منفى الممثل العراقي ودولته الوليدة

 

 علينا التأكيد بادئ ذي بدء بأن اختيار المنفى شأن شخصي قد تسهم في صياغته عوامل شتى من ضمنها العامل السياسي، ومع ذلك فإن الشأن الشخصي هذا يتحول إلى صرخة احتجاج كبيرة إذا ما كانت الشخصية عامة ومعروفة مثل شخصيات الفنان والأديب والسياسي. وانطلاقا ً من هذا الهم الوطني فقد اختار عدد كبير جدا ً من ممثلي السينما والمسرح والتلفزيون في العراق المنفى أيام النظام الديكتاتوري السابق وكان بإمكانهم قبل ذاك العيش في وطنهم منفيين بعيدا ً عن الأضواء أو في أحسن الأحوال ديكورا ً يتم بهم ومن خلالهم تجميل المشهد العراقي القبيح ما داموا يقاومون فكرة العبودية التي كانت دوائر النظام السابق تروج لها ليلا ً ونهارا ً.

وقصة الفنانين العراقيين في المنافي والمنائي قصة طويلة تستحق وقفة أطول من هذه ومن شهود رافقوا تلك التجربة النادرة في تاريخها الذي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود من عمر الزمن العراقي، ولكننا هنا نتقصد التذكير بجهود هؤلاء الفنية والوطنية على السواء آملين بأن تبادر الجهات المعنية في العراق برفع الظلم عنهم وإحاطتهم بالعناية والاهتمام الذين ستحقونه، أقلها لجهة موقفهم الوطني المشرف.

ومن المعلوم أن هجرة المثقفين العراقيين، وبضمنهم الفنانين العرقيين، كانت قد بدأت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث ضجت المنافي والمنائي بالخبرات الفنية العراقية بعدما ضيق النظام عليهم في العراق. ثم كانت الحرب العراقية الإيرانية لتكمل الدورة فيما شهدت السنوات التي تلت حرب احتلال الكويت ومن ثم تحريرها من الجيش الصدامي هجرة أوسع بكثير من سابقتيها، حيث وصل عدد كبير من الفنانين العراقيين إلى دول مختلفة من العالم، بعضهم كان تستر بصيغة العقود التدريسية في غير دولة عربية، أشهرها ليبيا واليمن، والبعض الآخر هاجر إلى الدول الأوربية وأمريكا وكندا بمعونة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.

كان من أبرز الفنانين العراقيين المهاجرين منذ عقد السبعينيات وبداية الثمانينيات كل من الفنانتين الكبيرتين: زينب وناهدة الرماح ثم الفنانة القديرة غزوة الخالدي، ومن المخرجين الفنان جواد الأسدي والفنان فاضل السوداني، وقد حصل الأثنين على شهادات عليا في الدراما ولكنهما قررا عدم العودة إلى وطنهما ، كما هاجر في هذه الفترة الفنان المعروف قائد النعماني وكان في ذروة تألقه الفني، والأمر ينطبق على الفنان عبد المطلب السنيد وآخرين.

ولقد شهد عقد التسعينيات الرهيب خروج موجة جديدة من الفنانين، واللافت أن الموجة الجديدة هذه إنها لم تستثن الممثلين الكبار من جيل الرواد، حيث هاجر الفنان الكبير خليل شوقي والملعم القدير بدري حسون فريد والفنانة الكبيرة سهام السبتي. استقر الأول في هولندا حيث تعيش ابنته الفنانة مي شوقي وزوجها المخرج عبد الهادي الراوي، وكذلك ولده الفنان فارس خليل شوقي، أما الفنان القدير بدري حسون فريد فاختار التدريس في الصحراء الليبية ثم لم يجد أمامه بدا ً من العبور جهة المملكة المغربية ليدرس في واحد من معاهدها ويعيش عيشة الكفاف والضنك على أن يعيش عيشة الخنوع  في بلاده. فيما قررت الفنانة الرائعة سهام السبتي أن تلتحق بأحد فصائل المعارضة العراقية في عمان وتعمل في واحدة من أنشط إذاعات المعارضة العراقية حينذاك، وهي إذاعة المستقبل، قبل أن تشد الرحال للقارة الأسترالية حيث تقيم اليوم.

كان هؤلاء يمثلون باقة رائعة من ممثلينا الكبار، ولا أعتقد أن ثمة عراقي واحد لا يتذكر دوري خليل شوقي وبدري حسون فريد في الذئب والنسر وعيون المدينة، ولا أعتقد أيضا ً أن بيننا من ينسى ذلك المشهد التلقائي البديع الذي جمع بين سهام السبتي والفنان الخالد سليم البصري في تحت موسى الحلاق.

واستمرت الهجرة ليلحق بهؤلاء فنان كبير آخر هو غازي الكناني، الذي عرف بأدواره الشعبية في السينما والمسرح والتلفزيون ليستقر به المقام في القارة النائية أستراليا.

أما جيل الممثلين الشباب الذين اختاروا المنفى والهروب من قمقم القمع فهم أكثر من نعدهم في هذه العجالة، وإن كنا خصصنا هذه الورقة للفنانين الرواد فقط لتأشير فداحة خسارتنا بهم. وهؤلاء هم رموزنا الوطنية الذين منع النظام السابق تداول أخبارهم حتى على مستوى المجالس الخاصة، باعتبارهم مرتدين وخونة وما إلى ذلك من خداع.

