تعليق حول ندوة مسرح الصورة

 

 قرأت في جريدة الصباح البغدادية (العدد 368 في 18/9/2004) تغطية صحفية لأمسية مسرحية قدم فيها الناقد والمفكر الجمالي المخرج عقيل مهدي يوسف ورقة حول تجربة الفنان الدكتور صلاح القصب الصورية، وفي الوقت الذي آسف فيه لعدم تمكني من قراءة ورقة الناقد الدكتور عقيل مهدي فإن في التغطية المنشورة الكثير مما يوجب التعليق.. وقبل الدخول في مناقشة هادئة مع ما نشرته جريدة الصباح ينبغي القول أن هذه التعليقات تخص التغطية الصحفية إياها ولا تخص ورقة مهدي الكاملة..

وسأقتبس بالنص ما نشرته الجريدة وأحاول بعدها مناقشة الموضوع.. تقول التغطية: بدأ الدكتور عقيل محاضرته بمقدمة موجزة عن منجزه الشخصي في المسرح والسينما بعدها تناول ظاهرة التجريب في المسرح العراقي كطروحات تنظيرية بعيدة عن الواقع من خلال استعراضه لتجربة مسرح الصورة الذي دعا اليه الفنان صلاح القصب من خلال بياناته، انطلاقا من تفكيك الاسلوب التقليدي الشائع والانفتاح على حساسية بصرية، بذريعة الهروب من السردية الصوتية والاعتماد على عوالم طقسية يقررها اللاوعي والغاء ديكتاتورية المخرج والبحث في اللامعنى لايجاد معنى واعتماد الصورة على الغموض بالبلاغات الصورية ومن خلال استعراض المحاضر لمجمل البيانات التنظيرية في تجريب القصب موضحا مدى عطالتها وقصورها في تجسيدها الواضح على مستوى الفعل المسرحي وما رافقها من تهويمات وتهويلات مبالغ بها مشيرا الى حوارها الشعري المنبري وتحول الممثل الى شاعر يرتجل قصيدته او خطيب مفوه فقد الصلة بين الممثل والمشاهد وقتل التجربة وموتها بدعوى الغموض الذي هو انعكاس للغموض الذي يلف حياتنا وما يتطلبه التجريب من توزع الدور الى اشلاء متناثرة تشكل محنة ملتبسة لفكها او جمعها امام الناقد المسرحي والقفز على مفهوم المحاكاة او التماثل في الفن..

هذا هو نص ما نشرته الصباح وقد وجدت فيه افتراقاً بيناً بينه وبين الفكر الجمالي الذي عرفته عند الدكتور عقيل مهدي، وأنا واحد من تلامذته، وهو الذي طالما دعا لتخليص الممثل من خاصية الخطابة التي ابتلي بها المسرح العراقي مع موجة المسرحيات المنائحية، كما كان واحداً من أبرز دعاة قتل التهويمات والمبالغات التي نأى عنها القصب في أغلب أعماله وهو ما رشح تجربته لتكون واحدة من أبرز تجارب المسرح العراقي المعاصر .

إن (ذريعة الهروب من السردية والصوتية) التي يشير إليها النص السابق لهي ذريعة جديرة بالمثابرة والعمل الدؤوب على ملاحقتها والانتهاء منها جدياً، وأحسب أن مشروع القصب كان جاداً في إيذاء هذه الذريعة وتفتيتها من خلال العمل على اجتراح آليات خاصة للمثل تبعده عن السردية والصوتية، وأشير في هذا المجال إلى عدد من الممثلين العراقيين الذين أجادوا حقاً في مسرحيات القصب وهم يبتعدون مسافات كبيرة عن تلك الذريعة، ومنهم: سامي عبد الحميد، مقداد عبد الرضا، محمود أبو العباس، عواطف نعيم، هيثم عبد الرزاق، فيصل جواد، ماجد درندش، كريم جمعة، سميرة خنجر، عبد الصاحب نعمة ألخ.. وهذه النخبة من الممثلين تعد بشهادة أغلب نقاد ومخرجي المسرح من أكفأ الممثلين العراقيين، بمعنى أن عملية إخراجهم من قوالب التمثيل الجاهزة في المسرح العراقي (قوالب السردية والصوتية تحديداً) ليست بالعملية السهلة إطلاقاً، ولكن القصب دأب على إطلاق مخيلة الممثل المحبوسة في تلك القوالب من أجل إنتاج شفرات دلالية جديدة للجسد والصوت على حد سواء، وأذكر أن القصب كان يعاني دوماً في اختيار ممثليه لسبب بسيط وهو أن أغلب ممثلينا كان لا يريد أن يتخلى عن (ظاهرته الصوتية السردية) لصالح جماليات الإطار المشهدي، أو الصورة المسرحية بلغة القصب، حيث كان هذا الأخير يهمل تلك الظاهرة إهمالاً كلياً باعتبارها مجرد نوع من (الخطب الرنانة التي لا تعتمد سوى على رخامة الصوت وقوة حضوره). وقد هالني في التغطية جملة من هذا القبيل (قتل التجربة وموتها بدعوى الغموض الذي هو انعكاس للغموض الذي يلف حياتنا) في الوقت الذي كنت أجد في تجارب القصب أقصى الوضوح! ولننظر إلى مثالين فقط من نماذجه المسرحية: في (الخال فانيا) يعمد القصب إلى إلباس ممثليه أردية عمال المطافئ ثم يقوم في مشهد لافت على مد خراطيم المياه من الخشبة (واقع العرض ومتخيله النصي) إلى قاعة الجمهور (واقع الواقع وواقعه الواقعي) في إشارة لا تخلو من جرأة على أن الحريق قد انتقل، وليس سينتقل!، من واقع العرض إلى واقع الواقع!!!، وأي حريق يقصد القصب؟؟.. هذه هي أسئلته التي يطلقها للجمهور فيظن كثير منهم أنها أسئلة (فارغة أو غامضة، أو صعبة الفهم!!!!!).. وفي مسرحيته (الشقيقات الثلاث) يعمد القصب إلى ملء قاعة المسرح الدائري في أكاديمية الفنون الجميلة بالرمل ( سخر  الكثير جداً من أهل الحرفة لهذا الخيار!!!) وفاجئ القصب مشاهديه بالرمل الذي تعلوه شواهد القبور التي لم تكن سوى بساطيل الجنود... والسؤال الدلالي الذي يفض نفسه بقوة هنا هو: أي رمل وأي قبور وأي جنود؟؟؟ ولا أعتقد أن الإحالة إلى مقبرة بحر النجف الرملية صعبةالمنال أبدأ؟؟؟ وهل ثمة جرأة ووضوح أكثر من هذا؟؟ في الحقيقة أنا لا أعرف عن أي غموض يتحدثون ولا عن أي صلة مفقودة بين الممثل وجمهوره يدعون؟؟؟؟

