مقترح لاتحاد الأدباء العراقي:

مؤتمر الحوار في سامراء  

 

مثل سقوط نظام صدام في العراق في العام 2003 فرصة كبيرة لانعتاق الثقافة العراقية من أسار العبودية التي جسدها النظام الديكتاتوري، وكما هو متوقع بعد التحرير فقد انطلقت عشرات المشاريع الثقافية والصحافية والاعلامية والتلفزيونية ما يعطي الدليل القاطع على رغبة الثقافة العراقية في الانطلاق والتحرر. ولقد كان اتحاد الأدباء أبرز التشكيلات الثقافية الوطنيةالتي أفادت من الحرية الوليدة عندما جرت، ولأول مرة منذ عقود، انتخابات ديمقراطية حقيقية رشح عنها انتخاب مجلس جديد للاتحاد العريق. والملاحظ بعد هذه السنوات التي تلت سقوط الديكتاتورية تردد نخبنا الثقافية في اتخاذ خطوات شجاعة على طريق حلحلة الوضع المتأزم عراقياً، وخاصة في الجانب السياسي، والبقاء في دائرة ردود الأفعال فقط، وعلى أكثر تقدير الاكتفاء بإصدار بيانات معينة في المناسبات الوطن الأليمة المختلفة.

إن مشاركة المثقف العراقي في إدارة مشروع الديمقراطية الوليد في العراق ظلت على الدوام هامشية، وتضج الصحف العراقية بشكاوى متكررة لمثقفين يرون أن دورهم قد همشته الأحزاب والتيارات السياسية في الوقت الذي يعتقد فيه أصحاب هذه الشكاوى بأن المثقف هو الأكفأ من غيره على انضاج خطاب وطني في هذه المرحلة الحرجة في تاريخ البلد.

وإذا كنا نتفق مع الكثيرين في أن السياسي إنما يفكر بالثقافة باعتبارها وسيلة إعلامية ليس لها غير تلميع برامجه فإننا من جهة أخرى ندعو إلى تفعيل عمل المثقف بما يقطع الطريق أمام السياسي لتكرار ترديداته المخطوءة عن دور المثقف. ندعو هذا المثقف إلى تقديم مبادرات وطنية شجاعة تخص العديد من المسائل التي أصبحت إشكالية اليوم، مبادرات تخرجه من رتابة القاعات المغلقة الصغيرة والجمهور المتواضع والعزلة التي وجدت من ينظر لإيجابياتها، وللأسف الشديد.

إن ما رشح في الشارع العراقي بعد جريمة تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي والحسن العسكري عليهما السلام في سامراء الشهر الماضي يدعو النخب الثقافية العراقية بقوة للخروج من عزلتها والتقدم بمشروعات وطنية متكاملة تقلل من حدة خطابات السياسيين من جهة وتقلل من توتر أبناء الوطن الواحد من جهة ثانية، ناهيك عن أن هذه المشروعات سوف تضع النخب الثقافية مرة أخرى في واجهة الحدث الوطني. ولعل في ذلك فرصة لصياغة علاقة جديدة بين المثقف والمواطن في بلاد عرف عنها على مر الزمان تخريجها للعقول الفكرية الجبارة في مختلف ميادين الابداع.

ما فعلته النخب الدينية بعد جريمة سامراء كان جهداً مشكوراً ولا شك على طريق حقن الدم العراقي مؤقتاً عندما طالبت هذه النخب أتباعها بضرورة الصبر والتمسك بالهدوء، ولكن هذه الدعوة تمثل عقاراً مهدئاً لا أكثر ولا أقل، بمعنى أننا سنحتاج إلى عقار مشابه كلما تعرض مقدس عراقي للتهديد، ولقد كثرت هذه التهديدات، ولعل آخرها سلسلة التفجيرات البشعة التي طالت الأبرياء في مدينة الثورة(الصدر)، ولا نعتقد بأن حل العقار المهدئ هو ما يحتاج إليه وطننا وشعبنا وإنما الحلول الكبرى التي تحقن الدم العراقي وتضع الخطط الكفيلة بانضاج مشروع وطني متكامل للخروج من الأزمة الحالية، أزمة الطائفية بشكل خاص، ومن ثم فإن هذا المشروع سيعيد النخب الثقافية العراقية إلى واجهة الحدث التي ابتعدوا عنها. علينا التأكيد هنا بإن دعوات الصبر والانتظار والتغلب على الآلام وما إليه من التي يطلقها رجال دين وسياسيون عراقيون ليست دعوات بطرة في هذا الوقت العصيب، ولكن علينا أن لا ننسى قدرة المواطن على التحمل، ومن المؤكد أننا نرى اليوم تمظهرات عن انهيار تلك القدرة لدى عدد كبير من المواطنين، وليس في ذلك أية مثلبة، فلكل انسان طاقة صبر محدودة ربانياً ومجتمعياً.

