في مديح مالك المطلبي
وقفت بوجل أمام أستاذي الدكتور مالك المطلبي، وكنت حينها أعيش مشاعر متضاربة بين أن أنشر في الصحف العراقية أو أصمت احتجاجاً على ذبحنا الجماعي في العام 1991 .. كنت حينها أشق أول الخطوات في فضاء الإبداع العراقي، ولم أجد إلا المطلبي ليدلني على الطريق الصحيح. قلت له: ماذا أعمل؟ وأجاب بنبرة الواثق: أمض قدماً، لو كنت في عمرك لنشرت في كل يوم وفي كل جريدة دون خوف أو كلل، وعندما تكبر مثلي ستحسب الناس صمتك إذا صمت. كان المطلبي أيامها صامتاً، هو الذي دوخ العراقيين بالبنيوية أيام الحرب مع إيران، وكانت له مقالات، نستطيع القول عنها مقالات في المنهج تصلح دروساً بل هي كانت دروساً، لي على الأقل، ومنها: منديل دزدمونة، رقعة الشطرنج، فندق العمارة الحديث وغيرها كثير ..
دخلت إلى أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد بعقل الصبي الحالم بالنجومية .. وقد أجج هذه المشاعر عندي بقوة حشد النجوم الذين كنت أراهم في ساحات الكلية: سامي عبد الحميد، جعفر السعدي، بدري حسون فريد، قاسم محمد، فاضل خليل، صلاح القصب، عوني كرومي وغيرهم ومن الفنانين التشكيليين: اسماعيل فتاح الترك، ماهود أحمد، محمد غني حكمت، فائق حسن، شاكر حسن آل سعيد، محمد مهر الدين وغيرهم وكانت مفاجأتي الشخصية أن الدكتور مالك المطلبي هو من سيدرسني اللغة العربية .. كان درس اللغة العربية عند المطلبي درساً للمعرفة الحقة، ولقد كان أهم الدروس قاطبة حتى إذا ما انتقلت إلى المراحل اللاحقة في الأكاديمية كان الرجل يدرسني إلى جانب العربية دروساً أخرى في التحليل والنقد .. هناك تعلمت البنيوية وشقيقاتها من تفكيكية وسيميائية .. حلل المطلبي في الدرس نماذج من ألف ليلة وليلة، ونصوصاً قرآنية وقصائد من السياب، وبالطبع العديد من النصوص المسرحية. كانت نصيحته المتكررة لنا هي أن نقرأ في كل أسبوع نص مسرحي واحد على الأقل، وبعملية رياضية قال ما معناه أن قراءة نص مسرحي اسبوعياً يجعلك تقرأ أربعة نصوص شهرياً وهو ما يعادل 48 نصاً في العام الواحد وهكذا.. كما درسنا أصول التحليل النقدي وكانت ساحات مناقشات رسائل الماجستير والدكتوراه التي يكون المطلبي طرفاً فيها معركة معرفية حامية الوطيس ما يجعل الكثير من الطلبة يحرص على حضورها ومتابعتها ..
شخصياً أغرتني هذه اللعبة، أقصد لعبة النقد، فكتبت في الصحافة المحلية وعيني على المطلبي.. لم يقل مرة واحدة كلمة فيما كنت أنشره، كان يعلق على ما يصله مني من تحليلات صفية أما ما أنشره في الصحف فلا.. حتى عندما كتبت مقالاً طويلاً أعارض فيه رؤيته لمسرحية الدكتور صلاح القصب ( الخال فانيا ) دون أن أشير للمطلبي الذي كان كتب قبلي مقالاً ساخطاً حول المسرحية، أقول حتى في هذه المناسبة لم يعلق على ما كتبت.. وجدت نفسي أندفع أنا باتجاهه.. كتبت (صعاليك بغداد) وكان النص بإيحاء من نص للشاعر سامي مهدي نشره في مجلة الأقلام بعنوان (عيارو بغداد).. ذهبت للمطلبي قلقاً كعادتي عندما أذهب إليه في أمر إبداعي: ما رأيك دكتور؟.. قرأ النص بصمت وهو واقف أمامي، ثم قال لي: عليك أن تطور ما بدأته في هذا النص ولا تلتفت لشيء وراءك.. فهمت رسالته جيداً، فكانت مجموعتي الشعرية الثانية (صعاليك بغداد) لا تلتفت سوى لشعرية السرد في محاولة لعدم الوقوع في فخ العادي والمستهلك.. كنت حين صدرت المجموعة أقيم في العاصمة الأردنية عمان، وكان أشد حرصي أن تصله المجموعة في بغداد.. قدم الفنان عبد الخالق المختار إلى عمان واهتبلت الفرصة لكي أرسلها بيده لأستاذي.. كان المطلبي حينها منشغلاً بمسلسل تعليمي تلفزيوني يمثل بطولته المختار وهكذا ضمنت وصول المجموعة إليه.. انتظرت طويلاً خبر وصول مجموعتي إليه، ولكن عبد الخالق المختار تأخر إلى قرابة السنتين حتى أخبرني بأن المجموعة وصلت المطلبي. مجرد وصول مجموعتي إليه، كما أزعم، أيحاء بالشكر والعرفان للناقد والمعلم الذي يستحق عبارة الكبير.
