العمارة التي تجلب لي التنهدات
قد تبدو القصة التي سأجيء عليها هنا غريبة، ولكن الشبكة الانترنيتية لم تعد تعترف بقصص الغرابة تلك.. بدأت الحكاية من إيميل غريب في صندوق بريدي.. ولا أدري لماذا لم أتردد في فتح هذا الايميل بالرغم من حذري في ذلك.. كانت المفاجأة... كلام جميل عن مدينة العمارة بقلم سيدة مصرية.. وبعد رسالة وأخرى قدمت السيدة فوزية نفسها لي: مواطنة مصرية تزوجت في القاهرة وقدمت إلى العراق في العام 1980 لتقيم في مدينة العمارة بضعة سنين، وهناك أنجبت بنتين.. وعملت موظفة في دوائر الدولة وها هي تتعيش في القاهرة ولكن عينها على مدينة العمارة، هكذا كانت تدشن يومها في البحث عن أخبار هذه المدينة، وخاصة بعد الانقلاب التكنلوجي والمعلوماتي الذي حصل في العراق بعد انهيار الديكتاتورية.. ومن ضمن النتائج التي حصلت عليها نسخة من كتابي المعنون: شارع دجلة، الكتاب الذي سيصدر قريباً عن دار المدى وأتناول فيه بعض اللقطات من أيام انتفاضة أبناء المدينة في العام 1991 وعرجت فيه على جغرافيا المكان وأهم محلات العمارة وشخوصها كما عايشتها... وجدت السيدة فوزية الكتاب في موقعي الشخصي، ووجدت بعض الحلقات في أرشيف جريدة المدى، التي كانت نشرت فصولاً كاملة منه، وكأنها في ذلك الوجد وجدت ضالتها.. فكان شارع دجلة، الكتاب، مدخلاً لتعارفنا...
تقول في أول رسالة وصلتني منها:
ااعرفك بنفسى انا سيدة مصرية عشت سبع سنوات بالعراق وتحديدا بالعمارة وكنت اعمل بدائرة الحكم المحلى منذعام 1980 وحتى1987 وطبيعى ان انخرط فى المجتمع العراقى ويصبح لي اصدقاء وجيران اعتز بهم واقدرهم حق قدرهم كانوا بالنسبة لي الاهل اللذين وقفوا بجانبي ولم اشعر انني بعدت عن عائلتي وكانت لي ذكريات جميلة لن تمحوها سنوات البعد عنها فكانت العمارة في القلب ولازالت .كنت علي اتصال مع الصديقات والجيران او بالاحري اخواتي الغاليات الى قلبي وروحي عن طريق البريد العادي حتي انقطع الاتصال بيننا بفعل حرب الكويت ولم اعد اعرف عنهم اي شئ يطمأنني ويهدئ من قلقي عليهم .وكنت ابحث عن اي احد يستطيع ان يخبرني عنهم شيئآ.واذا بي اجد موقعكم اثناء بحثي علي النت.وقرأت فيه اول ما قرأت<شارع دجلة> كل هذا وانا اجهل شخصيتكم واثناء استرسالي في القراءة حدثت نفسي<ان هذا الشخص ينفع يكون كاتب او اديب> طبعآ السبب الاسلوب الرائع الذي كتبت به لتصف ايامك وسنواتك التى عشتها بالعمارة في كنف الاهل.كنت اتخيل كل كلمة كتبتها ..كل مكان تحكي عنه اتخيله لاني اعرف الكثير عن العمارة <شارع التربية -السوق الكبيرحيث كانت طلعتنا اليه انا وزميلات لي من الدوام واصحاب محلات القماش يعرفوننا حتي انهم كانو يحسبونني عراقية و بااكلمهم مصري.كنت اسكن في البداية فى السراي ثم شارع التربية ثم عدت مرة اخري للسراي اوالسرية وقبل ذلك في الكحلاء وذهبت للكثير من الاقضية والنواحي المهم باعزيزي المحترم اني عرفت في اخر تصفحي لسطورك انك شاعرآ وليس كاي شاعر انك شخصية شهيرة فهذا المجال من الشعر الذي استطيع تذوقه رغم اني لااجيد نظمه فقرأت بعضآ مما كتبته<سنوات الجمر-بغداد التي نحب-في مديح الام بمناسبة العقوق .