختلف حقول الإبداع، مما اعتبرناه مقدمات منطقية علينا الاتكاء عليها ونحن نحاول البدء في مشاريعنا الشخصية، بمعنى آخر فلقد كانت التجارب السابقة تمثل لنا نقطة الشروع مع استدعاءات خجولة حينا ً ومتطرفة حينا ً لنماذج من الفكر الثقافي العربي المعاصر، وفي الحقيقة فإن ما هو مفروغ منه اليوم ذلك التشابه العميق بين الثقافتين، العراقية ونظيرتها العربية، بمعنى أن لا وجود لاختراقات إبداعية حقيقية على الجانبين إلا ما ندر. في الوقت ذاته فلقد حرمنا من منابع ثقافية مهمة كان يمثلها أدباء عراقيون فضلوا مبكرا ً العيش في المنائي والمنافي على الرضوخ لاشتراطات العيش والكتابة داخل أسوار الديكتاتورية العراقية، ومن المفارقات المهمة هنا ما شهده الجيل الجديد الذي أتحدث عنه من هجرة شبه جماعية لذات المنائي والمنافي بعد سنوات قليلة من بدء تشكل تجاربهم، وبالطبع سيولد آخرون يقررون ما قررناه سلفا ً عن محنة التواصل بين أطياف الثقافة العراقية المتنوعة.

والملمح الثالث لثقافتنا المتشكلة تواً يتمثل في الغياب القاسي لثقافات الأقوام التي تقاسمنا وطننا، وخاصة الكرد، ثم أبناء الديانات الأخرى مثل المسيحية، الصابئة واليزيدية. وإذا أخذنا الثقافة الكردية مثالا ً فإننا سنذكر ذلك الدرس اليتيم الذي كنا ندرسه مرة واحدة في الأسبوع ونحن في مرحلة الخامس الثانوي، درس متواضع كنا نعده استراحة مشابهة لاستراحة دروس: الدين، الثقافة القومية، الرياضة، والتربية الفنية! وبعد سنوات من ذلك عرفت أن ثمة مؤسسة ثقافية في بغداد بأسم : دار الثقافة الكردية، وهي دار تقع في المستنصرية لا أذكر عنها شيئا ً سوى كونها تمثل ناديا ً للطلبة الأكراد في الجامعات البغدادية. أما المجلات التي تصدر بأسم الثقافة الكردية في بغداد فهي لا تختلف بشيء عن صحف رسمية كبرى مثل الثورة والجمهورية، بمعنى أن الخطاب الثقافي في هذه المجلات والصحف إنما هو خطاب إعلامي بالدرجة الأساس يضع خطب الديكتاتور باعتبارها خططا ً للعمل وبالتالي فإن ما تنشره تلك الصحف لا يعدو كونه ترددات إنشائية رديئة عن عظمة ونهائية تلك الخطب. في الجانب الآخر كانت العلاقة مع الأصدقاء الطلبة الأكراد محفوفة على الدوام بنوع من الحذر الغريزي باعتبارهم كائنات خائنة فيما هم ينظرون إلينا باعتبارنا كائنات مغتصبة!، وعلى الرغم من دماثة أخلاق الكثير من الطلبة الكرد الذين تعرفت إليهم فإن مشكلة التواصل الثقافي بيننا ظلت فقيرة على الدوام. وبعد العام 1991 انقطعت تماما ً أي صور للتواصل مع الكرد، شركائنا في الوطن والمصير!.. وإذا كانت الصورة بهذه القتامة حول علاقتنا بالنخب الثقافية الكردية فماذا نقول عن الوضع مع شركائنا التركمان أو غير المسلمين من ابناء الديانات المسيحية الصابئية واليزيدية؟

ومن ملامح ثقافتنا في تشكيلها الأول ذلك الإنهماك بما يفد من ثقافة الغرب على شكل مختصرات، وأقصد بالمختصرات رؤوس الأفكار التي تصلنا عبر بضعة مقالات مترجمة هنا وهناك، وبعض الأصدقاء النادرين الذين يقرأون ما يتوفر باللغات الأجنبية من مصادر، أو ما يصلنا من كتب عربية فيها بعض الأفكار المأخوذة عن الآخر الغربي. كنا نهرب من ندوات( كل شيء من أجل النصر) أيام حروب الديكتاتورية إلى ترديد مصطلحات البنيوية وأخواتها، وفي الحقيقة فإن جملة كل شيء من أجل النصر كانت واضحة للغاية فيما الجمل الأخرى مليئة بالتعقيد الذي علينا أن نتجاوزه ونحن نصنع خطابنا المليء بالتعقيد هو الآخر.