 

لقد شهدت المنافي التي يعيش فيها المبدعون العراقيون على الدوام رحيل المبدعين العراقيين الواحد تلو الآخر بسبب الغربة وقسوتها وعامل السن وما إليه، وكان الفنان الراحل سامي السراج واحدا ً من أبرز ممثلي العراق الذي قتلتهم تلك الغربة، ولولا عناية الله يوم وفاته حيث كان يتواجد في العاصمة الأردنية عمان  وفد فني عراقي يرأسه الشاعر فاروق سلوم، مدير عام دائرة السينما والمسرح حينذاك، والجهود المخلصة التي بذلها والفنان محسن العلي وباقي أعضاء الوفد من أجل ترتيب وضع لدفن الراحل في بلده العراق، أقول لولا تلك المصادفة لدفن جثمان السراج في بلاد الغربة كما هو شأن العديد من مبدعينا الذين ماتوا حسرة في منافيهم ومنائيهم. وسامي السراج ممثل غني عن التعريف عرفه الجمهور العراقي من خلال عشرات الأدوار التلفزيونية والمسرحية والسينمائية الرصينة فحاز على حبهم واحترامهم، ولكنه من جانب آخر، وشأنه شأن العراقيين أجمع، كان يعاني من شظف العيش في وطنه وضيق فسحة الحرية وعيون الرقباء المتكاثرة فقرر الخروج من العراق نهائيا ً ليلتحق بفصائل المعارضة العراقية حيث كان صوته المعروف يحرض الأهل على الانتاض ضد الطاغية وحكمه الرهيب، وظل منتجا ً في حقول المعرفة حتى وافته المنية. ترك سامي السراج عدد كبير من المقالات والدراسات حول الفن العراقي كما نشر في منفاه كتابا ً عن الفنون العراقية السمعبصرية وكان يطمح في العودة إلى بغداد لإكمال مسيرته الفنية لولا المنية التي وافته خارج بلاده التي يحب ويعشق.

وللحديث صلة مع فنانة الشعب زينب التي توفيت في منفاها فلم تجد غير بضعة أشخاص يقرأون على روحها الطاهرة سورة الفاتحة ولتدفن في مقبرة الغرباء في السويد، وكم سيكون باهرا ً تشييعها لو تم في بلدها وهي الفنانة المعطاء التي يتذكرها الجمهور بالرغم من مرور سنوات طويلة جدا ً على قرارها مغادرة العراق لأسباب سياسية. فيما تعاني الممثلة البارعة ناهدة الرماح من وضع صحي ونفسي مؤلم لم يجد معه الفنان جواد الأسدي غير كتابة مسرحية وأخرجها بنفسه بعنوان: آلام ناهدة الرماح، أرادها تحية لها في ظروفها العصيبة بعيدا ً عن الوطن.

وبالرغم من كل دعوات التعتيم التي كان أزلام النظام السابق يقودونها ضد الفنانين العراقيين المقيمين خارجه فإن الحقيقة تقتضي التذكير بأن أغلب هؤلاء المبدعين كانوا يجتهدون قدر استطاعتهم في العمل الفني ، فالممثل العراقي كان يناضل من أجل تدبير لقمة العيش في بلاد الغربة وفي الوقت ذاته يجتهد في أن يظل وفيا ً لجمهوره ومحبيه حتى وإن قلوا في بلاد الغربة. والكثير من الممثلين العراقيين عملوا طويلا ً مع صفوف المعارضة العراقية، وكانت صحف تلك المعارضة تركز الأضواء على مواقفهم الوطنية بين فترة وأخرى، وطيلة تلك السنوات لم أقرأ تصريحا ً أو حوارا ً مع واحد منهم يتهجم فيه على زملاءه الممثلين داخل العراق وذلك لأن الفنان المنفي يعرف تماما ً أية ظروف لا إنسانية تلك التي يعيشها الزملاء داخل العراق كما يدركون أن الغالبية العظمى من المشتغلين بالوسط الفني العراقي كانوا بلا حول ولا قوة أمام ما يجري من تخريب منظم للبلاد والعباد، ناهيك عن الصلات الوثيقة التي جمعت بينهم بالرغم من اختلا=ف الأمكنة وتباعدها.

 

إن العراق الجديد الذي يتشكل الآن هو عراق أبناءه قبل أي شيء آخر، ومن هذا الباب ندعو مخلصين إلى أن تبادر وزارة الثقافة العراقية لدعوة الممثلين الكبار: خليل شوقي وبدري حسون فريد وسهام السبتي وناهدة الرماح وجواد الأسدي وفاضل السوداني وغزوة الخالدي وقائد النعماني وغازي الكناني (ومن أغفلهم الكاتب لجهل)باعتبارهم من جيل الرواد وما بعد الرواد وتكرمهم في وطنهم آخذة في نظر الاعتبار موقفهم الانساني والحضاري المتمثل بالوقوف في وجه الديكتاتورية لسنوات طويلة غير مبالين بدعواتها الرخيصة لمعاقبتهم ومعاقبة ذويهم، ومنع الأعمال الفنية التي مثلوها من الظهور على شاشة التلفزيون ومنع الصحف المحلية من تداول أخبارهم ونشاطاتهم. ولعل مثل هذا الموقف الوطني يعطي دلالة واضحة على جدية التغيير الحاصل في العراق ورغبته بالانفتاح على أبرز مبدعي العراق الذي احتضنتهم المنافي الكثيرة. وفي السياق نفسه نرفع صوتنا مجدداً مع الأصوات التي طالبت بنقل رفات المبدعين العراقيين من مقابر الغرباء المنتشرة في العالم وإعادتها إلى بلادها من خلال تأسيس مقبرة عراقية في بغداد تسمى بمقبرة المبدعين العراقيين. وكل هذا في تقديرنا يمثل أقل ما يستحقه المبدعون العراقيون جراء مواقفهم الوطنية المعروفة وإبداعهم الإنساني النبيل.

 

******

مقالات أخرى في المسرح