كان وصفك لامك غاية في الروعة ابكيتني ياسيدي بكاءآ شديدآ حتي هذه اللحظة وكلماتك عنها تعتصر قلبي المآ واتخيل كل ما توصفه كأنه شريطآ سينمائيآ يمر امامي.ادرك تمامآ كل ماتقوله لاني عشت سنوات الحرب العجاف ورغم ذلك كانت اجمل سنوات حياتي.ذهبت اليكم وانا عروس توها متزوجة وانجبت هناك دعاء ودينا اما محمد فكان من نصيب مصر.سيدي المحترم رحم الله والدك كنت ابحث من خلال سطورك عن مصيره .ربنا يرحمه رحمة واسعة ويجعل صبره علي البلاء واعمال خيره في ميزان حسناته <آمين>اعتذر لاطالتي عليك واشكرك لسعة صدرك . وسلامي لكل العراقيين المخلصين واهل العمارة خاصة وحشوني قوي قوي.وحشتني درابينها . وجيراني وكل اللي اكلت معهم عيش وملح زي احنا مابنقول ...سيدي الفاضل شكرآلسعة صدرك ولكني كنت تواقة للكلام مع احد اشم فيه رائحة العراق الغالي ازاح الله غمته ‘عراق الحضارة وبغداد ابي نوؤاس وعاصمة الخلافة الاسلامية
هكذا تحكي فوزية عن العمارة كما يحكي أبن المدينة عنها، وأكثر، ولقد عجبت كيف استطاعت هذه المدينة الصغيرة، المهملة، البائسة في الخدمات والتي تبدو وكأنها تقع خارج التاريخ وخارج منطقه الجدلي، تحكي عنها بمحبة وافتتان.. هي التي سكنت في بعض أقضية المحافظة كما سكنت في محلة السرية.. بل هي تستذكر صاحب البيت الذي استأجرت منه ذات يوم، وتسألني عن صديقات قديمات وشوارع ومحلات وقصص لا أملك اليوم عنها إجابات وافية، خاصة بعد أن أضطررت أنا الآخر لترك العمارة منذ سنوات طويلة..
التنهدات التي ترسلها لي السيدة فوزية بصدد مدينتي أفخر بها، ولكنها من جهة ثانية تثير في سؤالاً عن علاقتنا بالمكان... هل مكان الولادة أم مكان التشكل؟؟؟ هل العائلة والأقارب أم الأصدقاء والمعارف؟؟ أين مكاني؟؟ كيف أسميه؟ ماذا تعني العمارة بالنسبة لسيدة مصرية عاشت هنا لسبع سنوات لا أكثر؟؟؟ كيف أصف هذا الانخطاف واللهفة والشوق الذي تعيشه صاحبة الرساتل؟؟؟
لقد أسست السيدة فوزية منتدى على شبكة الأنترنت وخصصت أغلب صفحاته للمدينة وأهلها وما كتب عنها.. ولو كنا نعيش في مدينة غربية لبادر أهل تلك المدينة على الفور وعمدتها على رأس القوم للاحتفاء بفوزية وتقديم دعوة شرفية لها لزيارة المدينة واستعادة بعض ذكرياتها وجمعها بالناس والأصدقاء والمحلات والشوارع والبيوت ألخ... لأنها حقيقة واحدة من أبناء هذه المدينة الطيبة التي ظلت على الدوام شعاراً للساسة والأدباء على حد سواء، وهي المدينة التي تمثل عراقاً مصغراً تجتمع فيه الأديان والطوائف بسلام ووئام منذ آلاف السنين.
ها أنا في هذه الكلام أحاول أن أصل السيدة فوزية بناسها الذين تحبهم، في العراق والعمارة، وإني على ثقة من أن ثمة الكثير بيننا سيتنهد وهو يقرأ كلماتها لأنها قد تكون مرت بقربه ذات يوم..