 مؤتمر حوار الثقافات في سامراء:

بلا شك فإن مدينة سامراء تمثل واحدة من أبرز المدن العراقية التي احتفظت بتعايش مذهبي، وربما قومي، على مدى قرون، وبسبب من وجود مرقدي العسكريين فيها، بالإضافة إلى بعض الآثار العراقية الكبرى فيها، وأبرزها ملوية سامراء، ما جعل من هذه المدينة مركزاً من مراكز الاشعاع الحضاري العراقية المختلفة، ولقد جاءت تفجير مرقدي الامامين العسكريين في سامراء بمثابة ضربة عنيفة حقاً ليس للمدينة فقط وإنما للعراق كله، على أن ردة فعل النخب الثقافية العراقية أزاء هذه الجريمة البشعة كانت سطحية جداً وللأسف الشديد.

إن مؤتمراً للحوار يدعو إليه اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، بالتعاون مع المؤسسات الثقافية والاعلامية غير الحكومية يعقد في مدينة سامراء سوف يكون بمثابة مناسبة حميمة لتحقيق الكثير من الأهداف، ولعل أبرزها جمع أطياف الثقافة العراقية، المنتمية بشكل خاص لآلام الأمة، من أجل الخروج برؤية وطنية للحدث وتوابعه. وفي هذا الصدد نرى من المناسب دعوة النخب الثقافية الوطنية من مختلف المدن العراقية، وكذلك الفضائيات العراقية وغير العراقية، وتقديم أرواق عمل تخص مفاهيم الوطن والمواطنة، والدين والدولة، والديمقراطية والديكتاتورية، والتسامح والعنف والبناء بعيداً عن السياسيين وبرامجهم، وبعيداً أيضاً عن كرنفالات رجال الدين التي وجدت طريقها للاعلام في أكثر من مناسبة. مؤتمر سامراء عليه أن يكون مؤتمراً خاصاً بالثقافة العراقية، لا لتلميع هذا التيار أو ذاك،  نريده أن يختبر قوة حضور الثقافة العراقية في المراحل الحرجة التي يمر بها الوطن. مستذكرين بهذا الخصوص حضوراً كان يطبع تظاهرات شعبية عارمة في زمن الملكية للمثقفين العراقيين، وخاصة الشعراء منهم، ذلك الحضور الذي ندرسه اليوم في كتب التاريخ باعتباره مناسبة لدراسة أثر الثقافة العراقية في حياة انسان هذا الوطن.

ونعتقد باخلاص أن أبناء مدينة سامراء سوف يرحبون أيما ترحيب بهذا المؤتمر وضيوفه، فهم من أكثر العراقيين توقاً للخروج من أزمة سامراء إلى بناء مشروع وطني يعيد للمدينة هيبتها التاريخية وللوطن بهاءه المعروف.

مؤتمر سامراء إذا ما قدر له أن يولد فسوف يكون، كما نزعم، حجر الأساس في ثقافة عراقية تخرج من عزلتها لصالح المواطن قبل أي شيء آخر. وعلى المؤتمرين فيه أن يبحثوا بشكل صريح ودقيق في الأزمات المتوالدة، دون أن يسقطوا أكثر النظريات تطرفاً في واقعنا العراقي، تلك النظريات التي يخطط لها مجهولون كما يردد الاعلام والساسة على السواء. نريد أن ننتقل بثقافتنا الوطنية من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة انجاز الفعل، وهل أشرف للثقافة العراقية من تقديم مشروع وطني لهذه البلاد التي صار الدم فيها منظراً مألوفاً مثل أي مظهر حياتي آخر؟

***

 مقالات في الشأن العراقي