حدث الغزو في المسرح الكويتي

 تقدمة :

شكل حدث الغزو بالنسبة لذاكرة العراقيين والكويتيين على حد سواء حدثاً خارقاً لفرط غرابته وهمجيته وقسوته، ولأن فن الدراما يعنى بشكل خاص بالحدث الخارق ، من ضمن ما يعنى، كان حدث الغزو بالنسبة للدراما العراقية والكويتية يمثل عقدة جاهزة للقراءة الدرامية ، على أن ما حدث هو العكس من ذلك تماماً، فلقد غاب هذا الحدث عن أغلب الاشتغال المسرحي العربي، ولا نقول العراقي أو الكويتي أو الخليجي على وجه الخصوص، ولهذا الغياب أسبابه التي تحاول هذه الورقة التوقف عندها وفحصها وقراءتها ..

يمكنني القول بدءاً إن ذاكرتي البصرية المتعلقة بالمسرح الكويتي ليست بقوة حضور ما قرأته عن هذا المسرح الذي يعد رائداً في منطقة الخليج العربي، وبالطبع فإن مرد ذلك إلى تجربتي الشخصية بالمسرح العربي التي لا تتجاوز الخمسة عشرة سنة الأخيرة .. على أن اهتمامي الحقيقي بالمسرح الكويتي جاء بعد العام 1990، وهو اهتمام لا ينفصل عن عن اهتمامي بالمسرح العراقي أولاً ثم العربي بشكل عام ..

وبعيداً عن السرد التاريخي لمراحل نمو وتطور فن المسرح في الكويت وصولاً إلى الحقبة التي تتحدث عنها هذه الورقة نقول باختصار إن المسرح في الكويت قد شهد سنوات طويلة من الاجتهاد كان له فيها نصيب وافر من التفوق الذي كان مؤملاً له أن يضطرد مع بداية عقد التسعينيات لولا كارثة الغزو العراقي في العام 1990 ، ذلك الحدث الجلل الذي مس الثوابت الإنسانية باعتباره بربرية قادمة من التاريخ السحيق للإنسانية ، وفيما سبق حدث الغزو كان النشاط المسرحي في الكويت يمتاز بوفرة الفرق المسرحية ونتاجاتها على الحد السواء ما كان له أبلغ الأثر على المسرح الخليجي بوجه خاص ، ولا غرابة عدما يعد الخليجيون المسرح في الكويت رائدهم، خاصة وإن هذا المسرح الأخير كان سباقاً للإفادة من تجارب البلدان العربية المتقدمة مسرحياً، كما هو الحال في العراق ومصر ، ثم شهد المسرح الكويتي نقلات متميزة على يد صناعه الأوائل الذين خرجوا به من الفضاء الخليجي إلى الفضاء العربي، حتى إذا ما تم افتتاح المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت كان ذلك إيذاناً بتدشين مرحلة جديدة في مسيرة المسرح الكويتي التي تفيد من أحدث التيارات المسرحية العالمية وبمساعدة نخب من كبار المسرحيين الكويتيين والخليجيين والعرب .

 

حدث الغزو في المسرح العراقي :

حدث الغزو كان مؤجلاً بقوة في المشهد المسرحي العراقي لاعتبارات كثيرة ، أهمها على الإطلاق الإعتبارات السياسية ، وقد يصلح هذا الموضوع أن يكون مادة لورقة مستقلة، إلا أن نتائج الغزو كانت حاضرة وبقوة أيضاً في المسرح العراقي ، وخاصة تفاصيل: الحرب، الحصار، القمع، الإضطهاد، وكبت الحريات.. ولا ننسى هنا أن حدث الحرب قد ميز النتاج المسرحي العراقي الجاد لسنوات قبل حلول كارثة الغزو، إلا أن المتفق عليه بين دارسي المسرح العراقي إن حضور حدث الحرب ، ثم ما أعقبه، قد اتخذ لنفسه أشكالاً مؤثرة في التخفي من أعين الرقباء الكثر على الساحة العراقية، أما تسميته حضوراً بالرغم من ذلك فمرده الجرأة التي امتازت بها مسرحيات عراقي كثيرة لمخرجين عراقيين من مختلف الأجيال، جرأة كانت محفوفة بالمخاطر حقاً في زمن الخوف العراقي البالغ، ثم عناية هذه العروض بالرموز والدوال والإشارات التي تؤيد ماذهبنا إليه، والتي كان تلقيها سهلاً بالنسبة للنخبة المثقفة في العراق وكان صعباً للغاية بالنسبة لعموم المشاهدين العراقيين ومنهم بالطبع نخبته السياسية وجنودها ووكلاؤها هذا في الوقت الذي كان النظام الساقط في بغداد يرعى بشكل مباشر تيارين هجينين في المسرح العراقي هما تيار المسرحية الإستهلاكية (التجارية) وتيار المسرحية البكائية (مناحات الحصار)، والتياران كان محط سخرية شريحة واسعة جداً من النخب المثقفة العراقية.. ومع ذلك، أعتقد أن السنوات القادمة ستشهد حضوراً من نوع آخر لحدث الغزو وما تلاه برؤى عراقية مسرحية جديدة .