أتذكر جيداً أنفك السومري، ذلك الأنف الذي تباهيت به ذات حوار في مجلة عراقية، وهو ميزة وجهك كما هو ميزة وجه ماهود أحمد (كان ماهود يقول لطلابه: أن هذا الأنف هو امتداد للأنوف السومرية). ومثلما دعوت لإقامة تمثال لك في (المشرح) / تلك الولاية النائية المغبرة المتعبة، أدعو لتمثال آخر لك في ساحة الأكاديمية حتى وإن دعا الداعي إلى أنك لست برجل بمسرح ..
مالك المطلبي، الشاعر الذي لم ينشر غير مجموعة واحدة، وتحول بعدها للنقد واللغة، كان غزير النشاط في الصحافة في السبعينيات والثماينيات، ومع ذلك كان ما ينشره من كتب قليل جداً، أو لا يتناسب مع مواهبه ومهاراته. كتابه: سيناريو مسلسل المتنبي موسوعة معرفية في شعر المتنبي ودرساً في فن كتابة السيناريو. أما دراساته لشعر السياب البنيوية فأقل ما يقال عنها أنها فتحت الطريق أمامي لقراءة الشعر قراءة بعيدة عن الوصف والماحول لصالح الدخول في مواجهة منهجية معرفية مع بنى النص. ولقد شاهدت مرات أيام مهرجان المربد الشعري كيف كان النقاد المغاربة يصغون بصمت وجل للمطلبي إذا ما تحدث، وكنا حينها مأخوذين بمهابة النقد المغاربي، وخاصة المتعلق بالدراسات اللغوية والنقدية الجديدة.
وإذ امتنع المطلبي سنوات التسعينات العجاف عن النشر في الصحافة المحلية، فقد كنت أستزيد من علمه أيام كنت طالباً، وحرصت على متابعة قليله هنا وهناك، هو الذي لم يتخل عن إدمانه لعبة الدومينو في مقهى حسن عجمي أو المقهى البغدادي برفقة صديقه القاص الراحل موسى كريدي (درسنا المطلبي أيام الأكاديمية نماذج من قصصه).. كنت أتفهم صمته جيداً، هو صمت المطعون في الضمير، ولأنه طرح أمامي موقفاً ملحاً بضرورة المواصلة بالكتابة والنشر لمن هم في عمري دون السقوط في فخاخ المتوفر أنذاك من كتابة ذرائعية أو منفعية، فقد فهمت تماماً لماذا يصمت المطلبي، المحاصر، والذي كانت الوفود والدعوات تستثنيه دائماً فيما يشبع بها المدراء والوصوليون والصغار.
في غمرة انشغاله بالبنيوية هاجمه كثيرون، كانت البنيوية مصاداته الدفاعية إزاء ثقافة لم تعد تقبل بغير القطيع، وترديدات المدائح والمراثي.. ذهب المطلبي نحو أقاصي المغامرة النقدية فحصن نفسه من السقوط وهو ما سيظل بسببه رافعاً هامته بفخر. فهل من مناسبة أكبر من ذلك للاحتفاء بالرجل؟
**************