شفيق المهدي: هل هذا ما حدث حقاً تحت المنبر؟

 في البدء أحب أن أتوجه بالتهنئة للمخرج المسرحي الدكتور شفيق المهدي على حصوله على منصب نقيب المسرحيين العراقيين ومنصب مدير عام دار ثقافة الأطفال ومنصب عميد كلية الفنون الجميلة ببغداد أو رئيس قسم الفنون المسرحية فيها على ذمة الصحف البغدادية التي لا نملك إلا تصديقها في ظل شح المعلومة القادمة من بغداد حيث نقيم في مدن النأي البعيدة.

ولأننا نقيم في هذه المدن يصبح سهلاً على الأصدقاء القدامى، أو من كنا نظنهم كذلك، أن يمسحوا بجرة قلم سريعة لجريدة يومية جهودنا التي كنا ولحد قريب نفخر بها فإذا بنا نكتشف أن هذه الجهود هي ليست لنا أبداً أو أننا لا نملك منها حبة رمل واحدة، وهذا بالضبط ما فعله المهدي في مقاله الموسوم ( تحت المنبر) والمنشور في ثقافية النهضة العدد 297 بعنوان: ثقافة الراهن / تحت المنبر بتاريخ 12/12/2004.                

وقبل أن أدخل في مناقشة هادئة مع أستاذي وصاحبي القديم أجد من المناسب التعريج على تاريخ علاقتنا التي تمتد لأكثر من خمسة عشر عاماً وابتدأت مع اليوم الأول الذي وطأت قدماي فيه كلية الفنون الجميلة ببغداد صيف العام 1987 متقدماً بطلب انتساب للأكاديمية العريقة وكان المهدي واحداً من عدد من المبدعين العراقيين الذين قابلوني فيما يعرف بمقابلة الطلاب الجدد. يومها سألني المهدي كما سألني الآخرون ولكن أسئلته ظلت عالقة في ذهني لأنها كانت تنطلق من هم معرفي وثقافي أحبه. بعد المقابلة تم قبولي في الأكاديمية طالباً في قسم المسرح وأصبح المهدي واحداً من أحب الأساتذة إلى نفسي.

أربعة أعوام كنت فيها طالباً في الأكاديمية لم يدرسني خلالها المهدي ولو ساعة تدريسية واحدة، وبالرغم من ذلك كان أقرب التدريسيين إلى نفسي، وهو الأمر الذي حدث مصادفة مع تدريسي آخر هو الدكتور صلاح القصب الذي لم يدرسني أيضاً وظل إلى هذا اليوم واحداً من أقرب مدرسي الأكاديمية وأهل المسرح العراقي إلى نفسي.

 عندما كنت طالباً في المرحلة الأولى دعاني المهدي لزيارة ورشته التمرينية على العرض المسرحي (ماكبث)، وأذكر أنه يومها قدمني تقديماً مميزاً لكادر العرض وكان من بينهم الفنانون: ابتسام فريد، عبد الخالق المختار، حكيم جاسم، ماجد درندش، ماجد الأميري وغيرهم، ثم دعاني لقراءة واحدة من نصوصي الشعرية قبل الشروع بالتمارين وفعلت ذلك. أما أول عرض شاهدته له فكان عرض(العاصفة) الذي قدمه بالاشتراك مع المخرج صلاح القصب صيف العام 1989 ( قدم ماكبث على خشبة مسرح الرشيد في العام ذاته وبعد عرض العاصفة).

وبين العام 1987 عام قبولي طالباً في أكاديمية الفنون الجميلة والعام 1998 عام خروجي النهائي من العراق، كانت علاقتي بالمهدي تزداد يوماً بعد يوم محبة وإصراراً على العطاء فماذا أذكر منها؟ هل أذكر مثلاً أنه كان أدخلني إلى قاعة الضيوف والمدعوين الرسميين أيام انعقاد مهرجان المسرح العربي في بغداد في دورتيه 1988 والعام 1990 بالرغم من عيون شرطة الثقافة الذين يحرصون على دخول العرب لينالوا من موائد السلطان فيما يمنعون العراقيين منها؟ وهل أذكر سنوات الجوع والجزع الحصارية وكيف كان الصديق الكاتب المسرحي علي حسين يجمعنا على مائدة واحدة في مطعم بباب الشرقي؟ وهل أذكر دعوته الخجولة لي لحضور عرض مسرحي استهلاكي أخرجه بمبادرة من أحد الأصدقاء لحماية المهدي من الجوع المميت ولم يضع هذا الأخير أسمه عليه استحياءاً؟ وهل أذكر نقاشاتنا الصاخبة حول عرض مسرحي يعد له المهدي فلا يرى النور لأنه محاصر في وطنه؟ وهل أذكر تجربته اليتيمة في سنوات التسعينيات في مسرحية (كأس) وما كنا نكابده حينها؟؟؟ لا .... لن أذكر ذلك كله وسأعود إلى الوراء، كما فعل هو، وأحكي عن قصة(تحت المنبر).