أما حدث الغزو في المسرح الكويتي فكان أقل تماماً من المتوقع ، وبما أن الكويت كانت مسرح الغزو بكل تفاصيله اللا إنسانية فإن ذلك الغياب يبدو غير مبرر . وقد ظلت قضية الغزو تراوح في حضور كلاسيكي على خشبات المسارح الكويتية، ونقصد بالحضور الكلاسيكي ذلك الطابع النمطي الذي طبع الكثير من المسرحيات (الجماهيرية) وكان في الأعم الأغلب مستنداً إلى خزين نفسي قاهر تم التعبير عنه بدرامات هزلية ساخرة ، كما هو الحال في مسرحية "عاصفة الصحراء" ومسرحية "سيف العرب" وغيرهما. أما حضور حدث الغزو بشكله التعبيري الجمالي فكان في مسرحيات متباعدة اعتمد بعضها على إعادة قراءة نص مسرحي عالمي ثابت، كما هي الحال في إعادة قراءة رائعة شكسبير (ماكبث) في العرض الذي أعده وأخرجه الفنان حسين المسلم تحت عنوان (سقوط ماكبث) وعرضه ضمن فعاليات مهرجان القرين الثقافي التاسع للعام 2003 وغيره من العروض المشابهة .

 

تسعينيات المسرح الكويتي :

عقد التسعينيات في المسرح الكويتي لم يكن مبهجاً على أية حال ، وهذا ما يلمسه المتابع من التصريحات  الصحفية لأبرز نجوم هذا المسرح، وسنأخذ عينة من هذه التصريحات التي تعطي تصوراً واضحاً لحال المسرح في الكويت .

يقول الكاتب المسرحي عبد العزيز السريع: ما يعرض الآن هو المسرح الخفيف الذي لا يحتاج إلى مجهود أدبي أو فكري ولا داعي إن قلت لا يحتاج إلى حتى مؤلف.. يحتاج إلى مؤلف يقوم بعمل الحبكة التي تعجب الناس، وما يقبل عنه الناس لا يشترط أن يكون صحيحاً الآن المخرج ليس له قيمة .

أما الفنان القدير عبد الجسين عبد الرضا فيقول: الإنسان بحاجة إلى مساحة ليرى فيها نفسه وحياته الإجتماعية الخاصة بكل ما فيها، على الفنان أن يخترق الوجدان الإنساني ويخاطبه. يجب أن نهتم بالفكرة التي تمس المشاعر والأحاسيس الإنسانية.

وتضيف الفنانة القديرة سعاد عبد الله: لا أجد ما أقوله سوى أن ما يعرض الآن لا يتناسب مع جيل الرواد فأين الأعمال التي تناسبني؟ أنا فنانة لي تاريخي ومكانتي عند الناس ولا يمكن أن أتنازل عن العلاقة الجميلة والاحترام المتبادل بيني وبين جمهوري الذي يقدر فني وتاريخي ولا أستطيع أن أشارك في أعمال لا تناسبني فنياً ولا مهنياً .

ومن هذه الزاوية أيضاً يقول الفنان الكبير فؤاد الشطي: أنا فنان أحترم تاريخي الفني والجمهور الذي أوصلني إلى هذه المكانة، وبالتالي لا أسمح بتقديم عمل مسرحي لا يقدم فكراً جيداً للناس. فما يعرض على الساحة المسرحية بالكويت وبعض الدول العربية بشكل عام لا ينتمي إلى المسرح.