إذن فإن الحياة كانت تنأى عنا وكنا ننأى عنها، حتى خيارتنا الشخصية في الحياة كانت رتيبة ومملة، بل وخاطئة، لسبب بسيط هو عدم فهمنا للحياة، الحياة التي فهمناها على أنها العيش في متن القصيدة، فيما القصيدة رتيبة وباردة لا تشبه الحياة.

ومن أبرز الأكاذيب التي أتذكرها عن تلك المرحلة جملة كنّا نرددها بزهو وفخار دائما ً، وهي تقول أن الشعر يستحق أن نكرّس له حياة بكاملها. وبالرغم من إيماني العميق اليوم بأهمية الشعر الإستثنائية في حياة الكائن البشري، على اعتبار أن الشعر يلامس الجوهر النبيل للإنسان، إلا أنني أدرك في الوقت ذاته أننا كنا نردد تلك الجملة لأسباب ليست لها علاقة بالشعر مطلقاً، بل يصح القول أنها كانت أسباب عدمية! كما أن هذه الجملة تحديدا ً فيها لبس كبير.

إن الحياة في بلداننا، وهي بلدان مليئة بالقمع من مختلف الأشكال، ليست سوى دورة عدمية يائسة، وليس عجيبا ً أبدا ً أن يزدهر في تلك البلدان مثل شعبي بليغ في دلالاته يقول: (جبر، من بطن أمه للقبر). كم أشعر بالخجل اليوم وأنا أستعيد أيامي تلك، عندما كنت أشبه حيواناً مكبوتا ً نظراته تفترس الأشياء الجميلة لسبب بسيط هو القمع الأخلاقي، ولا أقول الديني، الذي كان يمارس ضدنا، فما تقول الفتيات الصغيرات؟ كانت المرة الأولى التي أقبل فيها فتاة محاولة بائسة مع بائعة هوى وكنت قد تجاوزت حينها العشرين بسنتين أو أكثر. لقد تعلمت كيف أخاف من المرأة، ومن المؤكد أنها تعلمت ذلك أيضا ً. والأمر ينسحب على مناحي حياتية أخرى كثيرة كانت تجلدنا بوقائعها وتشوه دواخلنا دون أن ندري. ما كنا نعلمه شيء واحد فقط هو أننا أبناء الخطأ.

كنا نحسب أنفسنا على النخب الثقافية في العراق، ولأن هذه النخب تعيش على انعكاس الواقع فلقد أصبحت شعاراتها ضد الحياة وإن أوحت بعكس ذلك، لا أستطيع أن أتصور اليوم كم أنفقنا من العمر في صياغة شعارات مخادعة وكاذبة في الثقافة، شعارات كنا نريد منها أن تخلصنا من عدمية الحياة، من الملل واليأس الذي يتسرب إلى النفوس.  أستعيد بالم صخب نقاشات وحوارات كان الكثير منها ينتهي بالضرب بالأحذية وقناني الخمر الفارغة لمجرد خلاف في وجهات النظر حول الشعر أو النقد ألخ، وكالمسحورين كنا لا نبالي فنلتقي في يوم آخر ونعيد الكرة ذاتها. هل يحدث ذلك لأن أغلبنا كانت ثقافته ثقافة متواضعة ناهيك عن الأصول الفقيرة لأغلبنا؟ وبعد ذاك أجدني أتساءل بحرقة اليوم:  لماذا لم تظهر عبقرية شعرية عراقية، أو عربية في العقود الأخيرة؟ لا عبقريات في الموسيقى ولا في الرواية ولا في المسرح، أما السينما، فالأمر هنا مجرد نكتة. من السهولة بمكان أن تصبح شاعرا ً تكتب ما تسميه شعرا ً وتدفع به إلى عشرات الصفحات المتخصصة لتجده منشورا ً في اليوم التالي ما دام المحررون الثقافيون يشبهونك في كل شيء، أو قل أنهم خارجون من رحم العذاب ذاته الذي خرجت منه. بل أن الكثير منا، وتلك مفارقة مضحكة أخرى، كان يجد صورته تزين الصفحات الثقافية فنذهب بعدها كالطواويس إلى المقهى أو النادي ذاته دون أن نشعر أن تلك الصور، صورنا، لم تكن لتعني أحدا ً في الحياة الرحبة سوانا!