إن تجربة الدكتور صلاح القصب تعد وبصراحة مطلقة واحدة من أهم التجارب الرائدة في المسرح العربي، ولولا ذاك لما تتبعت أثره في كثرة  مقلديه ومريديه  في المسرح العراقي، بل تعدى أثره ذلك إلى المسرحيين العرب الذين لم يشاهدوا أصلاً شيئاً من مسرحياته، فالمعروف أن القصب كان واحداً من الأسماء التي لم تعبر حدود العراق بأي عرض مسرحي على الرغم من السنوات الطويلة التي قضاها فيه!، وفي هذا الصدد أذكر أنني قد أقمت في العاصمة الأردنية عمان لثلاث سنوات شاهدت فيها عشرات العروض الأردنية والعربية التي كانت تعلن تأثرها الواضح والفاضح بتجربته ولا أريد أن أذكر أسماءاً لكي لا أحرج أحداً!

ليست ميزة عروض القصب إلا فيما يعتقده كثيرون عيباً، ومن ذلك تغيير الفهم العام لدور الممثل في العرض وإعادة إنتاج النص المسرحي والدور الكبير الذي تلعبه المؤثرات الصوتية والبصرية ثم أخيراً في الإطار الدلالي الذي يمنحه العرض لمتلقيه بعد سيل من الشفرات والعلامات المترابطة بنسق جمالي متحد.. وبالطبع فإن الذائقة التي تعتاد مسرحيات من نوع ما يصعب عليها أن تتلقى مسرحيات تختلف كثيراً في الذائقة، وقد وجدت الأمر ينطبق إلى حد كبير مع مسرحيات الدكتور عقيل مهدي نفسه، و التي اسميها مسرحيات السيرة، حين افترق مهدي عن الفهم الشائع لمسرحية السيرة لصالح فهم آخر يكون فيه الجمالي والحسوي والإيقاعوي بديلاً عن خطابات السيرة الرنانة ورطانتها البلاغية والعاطفية مما شكل مشكلة في التلقي بسبب من جدة التصور الذي اجترحه الإخراج في تلك المسرحيات.

إن العقلية الجمالية التحليلية التفكيكية للدكتور عقيل مهدي يوسف ترفعه منازل عن الوقوع في أخطاء بسيطة في التحليل كالتي قرأتها في تغطية جريدة الصباح، وليس دليلي في ذلك تلمذتي في دروس الفن الجمالي على يديه وحسب بل تلك النقاشات الطويلة المحمومة التي كنا نخوضها معاً بروحية الجدل المعرفي الذي لا يبغي غير المنتهى الجمالي، والتي كثيراً ما شاركنا فيها نقاد بارزون وفنانون مبدعون.. ولهذا أكرر مرة أخرى أن تعليقي هذا إنما منصب على خبر ومتابعة الجريدة لطروحة الدكتور عقيل مهدي يوسف وليس على الطروحة ذاتها والتي لم أقرأها.

****

ملاحظة: أجدني مضطراً للتوضيح والقول أنني أرسلت هذا التعليق إلى جريدة الصباح الصادرة في بغداد قبل أكثر من شهر (بعيد نشر التحقيق الصحفي المشار إليه في متن التعليق) ولكن الجريدة لم تنشره، أو أنها نشرته ولم أطلع على المنشور.. وهكذا وجدت نفسي مضطراً لنشر التعليق في مكان آخر ومن أجل هذا أحببت التنويه.

****

 مقالات أخرى في المسرح