عروس الجنوب

 

في العراق اليوم الكثير من المشاريع الثقافية الجديدة، وهي مشاريع تتبناها جهات ولدت بعد التاسع من نيسان، خاصة مع الشلل التام الذي تعاني منه المؤسسات التقليدية ( اتحاد الادباء، نقابة الصحفيين، نقابة الفنانين، نقابة المعلمين ألخ ).. وتبدو الجهات الجديدة التي نتحدث عنها اكثر حماسة من تلك المؤسسات على طريق اقامة فعاليات ثقافية أكثر حميمية وتديم الصلات مع الجمهور المتعطش حقاً.

ليس صعباً إذن أن يجتمع مجموعة من المثقفين من أجل اقامة عرس ثقافي أو فني وهذا ما حصل مع مهرجان عرس الجنوب في مدينة العمارة الذي عقد في يومي 25 و 26 من شهر كانون الأول الماضي.. والمهرجان فكرته بسيطة للغاية تتلخص بتقديم مجموعة من الأفلام الوثائقية التي أنتجها فنانو المدينة خلال العام المنصرم بالإضافة إلى تكريم شخصيات ميسانية مؤثرة واستضافة شخصيات ثقافية عراقية للتعرف على المدينة وصناع ثقافتها  والعكس صحيح، وهو بالنتيجة يرسم صورة ما للمدينة وأهلها.. مهرجان مثل هذا يحتاج إلى قلوب رحيمة ومحبة، ولقد وجدت ذلك في شخص مدير المهرجان وصاحب فكرته الرئيسة الفنان عبد الناصر عبد الأمير، ومجموعة من وجوه المدينة الذين يمتازون بنكران الذات ووجدته في شخص أياد الحسيني وسمير سالم وغازي جلوب وسيد جعفر.. ثم المال.. لقد قدمت الأشخاص على المال بالرغم من أهميته لانجاح أي فعالية جماهيرية.. وهذا صحيح، فاذا استطعت أن تجمع مجموعة من المخلصين في أي مشروع ثقافي(أو تجاري) بإمكانك بعدها أن تحصل على تمويل مناسب مستغلاً سمعة مجموعتك وتأثيرها في وسطها الاجتماعي، وهذا ما حصل في مهرجان عروس الجنوب الذي وافقت فوراً على العمل ضمن فريق التحضير والاعداد فيه وكان هاجسي مدينة العمارة ذاتها التي ولدت فيها.

الحكمة الآن ليست في اقامة المهرجان الذي تميز بحضور لافت لأبناء المدينة وحضور مبهج لأساتذة الفن العراقي، بل في قدرة مجموعة من المثقفين على انجاز مهرجان جماهيري ممتع متجاوزين بذلك الكثير من تعقيدات العمل المؤسسي، وهو نجاح يعطينا درساً مضافاً بصدد العمل اللا مركزي في الثقافة العراقية المعاصرة التي تحررت من قيود الديكتاتورية التي كانت تفرض عليها نسقاً ظالماً قيد من نشاطها الحر.

مهرجان عروس الجنوب الذي أقيم في مدينة العمارة استطاع أن يفرز الكثير من المؤشرات لعل أهمها، عدا ما ذكرناه قبل قليل، في تلك الطاقات المدهشة التي تصر على العمل، وكذلك الطاقات التي تريد صناعة فيلم سينمائي في العمارة، وهي طاقات واعدة في السيناريو والتمثيل والتصوير والاخراج والمونتاج والموسيقى التصويرية والاضاءة والصوت، وأكاد أجزم في هذا الصدد أن هؤلاء اذا ما تسنت لهم فرص جديدة فإنهم لقادرين على خلق حركة سينما عراقية جديدة تستطيع المنافسة حقاً..

وعمل مثل الذي تحقق في مهرجان عروس الجنوب اذا ما تهيأت له ارضية مشابهة في مدن العراق الأخرى فسوف نحصل في آخر كل عام جديد مجموعة من النجاحات التي تضمد الجروح العميقة التي تعاني منها المدن العراقية ونخبها على حد سواء..

 دعونا نبحث إذن عن القلوب الرحيمة وعن محبين من طراز الذين وقفوا وراء عروس الجنوب الميساني.

 

 **********

مقالات في الشأن الثقافي