عن رحيل نازك وأعني سقم عادل!!!
هي البدايات دائماً...
كنا مجموعة من المبتدئين الذين يقلدون الكبار حتى في عادة المقهى، نلتقي ونشرب الشاي ثم نتحاور في شأن السياب خصوصاً وما حوله... لحظات فيحضر شخص غريب الطباع كنا نناديه الأستاذ عادل... والأستاذ عادل كان رجلاً خمسينياً أعرف أنه كان يعمل مدرساً للغة الانجليزية وهو يقيم مع أخته، فهو غير متزوج.. الأستاذ عادل كان صموتاً ولكنه سرعان ما يفجر قنابله المضحة بعد هذا الصمت، أما إذا أراد أن يكون علمياً في موضوع ما فإنه يستدير بنا من جهة السياب إلى جهة نازك الملائكة!!!!
هذه هي المناسبة إذن لتذكر الأستاذ عادل
إنها نازك...
لا أعتقد أن ثمة شخص على وجه الكون سيبكي نازك الملائكة مثل الأستاذ عادل...
ولهذا أتذكره...
يبدأ الأستاذ عادل حديثه عن نازك بإجلال باد ثم يتحول إلى حماس غريب، حماس يشبه حماسة عاشق، ما يدفعنا، نحن مجموعة المستمعين إلى الخشوع التام، بعضنا، استدراكاً، يحاول إثارته من أجل أن نرى حماساً مفرطاً وعصبية أيضاً كأن يقول له أن شعر السياب أهم وأكثر تأثيراً في حركة الشعر العربي الحديث إذ ذاك سرعان ما ينتفض الأستاذ عادل فيلقي على مسامعنا مقاطع من (الكوليرا) أو (شظايا ورماد) أو (يغير ألوانه البحر) ألخ.. كان لا يحفظ القصائد من مجاميعها الشعرية فقط بل كان يحفظ تلك المجاميع كاملة عن ظهر قلب... وللأسف فإني لا أتذكر الآن إن كان الأستاذ عادل قد حدثنا عن لقاءات ما بالشاعرة الرائدة أو لا، ولكني أستطيع الزعم هنا أن شغفه اللا محدود بالملائكة وعمره الكبير يؤهلانه تماماً لمثل تلك اللقاءات.
من غرائب الأمور أن أقيم في فندق متواضع في بغداد أواسط تسعينيات القرن الماضي فأصادف أستاذا آخر هو الأستاذ خضير كان شديد المقت لتجربة الملائكة، كان الأستاذ خضير من عشاق السياب، وكان يدعي بأنه رافقه في سنوات ما، خاصة وإنهما من مدينة واحدة هي البصرة، على أن ما يجمع بين الأستاذين خضير وعادل طباعهما الغريبة جداً، وذلك الصمت المشوب بهالة من الجلال وحديث لا ينقطع عن المعشوق(السياب_ الملائكة).
درس الأستاذ عادل اللغة الانجليزية ودرسها، كما كتب شعراً رومانطيقياً متأثراً إلى أبعد الحدود بشعر الملائكة... لقد نشر هو الآخر بعض قصائده في الصحف العراقية (ثمانينيات القرن الفائت، مرحلة معاصرتي له ولا أعرف عن ما قبلها) ، وتبدو شخصيته متأثرة مثل شعره بشكل كبير بشخصية الملائكة، فهو رجل منطو على نفسه، قليل الحضور في الأمسيات والندوات، حضوره المجتمعي تطغى عليه صفة الصامت أو المراقب، يدخن بشراهة، ويحتسي الخمر بين فترة وأخرى.. ومن أهم ميزات شخصيته ميزة المفاجأة... فهو يفاجئك دائماً بحركة غير متوقعة، ومن ذلك زيارته لي في أكاديمية الفنون الجميلة حين كنت أدرس، وأدعاءه لمقرر قسم المسرح عند سؤاله عني بأنه والدي.. ولما عرفت بالأمر ذهبت مسرعاً للقاء أبي ( تصورت أبي، رحمه الله، بزيه الجنوبي التقليدي وهو ينتظرني في كافتيريا الطلبة!) ولكني بدلاً عن ذلك وجدت الأستاذ عادل بشعره الأشيب وقد أتخذ لنفسه طاولة قصية وبيده سجارته مما يجعل الدم يصعد إلى رأسي في تلك الظهيرة!!!
أستطيع القول وبوضوح تام إن الأستاذ عادل هو من دل مجموعتنا إلى فضاءات نازك الملائكة.. لقد كان أثر السياب، كما أشرت، قوياً جداً على المجموعة، ولكن الأستاذ عادل استطاع أن يجعلنا نقرأ الملائكة قراءة جديدة، وخاصة مجموعتها الأخيرة( يغير ألوانه البحر).. ما زلت أتذكر عندما حصل أحدنا على نسخة هذه المجموعة فتداولناها واحداً واحداً كي نستعد جيداً لخوض سجال غير تقليدي معه عندما يصل المقهى.. ولكنه كالعادة كان يغلبنا في المناقشة، فهو خبير بشعر وحياة الست نازك.. يستطيع أن يحدثك ساعات عن قصيدة ما من شعرها، ويعيطيك معلومات دقيقة عن تاريخ القصيدة، موضوعها، أثرها في تجربة الشاعرة وتجربة الشعر الحر... ألخ وبحكم تمكنه من اللغة الانجليزية كان لا يعبأ باتهاماتنا لنازك كونها تأثرت بالشعر الانجليزي، وهي تهمة كنا عرفناها من الكتب التي درست تجربتها الشعرية، فلم يكن بيننا من يجيد هذه اللغة لكي يقرأ ويقارن ويحكم، وحده من كان يمتلك تلك الميزة فكان يسرد على مسامعنا مقاطع من ذاك الشعر متبوعة بمقاطع من شعر الملائكة ليبين لنا الفروقات بين التجربتين، خاصة الظلال المحلية لتجربتها.
رحيل نازك الملائكة يمثل فجيعة كبرى للأستاذ عادل قد يؤدي إلى سقم في الجسد والروح على حد سواء، أما إذا كان قد سبقها في الرحيل فمن المؤكد أن روحه الهائمة ستستقبلها بفرح غامر في السماوات الأرحب.
****