في أواخر العام 1991 عدت إلى مقاعد الدراسة في كليتي، وكنت حينها طالباً في المرحلة الثالثة، جريحاً من مدينتي العمارة. كان أخي الأكبر سلمان قد قتل أيام دخول جيش الهزائم إلى المدينة ليطهرها من صفحة الغدر والخيانة وترك وراءه أولاده جرحى في أحد مستشفيات المدينة، وقد أحلك الأسى أيامي وغير قناعاتي كلها فقلت أن جو الأكاديمية الذي لطالما سحرني قد يعيد إلى روحي بعض اطمئنانها. وبعد فترة وجيزة سألت أستاذي وصاحبي شفيق المهدي( ولم يكن يومها قد نال شهادة الدكتوراه) في إمكانية إقامة تنظيم طلابي ثقافي لا يخضع لسطلة اتحاد الطلبة الرسمي الذي نعرف جيداً أنه يخضع لحضور قوي من قبل عناصر المخابرات( بالرغم من أن بعضاً من هؤلاء أستطيع تسميتهم كانوا يحبوننا ويساندوننا ولا يمانعون من أن نقوم بنشاطات ثقافية ما دام هدفنا الأساس عدم الإضرار بمصالح القيادة!)، وأتذكر أن المهدي يومها فرح كثيراً بذلك وقال لي إذهب إلى عميد الكلية لتفاتحه في الأمر وأنا سأقف وراءك بقوة. وقد ذهبت إلى العميد فعلاً، وكان يومها الفنان الدكتور فاضل خليل الذي تسلم مهام العمادة تواً خلفاً للفنان الدكتور عبد المرسل الزيدي. قال لي خليل حينها بالنص: اعمل ما تريد وفي أي وقت تريد وبأي امكانية تريد والذي يسألك قل له أن العميد أمرني بذلك!

عدت إلى المهدي فرحاً بأنباء العميد فاختلينا أنا وهو في نادي الأساتذة نفكر في أمر هذا التجمع(هل نشهد أبو حكيم على ذلك؟)، وبعد نقاش مطول قال لي المهدي: لم لا نكون جماعة تحت المنبر؟ وسالته حينها: ولم تحت المنبر؟ فقال بالنص: إن عبد الرزاق عبد الواحد وأمثاله يخطبون فينا فوق المنبر فيما نريد أن نخطب تحت المنبر! وقلت له هذا ما سيكون.

والذي كان في ذلك العام أنني قمت بالاتصال بعدد من الطلبة في الكلية، مستغلاً إشارة العميد بالموافقة، لنكون النواة لهذا التجمع الطلابي (هل نشهد الطالبة التي اختارها الدكتور جبار العبيدي لتذلنا بقصة فدائيي الموت أيام معركة أم المعارك وكانت فيما بعد واحدة من مجموعتنا للتمويه؟) فيما باشرت من جهة ثانية بالاتصال بعدد كبير من المبدعين العراقيين لإحياء ظهيرات ثقافية في مبنى الكلية، قسم المسرح وقاعاته خصوصاً،  وقد لبى الدعوة عدد لا يستهان به من المبدعين أذكر منهم: خزعل الماجدي، صلاح حسن،علي عبد الأمير، سعد جاسم، قاسم محمد عباس، عبد الزهرة زكي، زعيم الطائي، شوقي كريم حسن، محمد غازي الاخرس، حميد المختار، محمد تركي النصار، حكمت الحاج، نصيف الناصري، كزار حنتوش، حسن النواب، خضير ميري، أحمد الشيخ علي، فرج الحطاب، حسين علي يونس، ضياء سالم، وسام هاشم وكاظم النصار وآخرون تخونني ذاكرة المدن القصية عن استذكارهم، وبعد عدد من هذه الظهيرات بدأت (الأقلام الشابة)، كما كنا نسميهم في تعليقاتنا الساخرة، ونقصد بهم الذين يكتبون التقارير الحزبية ضد عملنا وأي عمل ثقافي لا يلهج بالشكر والعرفان للقيادة الحكيمة! أسرني المهدي أن صفحتنا صارت سوداء فاقترح أن نستضيف بعضاً من المحسوبين على ثقافة السلطة لتبييض هذه الصفحة! فلم يكن أسهل من استضافة شعراء مثل عبد الرزاق عبد الواحد وحميد سعيد لتحقيق مثل هذه الغاية، وقد حضرا فعلاً ظهيرات الأكاديمية وجلس في الصف الأمامي من قاعة حقي الشبلي حشد من الوجوه ما كنا نراهم البتة في الظهيرات الأخرى!(هل تريد مني أن أذكرك بهم واحداً واحداً؟).

ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد أسرني المهدي ذات ظهيرة أخرى بأن الدكتور مصطفى تركي السالم، وكان حينها واحداً من المسؤولين الحزبيين في الأكاديمية، يطلب حضورنا أنا وأنت لمقابلته، وحضرنا مقابلة الدكتور السالم الذي امتاز على الدوام معنا ومع غيرنا بقلب رؤوف رحيم، وما خرج عن سيرته هذه عندما أخرج من درج مكتبه تقريراً كتبه أحد الأساتذة الأجلاء !! في قسم الفنون المسرحية يطعن فيه بالمهدي وبي،  وأضاف السالم: أعتقد أن الرسالة وصلتكما فماذا أنتما فاعلان؟ فما كان منا إلا أن أذعنا للأمر الواقع وقبلنا بإيقاف نشاط جماعة تحت المنبر التي حصدت اعجاباً قل نظيره في فترة الجدب تلك وشاهدنا، يا أستاذي، أرشيف الصحف العراقية الصادرة في تلك الفترة.