 المكان في التجربة الشخصية    

وفي تجربتي الشخصية فإن أربع مراحل مكانية عشتها وأثرت بشكل كبير على ما أكتبه من شعر. المرحلة الأولى كانت في مدينة العمارة حيث ولدت وعشت سنوات تكوني الأولى، وقد كان شعر هذه المرحلة شعراً صبيانياً لا أذكر منه إلا أطيافاً بعيدة، بل أنني لا أحتفظ من شعر تلك المرحلة بأي نص، كما لم يظهر منه شيء في مجموعتي الأولى والثانية المنشورتين.

والمرحلة الثانية كانت مع انتقالي للدراسة، ومن ثم العيش في العاصمة بغداد في العام 1988، وهي مرحلة التأسيس بالنسبة لي، كنت مأخوذا ً بتجارب الشعراء السبعينيين والثمانينيين الذين سبقوني في الكتابة وعاصرتهم في بغداد، وقد وقعت في أخطاء ضرورية خلال هذه المرحلة، أخطاء التقليد وضبابية الرؤية وما إليه، ولكنني ومنذ منتصف التسعينيات بدأت أتلمس الخطوات التي أبحث عنها في الشعر حتى إذا ما انتقلت إلى المرحلة المكانية الثالثة، وهي مرحلة العاصمة الأردنية عمان 1998 ولغاية 2002 فإن الخطوات التي تلمستها في بلدي بدأت تضيق عليّ الخناق لجهة الأذى الناجم من الديكتاتورية والرغبة الصارخة بفعل شيء أزاء قوتها التدميرية فكرست جل ما أكتب لذاك. وفي المرحلة الرابعة، حيث انتقلت للإقامة في ولاية جنوب أستراليا شتاء العام 2002  كانت الفكرة ذاتها،  يضاف لها الشعور الجاد بالنأي بعد أن كان في عمان محاطاً بالعديد من الناس الذين يذوبون هذا الشعور. وحين حانت لحظة السقوط المدوي للديكتاتورية في التاسع من نيسان كانت أكبر الأماني بالنسبة لي المشاركة في كرنفال ذلك السقوط، ولكنهم أرجعوني من المطار لأني لم أكن حينها أملك الجنسية الأسترالية فخافت الحكومة هنا عليّ ومنعتني من المغادرة إلى الشرق الأوسط!

أربع مراحل مكانية عشتها وأثرت على تكويني الشعري.

من البدايات الخجولة التقليدية، إلى التجريب الحر، ثم الإيغال في اليومي الذي يتكأ على جرح الديكتاتورية وأخيراً استدعاء الذاكرة والتغني بالأطلال. اليوم أجدني أستكمل المرحلة الرابعة بنشيج حار مفاده السؤال عن ماذا أكتب وقد سقط ملهمي، وإلى الأبد؟ سؤال سيحسدني على جرأته كثيرون ولكنه السؤال الحق. لقد ولدنا وعشنا وتربينا على صياغة نصوص تقع في إحدى خانتين: تملق الديكتاتورية أو مقاومتها فماذا سنفعل اليوم وقد غابت الديكتاتورية إلى الأبد؟ لقد أهملنا كثيرا ً سؤال الشعر الوجودي، ربما لأننا كنا بلا مواهب حقيقية وربما لأننا نهازو فرص في الجانبين: جانب التكسب من الشعر وجانب المقاومة به، أما الشعر، الشعر الحق فكان مشروعا ً لمن يعيشون في الفضاء الحر، لا أكثر ولا أقل.

