بغداد التي نحب
بغداد التي تقترب
أشعر بالتعاسة كلما قرأت أو سمعت عن تفجير اجرامي انتحاري يطال تجمعات الأهل والأصدقاء في بغداد.. وأشعر بالتعاسة كلما قرأت أو سمعت عن عمليات التهجير البغيضة التي يتعرض لها البغداديون من قبل المجاميع الظلامية.. واشعر بالتعاسة كلما بالغت المحطات الفضائية ووكالات الأخبار في تقاريرها عن غياب الفنون والمسارح عن بغداد... اشعر بالتعاسة، ومثلي يشعر كثيرون، فهذه المدينة منذورة للجمال وليس للخراب.. للفنون وليس للعتمة... للشعر وليس لليباب.
****
وبالرغم من كوني لم أولد في بغداد، فأنا واحد من الذين حلموا بالوصول إليها طمعاً في تحقيق الكثير من الأحلام الشخصية، ومع ذلك اشعر بأني أبن بغداد.. بغداد التي كانت تمثل لي حلماً صعباً استطعت أن أصله بسبب دراستي الأكاديمية أولاً، ثم عملي في عدد من المؤسسات الاعلامية التي تنتشر فيها على الدوام.. حتى لحظة خروجي من العراق كانت مليئة بالحسرة على بغداد أكثر من الحسرة على مدينة ميلادي الأول..
ومن منفى إلى منفى.... تظل هذه المدينة رفيقة أنيسة وحلماً مستمراً...
كانت الدموع تنهمر كلما عرضت الشاشات لقطات عن هذه المدينة العملاقة..
****
ذات يوم، قبل سنوات، كلفتني جهة معارضة لنظام الحكم الديكتاوري عندما كنت أقيم في العاصمة الأردنية عمان بانتاج فيلم قصير عن بغداد.. فيلم لا يمثل سوى وثيقة عن بغداد تحت جحيم الديكتاتورية.. ولقد عهدت بالمهمة في ذلك الوقت للفنان الكبير مقداد عبد الرضا، المقيم في بغداد، ليقوم بتصوير مشاهد هذا الفيلم.. وفعل الرجل على أكمل وجه حتى إذا ما وصلتني نسخة الفيلم وبدأت في مشاهدته لم أتمالك نفسي وأخذت الدموع تنهمر على أنغام الموسيقى الحزينة للفنان عازف الجوزة أنور أبو دراغ الذي أختار الفنان مقداد عبد الرضا موسيقاه كخلفية مرافقة لمشاهد الفيلم.. كانت مشاهد الفيلم تتحدث عن خراب العاصمة.. الجوع بشكل خاص والفقر.. العوائل المشردة بلا مأوى.. المسدسات التي تملأ الشوارع بدلاً عن الأزهار.. الشوارع المكتظة بالباعة المتجولين وليس سواهم.. قوافل الحمير التي عادت باعتبارها وسائل نقل في الألفية الجديدة.. المدارس الخاوية التي يتسرب طلابها وتلامذتها عنها من اجل البحث عن لقمة خبز.. العصابات.. الجريمة.. الخراب...
اليوم لم أعد بحاجة لفيلم من هذا النوع... فبغداد التي كانت تمثل قلعة أسرار في عهد الديكتاتورية صارت اليوم مدينة لا مثيل لانفتاحها على وسائل الاعلام .. مدينة تنتشر صورها على صفحات الجرائد والمجلات الأولى.. مدينة تعتاش الفضائيات على صور مجازرها.. أما شاشات الانترنت فسرعان ما تقذف دماً بغدادياً على المتصفحين مع أول ضغطة زر... ياه... انها بغداد نفسها ولا شك!
****
لم يكن من العصي فهم استهداف جماعات الظلام لبغداد دون سواها في هذه الهجمة البربرية.. فهي الرمز.. وهي المبتدأ، واذا ما تحقق لهذه الجماعات حلمها السافل في تحطيم بغداد فإن تحطيم العراق سيكون بعد ذاك مجرد تحصيل حاصل.. خسئوا..