ويرى الفنان سعد الفرج بأنه فنان وليس تاجراً يستغل المناسبات أو التهريج، ويستقطب الناس حتى يحقق تخمة مادية، ويضيف بالقول: أنا مع الناس الذين يؤمنون بأن الرصيد الضخم يكمن في الآثار الطيبة التي يتركها الإنسان لمن يرثونه، لا يمكن أن أشارك في مذبحة مسرحية لا تحمل قيمة أو فكراً وقضية تؤثر في وجدان الناس.

فيما يكتب ذعار الرشيدي في جريدة الحدث الكويتية تحت عنوان (المسرح الكويتي يمتليء بالمهرجين) مقالاً مليئاً بالأسئلة والتهم، والتي تصل في أحيان حد التطرف، يقول فيه مخاطباً قارئه: هل أحسست بالسنوات العشر الماضية بأنها فراغ فني رهيب؟ على مدار عشر السنوات الماضية هل تذكر كم من عمل فني مسرحي كويتي يرقى لمستوى الأعمال في الثمانينيات والسبعينيات؟ المسرح أبو الفنون كيف أصبح وإلى ماذا تحول؟ مسرحيات العام ألفين وما قبلها بقليل ماذا تحمل من فكر أو من هم أو من رسالة أو غيرها مما يجب على المسرح كأب للفنون أن يحمله؟ لا شيء .. لا شيء على الإطلاق .. مجرد تفاهات مسطحة الملامح .

وبالرغم من سيل التصريحات القاسية هذا، فإن المتابع للنتاج المسرحي الكويتي غير الجماهيري سيجد لمحات فنية عديدة هنا وهناك ، ويكفي الإشارة إلى عرض مسرحي واحد للتدليل على وجود تجارب شبابية جادة في المسرح الكويتي في سنوات التسعينيات ، دون أن نقع في فخ التعميم ، وهو عرض مسرحية ( جنون ) المأخوذ عن مسرحية بوشكين ( موزارت وساليري ) والذي أخرجه نوار القريني مستفيداً من أشعار والدته الشاعرة جنة القريني ، وبالرغم من ثبات المشهد المرئي في هذا العرض إلا أنه امتاز برومانسية مفتقدة في الكثير من عروض المسرحي العربي المعاصر ، ومرد هذه الرومانسية كما نرى الأداء الشعري للحوار ورومانسية امشهد البصري وكذلك الإقتصاد في الحركة ، كما جهد العمل في مخاطبة الأذن انطلاقاً من بؤرة النص الذي يعمل على الموسيقى عندما قدم العرض مقطوعات عديدة لموتزارت وساليري مما يؤكد على مهمة المسرح الجمالية ، خاصة وإن العرض كان من نتاجات المهد العالي للفنون المسرحية في الكويت ، وقد قدم العرض ضمن أيام عمان عمان المسرحية السابعة ، عام 2000 .

سيف العرب : سلطة الممثل :

على أن المسرح الجماهيري ، أو التجاري أو الإستهلاكي ( سمّه ما شئت ) هو النوع الأكثر تواجداً على خشبات المسارح العربية ، ومنها بالطبع خشبات المسارح الكويتية .. وبالبطع أيضاً فإن حضور حدث الغزو في هذا النوع من المسرحيات سيكون بارزاً بسبب من التصاق الموضوعة بأفكار ومشاعر المشاهد ، وكذلك لأن المسرحيات الجماهيرية كثيراً ما تغلبالجانب السهل في الانتاج المسرحي ، فهي تذهب إلى أكثر المواضيع سخونة وتتناولها بأقل الوسائل الفنية المتوافرة كلفة ، باستثناء كلفة النجوم الذين يشاركون في مثل هذه العروض .