هل يبدو ذلك قاسيا ً، خاصة على عدد من الأصدقاء الذين تقاسمت وإياهم جدلا ً طويلا ً حول القصيدة، الفن والأدب؟

 طبائع النفس وخبرة الشاعر

ما هي خبرتنا عن طبائع النفس البشرية؟ والسؤال هنا لا يتوقف عند طبيعة النفس البشرية للمواطن العراقي ما دمنا بصدد الحديث عن الشاعر العراقي بشكل خاص، لأن هذه الطبيعة لا تشكل سوى إطلالة يتيمة من مجمل إطلالات، الشاعر معني بها أكثر من غيره. إن أي اتصال أو حوار مع جنسية أخرى غير عراقية هو بالضرورة يمثل خبرة عن طبائع النفس البشرية الأخرى، وبسبب من ذلك يمثل السفر قضية أساسية ومهمة لتشكل التجارب الشعرية بل أننا نكاد نلمس ذلك في سير عباقرة الشعر العراقي والعالمي الذين توفرت لهم فرص السفر أو وفروها لأنفسهم من أجل تطوير تجاربهم الحياتية والإفادة منها على مستوى الكتابة الشعرية والإبداعية عموما ً. يقتبس في هذا السياق القاص والروائي العراقي حسين الموزاني شيئا ً عن ريلكه، فكتب يقول: لكي يكتب المرء قصيدة جيّدة فإن عليه قبل كلّ شيء أن يكون قد رأى مدناً كثيرة وتعرّف على الناس والحيوانات والأشياء، وعليه أن يشعر كيف تحلّق الطيور ويدرك الحركات الدقيقة الخفية التي تتفتح بها الزهور، وأن يتذكر أيّام الصمت والسكينة والانتظار، ويتذكر الصباحات على ساحل البحر، بل عليه أن يفكّر في البحر بشكل خاص، وفي البحار جميعها، وفي ليالي الأسفار التي تسمو نشوتها حتّى تلامس الكواكب والنجوم، ومع ذلك فإن هذه الأشياء كلّها ليس بكافية لكي تُكتب القصيدة. إنما على المرء أن تكون له ذكريات عن ليالي حبّ حمراء، لا تشبه بها الواحدة الأخرى، وعن صرخات المخاض والآم الوضع والنساء النفساوات البيضاوات المتكئات على بضعهن. وعلى المرء أن يكون قد جلس قرب المحتضرين وسهر عند رؤوس الموتى في حجرة ذات نافذة مشرعة تتردد فيها أصوات متناوبة. ولا يكفي أن تكون للمرء ذكريات، بل يجب أن يكون قادراً على نسيانها، وأن يتحلّى بقدر كبير من الصبر، لكي يستحضرها من جديد، لأنها لم تتحول بعد إلى مجرد ذكريات. حينئذ، أي بعدما تتحوّل تلك الأشياء كلّها إلى دم يسري في العروق وإلى حركة مجهولة الاسم، يصعب التفريق بينها وبين النفس، حينئذ فقط يمكن أن تنشأ الكلمة الأولى من القصيدة، وذلك في ساعة غريبة نادرة، حين تنتصب تلك المفردة في منتصف الذكريات، فتنطلق منها…( حسين الموزاني: قربان على مذبح المنفى، كيكا الألكتروني بتاريخ 3/6/2005)

 وإذا عدنا إلى موضوعة القمع المختلف والمنوع الذي تعرض له ويتعرض له إنساننا، العراقي، العربي، الشرقي فسنجد من نتائج ذلك الحتمية قلة خبرته ببالحياة وشركائه في المعمورة، عاداتهم، طباعهم، مأكلهم ومملابسهم، إنه بالكاد يعرف شيئا ً من ذاك عن طريق الكتب والمجلات وبرامج التلفزيون. وفي أحيان كثيرة كان ما نردده عن الآخر الغربي مليء بالحقد والعنصرية، وهي ترددات واهية سببها عدم معرفتنا بهذا الآخر وعدم قدرتنا على السفر بشكل أساس.

