على جسر المسيب......

تناثرت الأجساد البريئة!

 

ناظم الغزالي ومناحة الجسر:

في الوقت الذي يقف فيه العراقيون حداداً على مجزرة بغداد الجديدة التي راح ضحيتها العشرات من أطفال البلاد ثم عملية المسيب التي أودت بحياة أكثر من مائة عراقي، يرقص على الطرف الآخر الملايين من العرب على أغنية ناظم الغزالي الذائعة: على جسر المسيب... سيبوني، هذه الأغنية التي حفظها العرب عن ظهر قلب دون أن يعلموا أن مقاوماً منهم سيعبر الحدود العراقية ليتقصد هذه المدينة الصغيرة والوادعة بقنابله فيروع أهاليها ويقتل منهم أعداداً غفيرة.

ما حصل قبل ايام في مدينة المسيب، الواقعة جنوب بغداد والتي تربط العاصمة بمدن الفرات الأوسط، وخاصة المدن المقدسة منها: النجف وكربلاء، لم يكن جريمة عادية تضاف لسجل جرائم المقاومين العابرين للحدود أو المتحصنين في كهوف البادية الغربية وحسب، بل هي، وسابقتها عملية أطفال بغداد الجديدة، تعد ولا شك من أخس الجرائم التي يندى لها جبين الانسانية، تماماً مثل الجرائم السابقة التي تقصدت مدن الحلة والنجف الأشرف.

كان أهل المسيب إذن، من الذين غنى لهم ناظم الغزالي، على موعد مع سيارة مفخخة يقودها عربي لم يسمع بالتأكيد بالأغنية وصاحبها، فالغناء من المحرمات وينبغي عليه أن يمد حرامه ليشمل بلاد الرافدين هذه المرة، هكذا ينهض الغزالي المطرب من رقدته لينحب هذه المرة على الأجساد المتطايرة والطفولة المنسكب دمها البريء على أضرحة التكفيريين والمقاومين وبياعي الكلام والموت على حد سواء.

ولكن، من القسوة في سيرة هذه الجريمة المروعة ما يدفع بأعقل العقلاء إلى الصمت والاستماع إلى عويل الثكالى. تعالوا نقرأ التفاصيل:

 جريمة مزدوجة:

احمد فؤاد صبي في السابعة عشرة من عمره، فقد زميله ليث عبد الرزاق الذي كان يشاركه مرحه ولعبه في ساحة المدرسة كل يوم، راح ليث ضحية العمل الاجرامي الذي وقع وسط مدينة المسيب مساء السبت الماضي، والذي ادى الى استشهاد(101) شهيد وحصد العشرات من الجرحى، الذين اصيبوا بحروق بدرجات متفاوتة.
احمد، لم يذهب في جنازة التشييع، وانما بقي مع والد ليث المقعد جراء بتر ساقيه في الحرب العراقية الايرانية، ومنذ ذلك الوقت لم يفارق الكرسي المتحرك، كان احمد واصدقاؤه يبكون صديقهم الشهيد، من بين دموعه، خاطبهم الاب قائلا
:

- لا تنسوا أخاكم ..

 واجهش ببكاء مر، حزين، لأب مفجوع بولده الذي كان يرعاه كل يوم، ويعرف احتياجات والده الصعبة التي لا يمكنه ان يقضيها الا بمساعدة ولده الشهيد ليث، ثم عاد يحدثهم، والعبرات تخنقه.
-
لا تتركوني وحيدا، زوروني كل يوم، ارجوكم، انتم أولادي .
في مجلس الفاتحة الشهيد اثير محمد نجم، جاءهم الخبر الاكثر حزنا، ان ارهابيا، يرتدي حزاما ناسفا، فجر نفسه وسط تشييع جنازة ولده الشهيد .
لعن الجميع، الارهاب، واصراره على قتل الابرياء، واستهدافهم في كل مكان، عاد احمد الى البيت، بعد ان تفرق جميع المعزين، وحكى لوالدته كل ما دار في مساء هذا اليوم الحزين، الذي افجع المدينة بكاملها، واحزنها، بكت والدته على هول ما سمعته من مأساة استشهاد،وحرق، ودمار، وتهديم، فكل اسماء اولاد واطفال، ورجال، ونساء المدينة، معروفة لجميع(اهل الولاية) حتى تراهم في فرحهم وحزنهم كأنهم عائلة واحدة
.