****
بغداد التي نعرف لا يمكن أن يعيش ابناؤها بلا سينماهات، مسارح، متنزهات، دور نشر، مقاه، مطاعم شعبية وأخرى فارهة، حديقة حيوان ومدينة ألعاب، سمك مسقوف على شواطئ دجلة، تماثيل تحكي قصص المدينة هنا وهناك، قاعات للرسم والموسيقى والرقص، معابد للمسلمين والمسيحيين والصابئة واليهود، مقامات للأولياء والصالحين والمتعبدين والمتصوفين، أسواق للخردة، أسواق للسيارات، أسواق للسجاد والأثاث العتيق والمستعمل، محلات للحلاقة، محلات لتصليح الساعات، وأخرى لأدوات المطبخ والحمامات، شوارع مكتظة بالبشر على غرار الأعظمية وشارع الرشيد والكرادة والسعدون، شوارع مكتظة بالمراجعين والأطباء على غرار شارع المشجر، شوارع مليئة بالحسان على غرار المنصور، شاورما على الماشي، ومحلات حدادة، مطاعم باجة شهيرة، وعلاوي سمك وخضار ولحم، بغداد التي نعرف لا تعيش بلا سماء تلونها الطيور... ونهرين يزدانان بالمراكب والمواويل..
****
وفي حاضر الزمان، تقرأ عن كتابات تريد تحقير هذه المدينة الحبيبة، مرة بدواعي المحبة!!!!!!! كما يقولون!، ومرات بدواعي الجهل، وأكثر المرات بدواعي الكره.. ولكن هل تحقر مدينة مثل بغداد؟ وهل يمكن مجرد تخيل ذلك؟ يستكثرون عليها أن تقيم مهرجاناً للفرح، للشعر أو الموسيقى أو المسرح؟؟؟ حجتهم في ذلك الوضع الأمني، وهي حجة وجيهة في ظاهرها ولكنها خبيثة في باطنها.. أبداً لن يكون الوضع الأمني بعائق أمام بغداد وابناءها إذا ما أرادوا أن يقيموا قداس احتفال، ولقد فعلوها.. مرات ومرات كان آخرها احتفال أقامه الحزب الشيوعي العراقي في ملعب الشعب الدولي.. غنى المطربون، ورقص الراقصون وأحتشد الشعب من أجل الفرح..وكذلك احتفال يوم المسرح العالمي... فهل جربنا أن نكرر ذلك؟؟ إن ما تريده مجاميع الظلام لبغداد هو أن تغرق في الظلام!!، وأن تبتعد عن كل ما يميزها.. ونحن في غالب الأحيان نمنح هذه المجاميع المجرمة الفرصة لتحقيق ذلك.. لقد عتمنا على ابناء هذه المدينة، وبدلاً عن بناء احتمالات الفرح والعافية سورنا شوارعها بالكونكريت.. لا ليس الكونكريت ما تريده المدينة، أنها تريد المدنية.. هل مشهد فوز شذى حسون في مسابقة الغناء وردة فعل الجماهير الفرحة بذلك الفوز ببعيد ؟؟
****
وفي كل يوم يخرج علينا من يجعل بغداد عنوانه الحزين، فمرة يميتونها، ومرة يجعلونها مدينة أشباح، ومرة يقولون لنا أن ليس في شوارعها سوى المجانين والمجرمين، ومرة أخرى يطل علينا من يؤكد أن الجثث تملأ الشوارع فيها... صار العنوان هذا إذن بضاعة الطامحين ولا يهم بعد ذاك الجروح والندوب التي يتركها في وجدان عشاق بغداد.. ندرك جيداً أن البنايات المحترقة التي لم تعمر بعد في وسط بغداد مثال على الخراب، ولكنه خراب مؤقت، خراب بناية سرعان ما تعاد إليها الحياة، فكيف نعيد الحياة للنفوس إذا ما خربت؟ نرجوكم أيها الأصدقاء أن تحاولوا رسم صورة للجمال.. الجمال يولد من الخراب أيضاً، من أجل بغداد التي نعشق ارسموا صورة لجمالها الآخاذ.. دعوها تتنفس بالموسيقى.. لا تتركوا الفكرة الجاهلة تتحكم.. دعونا جميعاً نعاضد بعضنا البعض من أجل بغداد.. حرضوا أبناءها الرسامين والشعراء، المسرحيين والموسيقيين، حرضوا النحاتين، الراقصين، حرضوا الكتاب والصحفيين، حرضوا صانعي الجمال فيها ليبدعوا... لا قيمة لنا بلا بغداد.. لا تحرضوا الشر على الايغال، والفساد على الانتشار والموت على الحياة.
*****
نحب بغداد ونعشق...
بأهلها
بتنوعهم العجيب
بالشوارع
بالمعالم
بكل شيء حي فيها
والمقابر
نحب بغداد التي تقترب
كلما أوغلوا في كرهها نوغل في عشقها
نحب بغداد
مدينة الأحلام... الأساطير... الجنون والحقيقة.
****