 

كرنفالية الإبداع

لقد شغلني فترة من الزمن سؤال مفاده: لماذا يكون النشاط الثقافي، أو لنقل بوجه عام الإبداعي، في الدول الغربية بمثابة كرنفال أو احتفال فيما يكون عندنا مادة جافة خالية من البهجة؟

إن محاولة من قبيل كسر رتابة مهرجاناتنا الثقافية  لم يكتب لها النور على حد علمنا ما دام القيمون على تلك المهرجانات لم يستوعبوا بعد فكرة أن يكون المهرجان عاما ً، وما داموا أيضا ً يرددون باستمرار فكرة مغلوطة عن نخبوية الأدب.

إن نخبوية الأدب التي يتحججون بها دائما ً لعرقلة مشاركة جماهيرية واسعة بالنشاط الثقافي ليس معناها حجر النشاط الثقافي والأدبي بعيدا ً عن مشاركة الجمهور كما يفهمها كثيرون، فهذا لا يمثل إلا قتلا ً للأدب، تتجلى نخبوية الأدب في خاصية تذوقه من متلق إلى آخر. تذهب إلى مهرجانات الشعر، على سبيل المثال، وتجد سلسلة طويلة من الشعراء يلقون قصائدهم تباعا ً على جمهور متململ رغم أنه جمهور(نخبوي!!) ومن الطريف ذكره هنا إن بعض القراءات الشعرية في مهرجان المربد العراقي قد تضمنت أسماء أكثر من 70 شاعرا ً في أمسية واحدة ! وكثرة الشعراء في عالمنا العربي معضلة أخرى بالرغم من الشعارات التي نرفعها وتقول بأن الشعر العربي بخير ما دام المشهد يحتوي هذا العدد الكبير من الشعراء، بل يتطرف كثيرون وهم يقولون أن كثرة الشعراء دليل تنع في الوقت الذي ندرك فيه أن كثرة الشعراء في بلداننا مرده سهولة الكتابة الشعرية في عالم صعب وحياة لا شيء فيها مباح بل العكس هو الصحيح، ولهذا يصبح الشعر المباح الوحيد المتوفر!

يولد الشعر من رحم التجربة، وهي مقولة قديمة ولا شك على أن تطبيقاتها ظلت على الدوام محدودة، بل ونادرة. إن ما ينتج الآن تحت تسمية الشعر هو بأغلبه مجرد إرهاصات لغوية لمكبوتين على مختلف الأصعدة، ثم جاء مؤخرا ً المد الأصولي ليغذي هذه الإرهاصات بأسباب أخرى للهروب جهة اللغة. كانت الديكتاتوريات والتابوهات الأخلاقية والمجتمعية تمثل الدافع الأبرز لهذا الهرب من الحياة إلى الشعر فجاء المد الأصولي ليزيد الطين بلة بمحرماته الكثيرة ومحاولته الرجوع بالمجتمعات العربية إلى عصر السيف والخيمة والناقة. وبسبب من ذلك كله شحت التجربة بالنسبة للشاعر، تجاربه العاطفية مثلا ً ظلت على الدوام حبيسة الوجدان وأحلام الليل، وتجربته في السفر معدومة، وهكذا الأمر في تجارب ضرورية أخرى كالسياسة وأخرى تبدو غير ضرورية للكثيرين ولكنها على العكس من ذلك كتجارب عادات وتقاليد الشعوب والمأكل والملبس وصولا ً إلى تجارب الفن المختلفة.

هكذا يبدو الشاعر في المجتمعات الشرقية فقيرا ً للغاية من حيث تجاربه الحياتية والثقافية أيضا ً ما ينعكس على نتاجه الذي يمثل لغة موصوفة بالتجريد ليس أكثر. ولم يكن الأمر على هذه الحال في قرون سابقة كما هو معروف، عندما كان المشرق موطنا ً للسحر والخيال، وعندما كان الترحال سمة الناس والحوار مع الآخر ديدنهم. لقد انقلب كل شيء مع تسلط الآيدلوجيات الدينية المتطرفة على بلدان المشرق وجاءت الديكتاتوريات والأنظمة العسكرتارية لتجهز على ما تبقى من روح تأملية غنائية كانت متأصلة عند الجميع، وليس من قبيل الصدفة إطلاقا ً أن يبرز شعراء خلال هذه الفترة كانوا قد خرجوا عن نطاق الجاذبية المحيطة بالمشهد من خلال الدراسة وتعلم اللغات والسفر والإصغاء إلى نسغ الطبيعة الصاعد، ومن المناسب هنا ذكر واحد من عبقريات الشعر العربي في النصف قرن الماضي وهي عبقرية بدر شاكر السياب مثالا ً على ذلك.

