شهادة عن مهرجان عروس الجنوب

 

 

على الحدود بين العراق والكويت وقفت أتأمل سنوات مضت... أمضيتها بين حسرة ودمعة.. وساعات المنفى طويلة.. طويلة حد الاعياء، فهي لا تمنح المنفي غير القرف وفي أحسن الأحوال تثير عنده الكآبة..

وعبرت الحدود، وكان أخي عبد الله في انتظاري.. ودمعة بعد أخرى كان السؤال الذي أردده: كيف حال المدينة؟ الناس والحياة؟ هل أتى الطغيان على كل شيء جميل في المدينة أم أن حال البؤس الذي تركته يلف العمارة على حاله؟

لم يطل الانتظار,, فلقد شدني مشهد الشاحنات التي تعمل بجد على طول الطريق الواصل بين العمارة والبصرة,, وهو مشهد يدلل على حركة ما.. حركة كانت العمارة وما تزال محتاجة بحق إليها..

في العمارة، وبعد غياب أكثر من عقد كامل من السنوات وجدت جذوة الأمل عند كثيرين على حالها.. نبرة اليأس هي الأخرى كانت حاضرة.. وبين فكرتين تصنعان فلسفة الحياة كان ثمة من يريد أن يزيح التراب ويبدأ من جديد.. قلت في سري: هؤلاء أهلي.. فكم أنا محظوظ بهم؟؟

وبين الأصدقاء كنت حاضراً في أمسيتين شعريتين تكريميتين شعرت بالخجل فيهما وأنا أرى المدينة تحتفي بأبنها الغائب بابهى الصور.. ويوم بعد يوم أجول في طرقات المدينة لأصادف أصدقاء اختاروا أن يظلوا على قيد الحياة.. ذهبت إلى حيث اللحظة الأولى التي أتذكرها جيداً.. لحظة يعود تاريخها إلى أواخر السبعينيات حيث النشاط المدرسي يضج بالحركة.. وبعد هذه السنوات الطويلة وجدت النشاط كما هو بالرغم من موانع ومحظورات استجدت يضج بالحيوية والنشاط.. رسامون ومسرحيون وموسيقيون وشعراء وفنيون من مختلف الأجيال يريدون لهذه المدينة أن تبقى مركزاً لتصدير المحبة,.. ومشاريع لا نهاية لها لا تعبر على مشكلة ضيق اليد.. وتجولت في شارع دجلة الذي صار عنواناً لكتاب جديد لي يصدر العام القادم عن دار المدى.. ذهبت إلى شارع التربية أو المعارف.. تجولت في الجديدة والماجدية والسرية والسراي والقطاع وحي المعلمين,, زرت العديد من المنظمات الثقافية الجديدة وزرت بيوت الناس الطيبين.. وفي كل خطوة لي استعيد فيها وجهاً وذكرى.

مدينة العمارة اليوم صارت تفتح نوافذ جديدة للأمل.. وهذا ما كنت ابحث عنه.. لم يفاجأني الصديق عبد الناصر عبد الأمير بحيويته ومشاريعه الدائمة التي تريد ابراز وجه المدينة التي يعشق.. وبعد أن دفعني بقوة لكي نوثق للخراب الذي تركته الحروب في فيلم تسجيلي أنتجته جمعية الهلال الأحمر العراقي في ميسان، أغراني من جديد وأنا أحل ضيفاً على أهلي بعد اسابيع من الحركة في بغداد على مشروع جديد، وهذه المرة كان مشروع عروس الجنوب.. وبلا تردد.. وافقت على مقترحاته كلها مادام الأمر يتعلق بوجه العمارة الجميل ولا شيء سوى ذلك.. وكل هذا ليس مهماً.. ما أريد الاشارة إليه هنا المجموعة التي كان لها الفضل الأول والأخير في اتمام فعاليات المهرجان.. وهي مجموعة يحبرني اخلاصهم وتفانيهم في العمل على تسميتهم وطبع قبلة على جبين كل واحد منهم.. عبد الناصر عبد الأمير أكثر من صديق، فهو ابن المحلة ذاتها التي تحملت صبانا، وجدت في مكتبه الصغير بشارع التربية مجموعة من الشباب المتحمس للعمل: حسن ومحمد وفاضل و     .. لم يتذمروا لحظة من طلب هنا وحلم هناك.. ثم كان الأساتذة اياد النوري وسمير سالم و غازي جلوب وجعفر         الذين يعجز المرء أمام كرمهم وطيبتهم وغيرتهم على مدينتهم .. ولن أنسى صلاح مهدي وكاظم العبودي والكثير من الشخصيات والجهات الرسمية وغير الرسمية، تلك التي لولا صدقها ورغبتها الأكيدة في ابراز الوجه الجميل لمدينة العمارة لما استطعنا أن نقيم هذا العرس الميساني..

وفي سياق الشكر والامتنان ذاته عليّ أن اشكر اساتذتي وأصدقائي الذين لبوا دعوة العمارة لحضور مهرجان عروس الجنوب فلم يترددوا في الموافقة على الحضور وتحملوا مشاق السفر وضيق اليد ليكونوا بيننا..

الدكتور شفيق المهدي، الدكتور فاضل خليل،الدكتور عقيل مهدي يوسف الدكتور عبد المرسل الزيدي الدكتور ميمون الخالدي، الفنانة القديرة عواطف السلمان، الأستاذ علي الموسوي، الأستاذ جبار المشهداني، الفنان هادي المهدي، الأستاذ فتحي زين العابدين، الأستاذ جهاد زاير، الدكتور حسن السوداني،                   

ولا يفوتني في هذا السياق أن أتوجه بالشكر الجزيل للصديقين الحميمين علي حسين وفاضل محسن الذين قاما بتأمين اتصالي بالعديد من الأصدقاء في بغداد..

أيها الأحبة... ما معنى مدينة مثل العمارة دون أهوارها؟؟ دون شعراءها ومسرحها وفنونها الموغلة في القدم؟ ما معنى المدينة بلا موسيقى وأفراح وعشاق؟؟ ما معنى المدينة التي تتحنط فيها الذكريات وتعجز نخبها عن انارة شموع الأمل؟؟ ما معنى العمارة اذا قرر ابناؤها أن يلوذوا بالصمت والعزلة؟ كيف نستطيع أن نزيح ركام الديكتاتورية الذي جثم على صدر العمارة والوطن الجميل؟ تعالوا أيها الأحبة نحتكم للجنوب.. نحتكم لتاريخ من الندب والنضال ونضع أيادينا يداً بيد من أجل غد مشرق لا ظلم فيه ولا تهميش..

ايها الأحبة..

ونحن اليوم في ذكرى شاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب...

ونحن اليوم نقف في يوم الميلاد المجيد

ونحن اليوم في احتفال عروس الجنوب، في حضرة القصب والبردي والمشاحيف وطيور الماء والمضايف العامرة بأهلها.. ونحن في حضرة أهوار العراق..

ونحن اليوم على ابواب أيام أبي الأحرار الحسين بن علي الخالدة..

أيها الأحبة..

دعونا نطلق أغنية للأمل.

 

مقالات في الشأن الثقافي