المكان والناس :
مركز قضاء المسيب، ومكان تواجدهم اليومي صباحا ومساء، هو الاستدارة الرئيسة في منتصف المدينة، التي تؤدي الى جسر المسيب القديم او الى احياء المسيب الداخلية، في هذا المكان، اوقف الارهابي صهريج الغاز، بالقرب من باعة(المكسرات) وحسينية اهالي المسيب، وسوق الخضار الشعبي .
هذا المكان بالذات، في وقت العصر والمساء يكون مزدحما بالمارة والسيارات، حتى كأن المدينة تقف فيه هذه اللحظات، فهو ملتقى الاصدقاء والاحبة، هناك مطعم كباب حبش، والمقهى الشعبي، والخياط ابو احمد، ومحل معجنات ابو حيدر، الذي فقد ولده في الحادث، و(بسطات) الباعة لكل شيء تحتاجه العائلة، من الاشياء البسيطة الى الاشياء المهمة، ومركز تجمع الاطباء والصيدليات، وسوق الخضار الذي يمتد على طول الشارع، والصيرفة وباعة الخردة الذين يفترشون الرصيف المحيط للحسينة كل هؤلاء مع المارة، كانوا هدف هذا الارهابي المجرم الذي ترجل من صهريج الغاز، وكان يرتدي حزاما ناسفا، ودخل اسفل الصهريج ليفجر نفسه، ويحصد ارواح الابرياء.
وروى شهود عيان للحادث، ان نار انفجار صهريج الغاز، كانت تسير في الشارع الرئيس، بسرعة مذهلة، وبارتفاع عال، مرعب ومخيف، واتت النار على كل شيء، فوجدت الجثث المتفحمة في داخل المحلات، والايدي والارجل والرؤوس المقطوعة على الارصفة، او ملتصقة على الجدران من شدة الانفجار .
وروى اهالي المسيب، كيف مات (ابو عزيز) تاجر الاقمشة القديم، الذي يعرفه كل اهالي المسيب، مات هذا الرجل الطيب في اللحظة التي سمع فيها خبر استشهاد ولده في الحادث .
وكذلك روى الاهالي، وهم يتحدثون بحرقة وحزن عن مأساة زوجة الدكتور مرزة محمد الطائي، الذي خرج مع ولديه في ذلك المساء الى (الولاية) حتى يشتري لولديه بعض الاشياء التي يحتاجونها، ويتسلى معهم قليلا، الا انه لم يعد الى بيته في ذلك المساء الدامي، وسمعت زوجته بخبر استشهاده واستشهاد ولديه، وراحت تعد باصابعها(3،2،1) والكل ينظر لها وقلوبهم تتفطر حزنا على هول الفاجعة والمصيبة التي المت بها .
هذه المدينة، الامنة، الطيبة، فجعت مرة، فاجعة كبيرة، ايام الانتفاضة الشعبانية في آذار من عام 1991، واعتقل النظام الديكتاتوري السابق عوائل باجمعها، ولم يسمع عنها خبر حتى لحظة سقوط النظام في التاسع من نيسان عام 2003، حيث راحت عوائل المفقودين تطالب بمعرفة مصير الاباء والابناء الذين اعتقلوا، وعادوا يحملون شهادات وفاة مختومة من الدوائر الرسمية، حينها قرروا ان يسموا شوارع في المدينة والاحياء باسماء اولادهم الشهداء .
واليوم فجعت هذه المدينة، بهذه الجريمة البشعة التي يندى لها جبين الانسانية، وتؤشر مدى حقد وكراهية المجرمين لكل ما هو انساني وشريف، وفيه قرر اهالي المسيب، عدم خروجهم لاعمالهم الحرة، وبدت المدينة خالية، ساكنة، حزينة، كما قرروا ان يقيموا مآتم حزن جماعية على ارواح الشهداء الابرياء
(جريدة الصباح، بغداد، بتاريخ 19 تموز 2005 )

لماذا المسيب؟

يبدو السؤال غير معقول، فالموت الذي يزرعه المقاومون والتكفيريون العرب في أرض الرافدين لم يفرق في عدالته فشمل المدن العراقية كافة، عدل يذكرنا بعدالة صدام حسين الذي يدافع هؤلاء عنه اليوم، فقد كان حامي البوابة الشرقية وأمل الأمة عادلاً وهو يوزع موته على مدن العراق شمالها وجنوبها وشرقها وغربها.