والسياب أبن مجتمع فقير للغاية، يشبه اغلب مجتمعاتنا الشرقية ، على أنه مع ذلك أستطاع أن يفلت من جاذبية المجتمع المتخلف بدراسته وتعلمه للغة الانجليزية وأسفاره المحدوده ولكن المتنوعة في زمانه، لقد اختصر السياب الكثير من الآلام مجتمعه في نصوصه كما كان تنقله بين أحضان الأحزاب وسيلة ننظر إليها اليوم على أنها أفادت تجاربه السياسية كما أفاده كثيرا ً ذلك الغوص في تأمل بيئة فيها النهر والبحر والوادي والجبل وما إلى ذلك من مصادر تغني التجربة الشعرية بشكل عام.

وجراء هذا كله انحصر النشاط الشعري، والثقافي على وجه عام، بين مجموعة من المنتجين يشكلون أنفسهم جمهور التلقي. أفكارنا عن مشاركة جمهور أوسع من المتلقين في الظاهرة الثقافية أفكار نادرة وربما معدومة أصلا ً. وكان من نتائج ذلك المباشرة انسحاق الكثير من تجاربنا برغبة محمومة بالتجريب إرضاء ً لزملاء المهنة، فنحن لم نفكر أصلا ً في القارئ الذي نتوجه إليه إلا على أنه قارئ يشبهنا، أو بلغة واضحة منتج شعر مثلنا. وأخيرا ً صار التفكير في الجمهور يمثل عيبا ً تماما ً كما هي الفكرة التي تقول بأهمية أن يصلح شعرنا للترجمة، فهي عيب أيضا ً، ولا أدري تماما ً العيب في مثل هذه الأفكار؟

 

أفكار وحقائق

إن الأفكار التي كنا نهلل لها في أيام حرماننا من الحرية، التي هي أبسط حقوق الكائن الإنساني، تصطدم اليوم بالكثير من الوقائع الحية التي نمر بها، ومن ذلك اكتشافنا المتأخر حياة الفرد وأهمية هذه الحياة في صياغة تجربة شعرية مميزة. ليس العيب أبدا ً في مواهب الكثير من الشعراء الذين أعرف، ولكن العيب الأساس، كما أزعم، يقع في ترديدهم لمقولات كاذبة يخفون وراءها عورات النقص الذي يعيشون، نقص يبدأ الجهل الفاضح بالفنون الإبداعية المجاورة: السينما والمسرح والموسيقى والتشكيل، ولا ينتهي بغياب ذلك الأثر البهي والساحر للآخر في صياغة حياتنا المشتركة، ولهذا كله تجيء نصوصهم بليدة جافة ومكرورة بالرغم من اشتمالها على(مهارات) خارجية من الممكن تعلمها ببساطة!

الكتابة الشعرية لا يمكن لها أن تنطلق من تجارب حبيسة في غرف رطبة أو مقاهي أو بارات مكرورة، ولا تنطلق الكتابة الشعرية من وهم النوم على الأرصفة وفي الفنادق الرخيصة، ناهيك عن موائد التعارف الكاذبة التي يعقدها شعراء (كبار) هنا وهناك ويكون ثمنها قصيدة في جريدة أو مجموعة في كتاب، قراءة في مهرجان أو سفرة لعاصمة عربية، كل ذلك يقع في دائرة الوهم الشعري ما دامت الروح عاطلة أصلا ً عن الاحساس بالجمال الذي يكمن في الحياة، الحياة التي نهجرها بكل عبث وسخف معتقدين أنها رطانة رثة في الوقت الذي تمثل فيه موسيقى وجودنا الوحيد.

*******

نشر المقال على حلقتين في جريدة المدى العراقية، القسم الأول في العدد رقم 419  بتاريخ 22 حزيران 2005.. والحلقة الثانية في العدد رقم  422  بتاريخ 26 حزيران 2005.

كما نشر المقال في جهة الشعر...

************

 مقالات في الشأن الثقافي