يموت الشاعر محتضناً مسلّته
اليوم يتّضح البياض الذي طالما تحدّثت عنه. ماكر وثعلبي ويتحدث في علوم المعرفة، ومع ذلك فهو متطرف في الارتباك. يتساقط خجله في الشوارع، ويجيء حفنة من الصبية العراة يلتحفون ما يستطيعون إمساكه. وفي المساء، يطفئ النور وينام باعتيادية جندي في حرب. كان يتأمل ناقلات الدوائر بحسد يسرّبه علانية إلى الآخر الهادئ، هذه أجمل إمرأة في الشرق، لها عينان متميزتان وشعر عصري. يتأمل يده فيضحك في النهار ويبكي في الليل. لا أمل. دائماً هو الأخ المستباح: فراشه، كتبه، قمصانه، شعاراته... البياض الذي يعنيه يتراكم في داخل مضطرب. هي لا تلتفت إليه لأنه بمنظر أبله.
روى لي ذات مرة عن تبخر أحلامه معها، يستذكرها الآن وهو أقرب إلى الوعي مثل نصل حاد... ياه... لم تكن سوى جبل ثلج. أعمى ونحيل ويفكر في أشياء مستحيلة. ثمّة الباص الذي
لا يوصل إلى منزل معتاد. ثمّة الوجوه المألوفة في المقهى. ثمّة السجائر التي يشحذها. صاحبه الذي فرض عليه فجعله يصمت... لعنة أخرى تشي بالبياض.
واسمع"يا خوي مالك" ولا أسرّح عذريتي. أقول: مهند محسن أكثر إلتحاماً بك ِ مني. وتتسائلين: ما لك؟ مالي !!!! أخشاك ِ ... وأنت ِ تغصّين بالنعومة. أترقبك وأنت ِ أكثر ابتعاداً من قمر. هذا النهار كان حافلاً بالمزاح، علّقوا خجلي على باب المسرح وتضاحكوا. سنة تصطف ّ مع الأخرى وأنا لا أجيد إلا الكلام. الكلام الذي بدأ ينفد أو سارع في خذلاني.
مالك؟ لا شيء... إرتباك يجرّ إرتباكاً وكل شيء يسير إلى هاوية، من هنا إلى هناك بوح مؤجّل وشفرة مستقبلية، أطنان من الألم الذي تقافز مثل صدر باكر... حفريات هائلة لمهندسين بالغوا في رثاء الشاعر. لا شيء غير اعتيادية تجرّ أذيالها الملفوفة بوجوه الفتيات اللواتي خبّأن رسائلهن في السراويل. لا شيء مرّة أخرى، سوى نشيد العزلة الذي أدمنت سماعه.
العام الجديد أم مسلّة الشاعر؟ ينفخ في سجل ضخم ويتوهم البقاء... العام الماضي كان عاصفاً عندما اجتاح صديقي علي حبيب ظاهر. ومع هذا، رجعت إلى غرفتي الكئيبة أدوّن المذكرات. لم تكن لديه فتاة تمسح رعونته، يموت الشاعر محتضناً مسلّته، ولا تبكي واحدة! الشتاء يسلّمه إلى الصيف، وهكذا يتضاءل حذاؤه. ولأن ما يكتبه لا يعني سواه، فإن اللغة بدأت تنشقّ عليه. أشيّع الصبيان إلى مفترق: الأول مستطيل والثاني شعاع. في الليل فقط يذكر ذلك فيلتحف بها. صباحاً تقترب منه فيندّس بين المجاميع...
أوه...
صباخ بارد لا غير...
أتحدث عن الموت ولا أعني المراثي..
ماذا يفعل الشاعر؟
***
بغداد 1994