ولكن ما يلفت النظر اليوم في الحاضنات العراقية التي توفر الملاذ الآمن للإرهاب القادم من وراء الحدود. وعلينا أن نعترف هنا بأن هذه الحاضنات تتركز في المناطق الغربية من العراق، وبالأخص تلك المجاورة لسوريا والأردن والسعودية. العجيب في ذلك أن عشائر تلك المناطق قد نالها ما نالها من إرهاب النظام البعثي الصدامي طيلة عقود طويلة، وبدلاً من اهتبال فرصة زوال الطاغية والالتفات لبناء عراق آمن ومسالم تراهم يوفرون ملاذات آمنة للمقاومين القادمين من وراء الحدود بل ويزيدون في كرم الضيافة لهم!

هل يفرح هؤلاء، المقاومون ومضيفوهم، بالدم العراقي في بغداد الجديدة والمسيب والحلة والنجف وكربلاء؟ هل حقاً يولمون، كما نسمع، بعد نجاح عملياتهم التي يروح ضحيتها العراقيون وحدهم؟ ماذا يفعل الشيوخ الذين يتصدرون المشهد الإعلامي في العراق باعتبارهم الناطقين بأسم أهل السنة بعد مثل هذه العمليات؟ هل يستدعون الراقصات والطبول درجاً على سيرة الأسير وطبان الحسن بعد أي عملية ذبح كان ينفذها بحق العراقيين؟ لماذا لا نقرأ منهم تصريحات طنانة ورنانة مثل تلك التي يطلقونها إذا ما أعتقل إمام جامع سني؟ وهل إمام الجامع السني، المعتقل فقط، أغلى من حياة المئات من العراقيين الصرعى يومياً؟ ما مصلحتهم في ذلك الرقص العنجهي؟ أسئلة أجد من الصعوبة بمكان الإجابة عليها وأنا أرى الأجساد المتفحمة والفراشات المحترقة والدور المهدمة في المسيب!

لم تكن هذه المدينة الصغيرة غير هدف سهل وحسب.

دورنا المزعوم:

مناظر المذابح العراقية على الشاشات والصفحات الأولى من الجرائد صار يومياً يدمي القلوب، فما هو دور النخب الوطنية أمام ذلك؟

من المؤسف له أننا لا نجيد سوى الكلام، وحتى الكلام صار ممنوعاً على كثيرين، (راجع الأخبار المتواترة عن اعتزال الكاتب المصري سيد القمني بعد تلقيه تهديدات بالقتل)، ولعل الكثير من مثقفينا العراقيين في بغداد ومدن العراق الأخرى يستقبلون يومياً إشارات مماثلة بالقتل، بل أن الإرهاب القادم من وراء الحدود والمقيم في الجانب الغربي من البلاد نفذ تهديداته بقتل عدد كبير من المثقفين وأهل الرأي الحر في العراق، ويكفي هنا الإشارة إلى واحد من هؤلاء وهو المفكر العراقي قاسم عبد الأمير عجام، ولكن، هل علينا أن نستسلم للموجة العاتية التي تريد إكمال ما بدأه صدام قبل عقود؟

إن مشروعاً وطنياً عراقياً يقضي بمحاربة الإرهاب بكل أصنافه، وبما فيه ما يسمى زوراً بالمقاومة الشريفة أو المشروعة، صار مطلباً عراقياً على نخبنا الوطنية أن تتسابق لتنفيذه ووضعه على رأس الأولويات. على نخبنا الوطنية أن تخرج هذه المرة من أوهامها ونرجسياتها وعزلتها التي أحاطت بها نفسها لعقود. إننا مطالبون اليوم بوقفة صريحة تسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة. لقد صار دحر الإرهاب واجباً وطنياً يتقدم على أي واجب آخر، ونقصد خروج قوات التحالف من العراق، دحر الإرهاب وأمن المواطن العراقي هو ما علينا البدء به فوراً ليصبح أمر وجود تلك القوات فيما بعد منوطاً بالقيادة السياسية للعراق وما تتخذه في هذا الشأن وفقاً للمصلحة العراقية العليا.

والرحمة لشهداء العراق في بغداد الجديدة والمسيب وباقي مدن وطننا الحبيب.

****

 نشر المقال في عدد من مواقع النت العراقية أبرزها: إيلاف وعراق الغد وكتابات.

 

 مقالات في الشأن العراقي