تخرجت من الأكاديمية وحاول من بعدي عدد من المبدعين أن يكملوا ما كنت ابتدأته والمهدي، ومن هؤلاء الفنان كاظم النصار، ولكن شروط اللعبة، كما أزعم، كانت قد اختلفت!

هذه هي القصة التي دونتها قبل أعوام في كتاب مخطوط لي بعنوان( شارع دجلة_ أوراق من سيرة مبكرة للألم)، وذلك قبل أن يسقط صنم العراق فيكتب الآخرون سيرهم في مقارعته.

والسؤال الذي أرقني وأنا أنته من قراءة مقال المهدي هو: لماذا أغفل أي دور لي في تأسيس جماعة تحت المنبر؟ وإذا كان المهدي يحرص على الدوام أن يتجنب لقائي في عمان، أيام كنت أقيم وأعمل في معارضة نظام الصنم إياه، فلقد كنت ألتمس له العذر بأنه ( صاحب عائلة ويخاف عليها)، فلماذا يتجنب ذلك وقد سقط الصنم حقاً فلا خوف بعده ولا هم يحزنون؟ شفيق المهدي الذي كتب في واحد من مقالات النهضة ما نصه: (ماذا نعلم طلابنا في كلية الفنون الجميلة وعبد الخالق كيطان الشاعر الذي حصل على جائزة عبد الوهاب البياتي يذكر اسمك دائما بخير في قاعة الفينيق مقر المعارضة العراقية واحدى نقاط التقاء رجال المخابرات العراقية في عمان أو ولماذا، أعطي هذا الشاعر هذه الجائزة ومن هو اخوه وما اسم أمه ، وهل هو من مدينة العمارة أم من مدينة الناصرية؟؟) نشر النص في جريدة ( النهضة العدد 238 بتاريخ 15 ايلول 2004 بعنوان: أكاديميتنا الجميلة: وقائع في علم الأسئلة). هو نفسه الذي كنت أشعر بسخرية أصدقاء عمان وهم ينقلون لي تجاهله لي حين مروره بعمان لمقر عمله في ليبيا وأنا الذي كنت أذكره هنا وهناك؟!  ولكم حز في نفسي عندما شاهدته يمشي أسفل مقهى السنترال بعمان وكنت حينها أجلس في واحدة من شرفات المقهى الذي يطل على الشارع، قلت في نفسي: ألم يفكر هذا الصديق بالسؤال عنك وهو العارف بأني حتماً سأكون في المقهى كما هو حال غيري من مشردي العراق؟؟ هل يخاف مني فيما كان بيتي يضج بالفنانين العراقيين على الدوام أمثال: عبد الخالق المختار، حكيم جاسم، رائد محسن، مقداد عبد الرضا، صلاح القصب، فاضل خليل، محسن العلي، فلاح ابراهيم، فارس طعمة التميمي، كاظم النصار، عزيز عبد الصاحب، عزيز خيون، عواطف نعيم وكريم محسن ناهيك عن الأدباء والأساتذة المارين بعمان في طريقهم إلى ليبيا مثل حسين الأنصاري وحسن السوداني وعبد الكريم السوداني وطاهر عبد مسلم وكريم شغيدل والذين كنت أصادفهم أو يتقصدونني في المقهى وغيرها؟؟ بل أنني سهرت ولمرات عديدة مع مدير عام دائرة السينما والمسرح في تلك الأيام الشاعر فاروق سلوم في أماكن عامة، وهو ما حدث مع عميد المسرح العراقي الفنان يوسف العاني والمعلم القدير سامي عبد الحميد، ولم يخف واحد من هؤلاء حينها من وباء أسمه عبد الخالق كيطان الذي يعمل في وباء أشد خطورة اسمه المعارضة العراقية؟؟؟ .. ومع ذلك كله كان المهدي كان أول من بعثت له ببرقية تهنئة عندما سقط الصنم، فكتبت: رسالة إلى شفيق المهدي: سقط ماكبث الذي شرب من كأس السم التي كان يسقيها غيره.. والعنون مركب من عرضين للمهدي هما ماكبث وكأس ، وقد نشرت هذه الرسالة في عدد من المواقع العراقية على الشبكة..

يبدو أن المدن البعيدة التي نعيش فيها تقوي ذاكرتنا فهي معيننا الأوحد في الكتابة عن تاريخ مضى، أما من بقي يعيش في الجنة التي طردنا منها فأقرب السبل بالنسبة إليه لبدء تاريخ جديد يتمثل في شطبنا، نحن أبناء المدن القصية، وهذا ما فعله المهدي بهدوء ولباقة يحسد عليها!

************************

 مقالات في الشأن الثقافي