إن مسرحية من نوع مسرحية ( سيف العرب ) تمنح متلقيها فرصة لإطلاق الحكم النقدي بسهولة ويسر ( ولا نأتي بجديد عنما نذكر بأن العرض المسرحي الحديث وآليات الكتابة النقدية الحديثة تبتعد ابتعاداً كلياً عن إطلاق الأحكام ) ، ومن باب الحكم نقول أن هذا العرض سيفشل فشلاً جماهيرياً ذريعاً إذا ما غاب بطل العرض عنه . وعبد الحسين عبد الرضا واحد من الكوميديين القلائل في عالمنا العربي الذي يمتاز بالاسترخاء ويبتعد عن التكلف ، وهو في هذا العرض ، شأنه شأن أدواره العديدة الأخرى في المسرح والتلفزيون ، ينحاز إلى استرخاءه العجيب فيقدم واحداً من أنجح عروضه جماهيرية أداء عبد الرضا في ( سيف العرب ) جاء ليمازج بين مستويين في الأداء فرضهما نص العرض ، وهذان المستويان مستوحيان من طريقة ستانسلافسكي الشهيرة في عالم المسرح ، المستوى الأول يستفيد من مبدأي لو السحرية والمعايشة ، وسنلمس ذلك بوضوح في طريقة أداء الممثل لشخصية المواطن الكويتي البسيط الذي يعيش داخل الكويت أثناء حدث الغزو ، ثم هنالك المستوى الثاني الذي يستفيد من طريقة التقمص التي تصل إلى حالة التلبس ، أو بعبارة أخرى تقليد شخصية موجودة حقاً في الواقع ولها أبعادها المعروفة وتاريخها وحركتها المجتمعية وما إلى ذلك ، ونجد أداء الممثل ضمن هذه الطريقة عندما يؤدي الممثل شخصية الطاغية صدام مسرحيات من هذا النوع تتحول فيها الشخصيات بطريقة روتينية إلى ماكينات لا شغل لها غير اسناد بطل العرض ، وهكذا جاء أداء ممثلي العرض الآخرين متساوقاً مع هذه الفكرة بالرغم من أن من بين هؤلاء الممثلين نجوم لهم شعبيتهم الواسعة ، حياة الفهد ومريم الغضبان وغيرهما .

موضوعة المسرحية مخصصة بالكامل لحدث الغزو ، وقد اشتغل العرض على انتاج ثيمة سياسية بالدرجة الأساس غافلاً عن ما يمكن أن يطور ذلك لصالح ثيم أخرى أهمها الثيمة التاريخية كما هو الحال في النصوص المسرحية الكبرى ، خاصة وأن حدث الغزو كما أشرنا هو حدث جلل ، ولعل مرد ذلك إلى ولع العرض بالجماهيرية ، ووقوعه تحت تأثير الاحتقان النفسي الناتج عن حدث الغزو .

إن التفاهم المضمر بين الثيمة السياسية وحضور البطل المسرحي بكثافة دفعا العرض دفعاً إلى منطقة الكباريه السياسي ، خاصة وأن البطل هنا يتفرع في أحاديثه دائماً بشكل ناقد للأوضاع السياسية المعاصرة : في الكويت والعراق والمنطقة العربية ، وكذلك الفضاء غير العربي .. ومن الجدير بالذكر أن العرض يسقط هو الآخر في فخ ما أسميناه الاحتقان النفسي الناجم عن الغزو فلا يتوان عن شتم العراق لا غزاة الثاني من آب فقط ، ومع هذه الملاحظة فإنني أعتقد بأن ( سيف العرب ) يصلح تماماً ليكون أول عرض مسرحي جماهيري كويتي يقدم في بغداد بعد تحريرها مع ضرورة تخليص العرض من تلك الإساءات ، وعلى ذكر هذه التفصيلة أجد لزاماً عليّ القول بأن عروضاً جماهيرية أخرى قد أوغلت في اعتماد الشتيمة منطقاً لبناءها المسرحي وأنساقها التمثيلية ، كما هو الحال في عرض ( عاصفة الصحراء ) حين يتماهى بطل العرض الفنان عبد الله الصلال مع الاحتقان النفسي الناجم عن الغزو فيوجه شتائمه بطريقة مقززة للجار العراقي متناسياً أن العرض الجماهيري المعبر عن ذات المتفرجين لا ينبني على البذاءات والإيحاءات الجنسية واللفظية وما شابه، ومن المؤسف حقاً أن ينجر ممثل معروف وكبير مثل الصلال على التلفظ بكلمات نابية جداً لا تستثني أحداً من أبناء الدولة الجارة العراق بل وتوغل في السباب والشتام بطريقة تصل في كثير من الأحيان حد القرف، يحصل ذلك كله من على خشبة المسرح التي هي باتفاق الجميع خشبة مقدسة لا تمنح الجمهور غير قيم المحبة والسلام والجمال.

