بحثاً عن صديق

 

بعد جدب أمطرت السماء، وكأن المطر كان يبحث عن صديق فوجد ضالته أخيراً..

وبعد عناء وجدت صديقي، الذي كان يستقبلني بالبسمة مردداً: سميّي، خلي وصاحبي، والمجن الذي يدرأ عني...

لم يكن عبد الخالق المختار غير ذاك الصديق ناصع البياض الذي يتشرف المرء بمعرفته، فهو يذهب بك على الفور إلى تخوم الصدق واللحظة الآمنة، وكم كنت أحتاج إلى ذلك، أنا الذي لا أستطيع تحمل فكرة أن أكون وحيداً بلا صديق من هذا النوع.. كان اختباري الحقيقي الشخصي عندما غادرت العراق، إذ تحتم عليّ أن أمحو من ذاكرتي سنوات من الرفقة الصادقة والممتعة أو على الأقل أعيش في ثنايا تلك الذاكرة وحسب.. صوته ظل يأتيني من خلال الهاتف، وكلماته من خلال رسائل لم تنقطع حتى مع اختلاف الأمكنة وخطورة ذلك زمن الديكتاتورية..

نخرج في بغداد من مسرح لندخل في الصالحية.. ونخرج من الصالحية لندخل في الأكاديمية، ومن الأكاديمة إلى ما لا حصر له من الأمكنة.. فكيف عليّ، علينا أن نتجاوز ذلك؟؟

رقد سميّي في المستشفيات، وبين واحدة وأخرى كنت أدور معه، ومعنا ثلة من الشرفاء، هل أنسى حكيم جاسم هنا؟؟؟، وبين محنة وأخرى لم أكن أملك غير الكلام، فأنا بياع كلام وهو يعرف ذلك.. فكتبت وكتبت.. وكان ما أكتبه يفرحه مثل ملاك.. وبين مستشفى الخيال ومستشفى عدنان كتبت ذات يوم، وتسامى على آلامه وهو يقرأ فرحاً:

 

ثمّة عجز ما

في الرأس

أو في الكليتين

أو في شارع الرشيد

ربما العجز

إننا نرتاد المقهى

أشبه بفاتحين خونة

 

حفظ القصيدة وبدأ يقرأها لي مركزاً على جملة عجز الكليتين!، ثم كانت رحلة الذهاب إلى عمان من أجل جراحة أخرى.. فكتبت من جديد عن ألمه الطويل المرّ:

 

قلت له:

إعطني نصف هذا الألم

أنا سليل المناحات

العزاء الأكبر بالنسبة لشاعر فاشل

هو هذا الجفاف في اللغة

 

وكان العراق شريكاً في الألم، ذلك الألم الذي ما انتهى، وظلت فصوله فصلاً يتبع فصلاً.. تماماً مثل حياة ذلك الممثل الوسيم الذي دخل إلى الوسط الفني بقدم شبه مبتورة من أثر الحروب اللعينة ولكنه سرعان ما سرق الأضواء كلها.. وأنا الناحل القادم من اقصى الجنوب أدور معه بين الشوارع والقصص.. ندلف إلى مدينة الحرية، حيث منزل عائلته الكريم، أو نذهب في رحلة لا نهاية لها بسيارته التيوتا الصغيرة في شوارع بغداد التي أحب، أحببنا، عشق وعشقنا.. هذا هو صديقي.. ويحق لي أن أفخر بذلك.. يعرفه الجمهور نجماً تلفزيونياً وأعرفه أبن عائلة كريمة وعاشق للحياة والناس والكتب.. نجلس في حسن عجمي فيرفع أذان المغرب ليقول بحسرة: كم يسحرني هذا الصوت الشجي..

عبد الخالق المختار وأنا شريكان في صنع سنوات من الجمال الباذخ.. البهي، البعيد عن تفاصيل الضياع التي صنعتها المسدسات.. تكتمل دورة الحكايا، عندما يجلس شلة من الأصدقاء الممسوسين بالمحبة بانتظار المعجزة في مقهى شعبي وسط العاصمة,, مقهى أردناه وكراً لعزلتنا وكآبة تسعينياتنا وسرية أحلامنا.. حتى صار المقهى ذاك عنواناً بدأ يستقطب العديد من الكتاب والممثلين والمخرجين والمنتجين.. وكان صاحبنا يذوي، ولكنه يكابر.. لا تسمع منه شكوى أو نبرة الم، بل كنا نشتكي بين يديه فيظهر عزيمة تذكر بعزائم الحكماء والمسنين.. وعبد الخالق يمضي في قطاره وحيداً، ذلك القطار المصنوع من الصراخ والعويل والآلام الإنسانية.. كيف يحتمل ذلك كله لوحده؟ لماذا كانت عيناه في المستشفى وهو بين مشارط الجراحين لا توحي إلا بالأمل؟ كيف استطاع جسده الطاهر أن يحتمل ذلك كله، ورأسه.. رأسه ذاك الذي علمني أشياء كثيرة كيف كان يداري أسئلته الوجودية وهو يحترق ببطء؟؟

ومن حافات العالم، حيث كنت أقيم، ظل يمدني بالأمل، فعدت لاستعادة بعض ملامح تلك الأيام وكان قريباً من الدنو أكثر من توقعي شخصياً..

في الليلة إياها كنت أتقلب في فراشي وحيداً عندما جاء هاتف الفجيعة، وأقصد فجيعتي الشخصية بصديقي.. همدت في الغرفة.. وفي المساء أمطرت السماء قطرات عجبت لكبر حجم الواحدة منها..

السماء رحيمة، إذ تبعث المطر في اللحظة الصحّ، والسماء رحيمة حقاً إذ تمنحك صديقاً هو عبد الخالق المختار، والسماء رحيمة أيضاً وهي تجعل منه أمثولة في الحب.

 

 *******************************

 

الصفحة الرئيسة