في عرض ( سيف العرب ) تلعب نجومية الفنان عبد الجسين عبد الرضا العربية دورها البارز في الحد من هذه الظاهرة ، أو على الأقل تقليل وجودها ، وكذلك تحويلها من نقد للشعوب إلى نقد للأنظة الحاكمة ، وقد حفل العرض بالكثير من الإشارات ، وإن بدت خجولة ، إلى مظلومية الشعب العراقي ووقوعه في قبضة مجموعة من الجلادين والقتلة . كما حفل العرض بعدد من الصور المبتعدة عن التكلف التعبوي الذي قد تقع فيه عروض من هذا النوع ، كما هو الحال في الجملة ، اللازمة التي كان يكررها البطل حول أمنيته " الخروج من الكويت حين الغزو كما خرج الآخرون " ، دون أن يغفل من جهة أخرى لشجاعة الكويتيين الذين فضلوا البقاء في وطنهم ومواجهة عسكر الغزو بأجسادهم .

 

حدث الغزو في المسرح ( الجاد ) :

في حوار صحفي مع المخرج القدير فؤاد الشطي ، رئيس مجلس إدارة المسرح العربي ، يشخص حقيقة مفاجئة عندما يقول ما نصه : في بدايات التحرير حاولنا أن نقدم عرضاً مسرحياً في ظل الأوضاع الصعبة التي كانت تعيشها الكويت ، ولكن نظراً لأننا لم نكن نملك موازنة مادية تمكننا من تقديم العمل في أبسط أشكاله ، توقفنا عن العمل واستمر هذا الوضع حتى تمكنا من تقديم مسرحية ( طار الفيل ) ويواصل الشطي حديثه فيضيف : بكل أسف الظروف الحالية لا تمكن الفرقة من العمل ، لو نظرنا إلى الواقع الحالي نجد بأن المسرح الأهلي بالكويت بشكل عام لا يعاني إلا من مشكلة واحدة تتمثل في المشكلة الإقتصادية  

وسبب المفاجئة في حديث الشطي في تركيزه على المشكلة الإقتصادية ، ما يدفعنا إلى الإشارة إلى حال أغلب المسارح العربية الجادة  التي تعاني من نقص حاد في التمويل ، في الوقت الذي ترعى فيه الدول العربية نماذج متخلفة من وسائل الاتصال و لايبدو الفنان الكويتي سليمان البسام الذي أخرج مسرحية ( مؤتمر ماكبث )  والحائزة على جائزة أفضل عرض وأفضل إخراج في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي / الدورة الرابعة عشرة ، لا يبدو شاذاً عن هذه القاعدة ، فهو حصل على تمويل لمسرحيته من فرقة ( زوام ) الانجليزية في صورة جديدة لقدرة المؤسسات العربية على طرد أبناءها !

والحديث عن غياب الدعم ( ! ) عن العروض الجادة ، أو عروض الفرق الأهلية يؤثر ولا شك على قدرتها على الحضور والمنافسة ، وبالتالي يشل قدراتها في أن تسعى إلى خلق مناخ مسرحي متطور وهادف ، وإذا ما تفهمنا والحالة هذه غياب أثر الغزو عن عروض هذه الفرق ، فإن هذا الغياب لا يبدو معقولاً مع العروض الجادة التي تمثل الكويت في المهرجانات المسرحية الكويتية والعربية ، كما هو الحال مع عروض مهرجان القرين السادس على سبيل المثال والذي اتفق النقاد الكويتيون على كونه تميز بعروض متقدمة كثيراً عن عروض الدورات السابقة .

وتبدو إعادة قراءة النصوص العالمية كي توائم حدث الغزو حاضرة بشكل فعال في عروض المسرح الكويتي الجاد ، وخاصة تلك التي ينتجها المعهد العالي للفنون المسرحية ، كا هو الحال في عرض ( سقوط ماكبث ) لحسين المسلم معداً ومخرجاً وتمثيل مجموعة من طلبة المعهد .. وفي تقديرنا فإن نص ماكبث يصلح تماماً لأن يكون مادة لعروض وعروض يحضر فيها الطاغية بقوة ، وقد شهدت في بغداد العديد من التجارب التي كان ماكبث محورها وهو يؤدي الوظيفة ذاتها : الطاغية ، ومن هذه التجارب تجربة المخرج شفيق المهدي في العام 1989 وتجربة المخرج الدكتور صلاح القصب في العام 1998 ، ومن الجدير بالذكر التنويه هنا إلى إن هذين العرضين يصلحان ليكونا نماذج لما ذهبنا إليه في أول الورقة من القول بوجود عروض مسرحية عراقية تصدت لفكرة الطغيان والحروب والخراب والقمع بلغة غير مباشرة وفيها من الترميز الكثير .

وفي دراسته المهمة عن ( المسرح في الخليج ) لا يذكر الدكتور نادر القنة أي أثر لحدث الغزو على المسرح الخليجي بعامة أو الكويتي بخاصة ما يمثل نقصاً حاداً في المعلومات بالنسبة لدراسة جادة ورصينة تغطي سنوات الغزو وما بعده مثل دراسة الدكتور القنة ، وبالطبع فإن من المستبعد القبول بفكرة أن الغزو كان غائباً عن المسرح الخليجي طيلة السنوات الطويلة التي تلته . وما اشارتنا إلى دراسة الدكتور القنة المنهجية إلا للتدليل على غياب الدراسات التي تصدت لهذه الموضوعة ، وبالتالي ندرة العروض الرصينة المنبنية على حدث الغزو في المشهد المسرحي الخليجي والكويتي ..

إن ما تحاول ورقتنا هذه أن تبحثه لا يقع البتة في نطاق ردود الفعل المتشنجة والمستعجلة التي خلفها الغزو في نفوس عدد لا يستهان به من أهل المسرح الكويتي ولكنها تريد البحث في آثار الغزو على المسرح باعتبار أن الحوادث الجليلة والعظيمة لها ابلغ الأثر في النتاج الأدبي والفكري والفني ، ولقد كان المسرح منذ بداياته الأولى نشيطاً في تحويل الهموم الإنسانية الكبرى إلى روائع مسرحية ابتداءاً من رائعة أسخيلوس ( الفرس ) وليس انتهاءاً بمسرحيات العبث التي ظهرت بعد الحربين العالميتين ، وأرى من جديد أن حدث الغزو سيظهر بقوة في النتاج المسرحي الكويتي الجاد بعد زوال الآثار النفسية المباشرة له ، وخصوصاً بعد زوال النظام القهري في العراق ما يمثل فرصة حقيقية لإعادة قراءة الحدث ودراسة أبعاده المختلفة  .

ولتلازم الحال بين المسرحين العراقي والكويتي بالنسبة لحدث الغزو ، مع الاقرار بفجائعيته الكويتية ، تصبح الحاجة اليوم ، وبعد أن نال العراق حريته المفتقدة ، إلى إنتاج عروض مسرحية عراقية كويتية مشتركة تنظر إلى حدث الغزو نظرة فكرية جمالية متقدمة على ضغائن ومكائد السياسة ..

أخيراً لا تزعم هذه الورة أنها أحاطت بالموضوع إحاطة كاملة ، ولكنها بانتظار إضاءات أخرى تفيد في رسم صورة المسرح الكويتي بعد الغزو .

**

هوامش وإحالات :

1.       تسنت لي فرصة مشاهدة عرضي ( سيف العرب ) و( عاصفة الصحراء ) على أشرطة فيديو ولم تظهر للأسف أسماء مؤلفي ومخرجي المسرحيتين .

2.        طالع تصريحات نجوم المسرح الكويتي في : ملحق بيان الثقافة ، الإمارات العربية المتحدة ، العدد 76 بتاريخ 24 يونيو 2001 ، وجريدة البيان 2 العدد 28 بتاريخ 19 أبريل 2001 .

3.                  جريدة الحدث الكويتية بتاريخ السبت 31 مارس 2001 ، الصفحة السادسة .

4.       رئيس اتحاد المسارح الأهلية بالكويت فؤاد الشطي : علينا رفع الحجج عن الفرق المسرحية ونمكنها من العمل . ملحق بيان الثقافة ، الإمارات العربية المتحدة ، العدد 68 بتاريخ 29 ابريل 2001.

5.        راجع ما كتبه السيد محمد الروبي في جريدة الفنون  ، العدد الثامن عشر ، يونية 2002 عن مهرجان القرين السادس .. وكذلك في العدد السابع والعشرين من الجريدة ذاتها / مارس 2003 .. الكويت .

6.                  المسرح في الخليج ، الدكتور نادر القنة ، جريدة الفنون ، العدد 26 ، فبراير 2003 .. الكويت .

*************

   مقالات أخرى في المسرح